التفاصيل
قوانين عمياء

قوانين عمياء

القاضي إياد محسن ضمد

2022-03-16 08:24:00

العلاقة بين القانون والواقع علاقة تفاعلية، فالواقع ابتداء، بما فيه من تفاعلات اجتماعية متجددة، يظهر الحاجة لتشريع القانون حتى ينظم العلاقات داخل المجتمع ويضبط سلوك افراده، فاذا لم يلبِ القانون حاجة الواقع فانه يسبب ارباكا للقائمين على تطبيقه خصوصا القضاة، وضررا بالفئات المستهدفة منه، ويغدو القانون الذي كنا ننتظر منه بان يكون حلا، مشكلة بحد ذاته، تساهم في ارباك الوقائع والمراكز القانونية وتعقيدها، وبهذا الصدد قال عالم الاجتماع الفرنسي، ايدغار موران، ان القانون ينتج المجتمع الذي ينتجه.. بمعنى ان المجتمع ينتج القانون بسبب حاجة الواقع، والقانون ينتج المجتمع الذي يحكمه ويضبط سلوك افراده، وهنا اود الاشارة الى ان القانون الذي يكتبه مجموعة افراد بعيدا عن فهم الواقع وحاجاته هو قانون ميت سريريا ولا يمكن تطبيقه سيما اذا لم يأخذ مشرع القانون التغذية الراجعة من الجهات المستهدفة من تطبيقه والجهات التي تعمل على تنفيذه.

أسوق هذه المقدمة الطويلة وانا استحضر تطبيق قانون النزاهة والكسب غير المشروع رقم ٣٠ لسنة ٢٠١٩ الذي جاء تعديلا لقانون هيئة النزاهة والذي احتوى نصوصا لا يمت بعضها بأي علاقة للنصوص الأخرى داخل القانون نفسه.

 ويبدو ان الذي صاغ مواده وراجعه وشرعه لا يمتلك اي دراية بكيفية تطبيق القانون وقياس الاثر المنعكس على تطبيقه في ارض الواقع... فالذين اخذوا القانون وكتبوه في غرف مظلمة ولم يستشيروا القضاة المكلفين المباشرين بتطبيقه يتحملون مسؤولية تلك النصوص المعيبة والعصية على التطبيق وكما ان للانسان الذي يمتلك صحة جيدة ان يعيش وقتا طويلا فان للتشريع الذي يكتب بطريقة مهنية واحترافية وصحيحة وقادرة على مجاراة الواقع ان يعيش زمنا طويلا... فخذوا مثلا العمر الطويل الذي عاشه قانون العقوبات العراقي رقم ١١١  لسنة ١٩٦٩ ورغم مرور اكثر من ٥٠ عاما على تشريعه الا ان الكثير من نصوصه ما زالت حية وبصحة جيدة وقادرة على ان تنظم علاقاتنا وخذوا مثلا على الجانب الاخر قانون النزاهة والكسب غير المشروع الذي شرع منذ سنتين فقط، وبشهادة الكثير من الزملاء القضاة، هو قانون لا يمكن تطبيقه ولا يمكن ان يعيش حتى لسنوات معدودة بدون تعديل او الغاء لانه لم يساهم في مكافحة الكسب غير المشروع وجاء بمواد زادت من تعقيدات الواقع وإرباكه.

وهنا اوجه رسالة لأي مؤسسة تنوي كتابة مسودة قانون بضرورة ان تراعي سماع وجهة نظر ممثلين عن الفئات التي يستهدفها التشريع ووجهة نظر من يقوم على تطبيق القانون فانك لو شرعت قانونا يحكم مهنة المحاماة دون استشارة المحامين سيغدو التشريع نكتة يتندر بها هذا وذاك وكذلك ان شرعت قانونا يخص الصحفيين والصيادلة وغيرهم فالقانون الذي لا يرى الواقع العملي هو قانون اعمى لا يمكن ان يسير في أزقته وتعرجاته ولا يمكن ان يكون منسجما معها.