التفاصيل
الضوابط التنظيمية لممارسة حق التظاهر السلمي في التشريع العراقي

الضوابط التنظيمية لممارسة حق التظاهر السلمي في التشريع العراقي

القاضي حبيب إبراهيم

2022-03-16 07:52:00

يعد حق التظاهر السلمي من الحقوق الدستورية المهمة التي ورد النص عليها في المواثيق الدولية والدساتير المحلية، حيث ورد النص على ذلك الحق في المادة (20) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948، وكذلك في المادة (21) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عام 1966، كما أشار ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوربي بأن لكل إنسان الحق في حرية التجمع السلمي.

أما على الصعيد المحلي فقد نصت الدساتير الوطنية على حق التظاهر السلمي صراحة، ومن ذلك ما ورد عليه النص في المادة (73) من الدستور المصري الحالي لسنة 2014 بأن "للمواطنين حق تنظيم الاجتماعات العامة، والمواكب والتظاهرات وجميع أشكال الاجتماعات السلمية غير حاملين للسلاح من أي نوع باخطار على النحو الذي ينظمه القانون كما ورد النص ايضا في المادة 38 من الدستور العراقي النافذ حاليا لسنة 2005 على أن "تكفل الدولة، بما لا يخل بالنظام العام والآداب (...) حرية الاجتماع والتظاهر السلمي وتنظم بقانون".

ولحق التظاهر تعاريف فقهية وتشريعية عدة، وقدر تعلق الأمر بالتعريف الفقهي لحق التظاهر، فقد عرف لدى الفقه الفرنسي بانه (تجمع للأفراد في الطريق العام للتعبير عن رأيهم من خلال تجمعهم أو إشاراتهم أو هتافاتهم)، كما عرف أيضا بأنه (تجمع من الأفراد في الطريق العام ثابت أو متحرك للتعبير عن رأي عام)، وعرف كذلك بأنه (تعبير جماعي عن إرادة وأفكار معينة ايا كانت طبيعتها سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو دينية).

أما لدى الفقه العربي فقد عرف حق التظاهر بانه "حق اساسي من حقوق الانسان يمارس بصورة ثابتة أو متنقلة عن طريق تجمع مقصود لعدة أشخاص في مكان عام بصورة وقتية ويخضع لحماية السلطة ويشمل المظاهرات المضادة، أو هو حق من حقوق الإنسان الطبيعية تمكنه من إبداء رأيه سلميا بما لا يتعارض مع القواعد القانونية المرعية وبما لا يضر بالنظام العام والاداب والأخلاق العامة".

اما التعريف الشرعي لحق التظاهر، فقد عرفه المشرع المصري في المادة الثانية من قانون التظاهر رقم 107 لسنة 2013 المعدل بأنه (كل تجمع يقام في مكان أو محل عام يدخله أو يستطيع دخوله أشخاص دون دعوة مسبقة لا يقل عددهم عن عشرة لمناقشة أو تبادل الاراء حول موضوع ذي طابع عام)، أما في التشريع العراقي فقد عرف حق التظاهر بموجب أحكام المادة (1/ ب) من قانون الاجتماعات العامة والمظاهرات الملغي رقم 115 لسنة 1995 بأن (ب- يقصد بالمظاهرة حشر منظم يسير في الميادين أو الشوارع العامة لغرض عام)، بينما لم يرد تعريف محدد لحق التظاهر في الأمر الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة رقم 19 لسنة 2003 والذي تطرق إلى أحكام التظاهر وطريقة تنظيمه، بينما تضمن مشروع قانون حرية التعبير عن الرأي والاجتماع والتظاهر السلمي تعريفا له كونه "تجمع غير محدود للمواطنين للتعبير عن آرائهم أو المطالبة بحقوقهم التي كفلها القانون والتي تنظم وتسير في الطرق (الساحات العامة) واذ كنا قد عرضنا للاساس الدستوري والتشريعي لحق التظاهر السلمي، وبيان التعريف الفقهي والقانوني له، فأن السؤال المثار يتعلق فيما اذا كان ممارسة حق التظاهر بشكل مطلق أم أن هناك ضوابط يجب التقيد بها عند الممارسة، وللاجابة عن ذلك فلا بد من الاشارة ان ممارسة كافة الحقوق الدستورية ومنها حق التظاهر السلمي لا يكون مطلقا، بل أن هناك قيودا تنظيمية يجب التقيد بها، بحيث يترتب على مخالفتها اثارة المسؤولية الجزائية للمخالفين لها، ويمكن بيان تلك القيود بما أشار له المشرع المصري من جهة والعراقي من جهة أخرى.

أشار المشرع المصري الى الضوابط التنظيمية لممارسة حق التظاهر السلمي في قانون التظاهر رقم 107 لسنة 2013، حيث منعت المادة السابعة منه على المشاركين في التظاهرات العامة الاخلال بالأمن أو النظام العام أو تعطيل الانتاج أو الدعوة إليه أو تعطيل مصالح المواطنين وإيذائهم أو تعريضهم للخطر أو الحيلولة دون ممارستهم حقوقهم أو أعمالهم أو التأثير على سير العدالة أو المرافق العامة أو قطع الطرق أو المواصلات والنقل البري أو أمائي أو تعطيل حركة المرور او الاعتداء على الأرواح والممتلكات العامة والخاصة  أو تعريضها للخطر.

كما أوجبت المادة الثامنة منه على من يريد تنظيم أو تسيير مظاهرة أن تخطر الجهة الإدارية المختصة بذلك قبل ثلاثة أيام قبل بدء التظاهرة، ويجب أن يكون الإخطار تحريريا وأن يتضمن مكان وخط سير التظاهرة ووقت بدئها وانتهائها وبيان موضوعها أو الغرض منها والمطالب والشعارات التي يرفعها المشاركون فيها وتحديد الأشخاص أو الجهة التي ترغب بالتظاهر ومحل إقامتهم ووسائل الاتصال بهم، وللجهة الإدارية المختصة بموجب أحكام المادة (العاشرة) منه أن تصدر قرارها بمنع المظاهرة أو نقلها إلى مكان آخر أو تغيير مسارها في حالة توفر معلومات أو دلائل عن وجود ما يهدد الأمن والسلم، ويجب أن يبلغ القرار لمقدمي الاخطار قبل (24) ساعة على الأقل، وفي حالة ما اذا صدر من المشاركين بالمظاهرة فعلا يشكل جريمة يعاقب عليها القانون، أو الخروج عن الطابع السلمي للمظاهرة فأنه يمكن اتخاذ القرار بفض المظاهرة والقبض على المتهمين بموجب المادة (الحادية عشرة) منه وقد أشارت المواد (السادسة عشرة والثانية والعشرون) إلى العقوبات التي يمكن فرضها عند مخالفة أحكام قانون التظاهر.

أما في التشريع العراقي، فقد أوجبت المادة (38) من الدستور العراقي النافذ لسنة 2005 كفالة الدولة لحق التظاهر بما لا يخل بالنظام العام أو الآداب، على أن تنظم بقانون، وحيث أن مشروع قانون حرية التعبير والاجتماع والتظاهر السلمي، قد تم عرضه على مجلس النواب في حزيران من العام 2014 ولم يتم إقراره بوقتها لذا فإن أمر سلطة الائتلاف المؤقتة رقم 19 لسمة 2003 لا يزال نافذا وبموجب أحكام المادة وبموجب أحكام المادة 2 من الأمر المذكور فقد تم تعليق العمل بأحكام المواد (220-222) من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 والتي تقيد حرية الأفراد في ممارسة حق التظاهر، كما أوجبت المادة (3/1) منه على عدم جواز ممارسة حق التظاهر إلا بعد الحصول على ترخيص من الجهة المختصة والمعروفة باسم (سلطة الترخيص) إضافة إلى أن المادة (3/2) من الأمر ذاته أشارت إلى أقيام سلطة الترخيص بإشعار الجهة الراغبة بالتظاهر خلال (12) ساعة من تلقيها الإشعار بعدد الأشخاص المسموح لهم بالمشاركة في التظاهرة، كما أن أحكام المادة (3/3) من الأمر أعلاه قد حددت وقت ممارسة المظاهرة لمدة أربع ساعات فقط.

ومن الضوابط التنظيمية لممارسة حق التظاهر في أمر سلطة الائتلاف فأن المادة (4) منه قد أشارت إلى تقديم الإشعار إلى سلطة الترخيص قبل 24 ساعة من ممارسة التظاهر وأن يتضمن الإشعار الحد الأعلى لعدد الأشخاص المشاركين واسماء وعناوين الأشخاص المنظمين للمظاهرة، والطريق الذي سوف تسلكه التظاهرة ووقت بدئها ومدتها، كما أن المادة (5) منه قد منعت من ممارسة حق التظاهر في الأوقات التي تصل فيها حركة السير ذروتها إلا بعد موافقة سلطة الترخيص، وبموجب أحكام المادة (6) فأنه لا يجوز أثناء ممارسة حق التظاهر حمل السلاح الناري أو الاشياء الحادة من أي نوع أو اي شيء يمكن قذفه بنية إلحاق الاذى بما في ذلك الحجارة وغيرها..

كما أن المادة (7) من الأمر نفسه قد أجازت إلقاء القبض على كل من يخالف أحكام الأمر المذكور وإحالته على المحاكم المختصة وفرض العقوبة المقررة قانونا بحقه بالحبس لمدة سنة واحدة. وأخيرا فلا بد من الاشارة من وجوب تشريع قانون متكامل لممارسة حق التظاهر السلمي في الطرق، لاسيما أن الفترة الأخيرة قد شهدت العديد من المظاهرات في بغداد والمحافظات بغية تنظيمها واكتسابها الصفة القانونية.