التفاصيل
سمو المدد الدستورية الزمنية (مدة ولاية رئيس الدولة انموذجا) في ظل قرار المحكمة الاتحادية العليا التفسيري بالعدد 24/اتحادية/2022 في 13 /2 /2022

سمو المدد الدستورية الزمنية (مدة ولاية رئيس الدولة انموذجا) في ظل قرار المحكمة الاتحادية العليا التفسيري بالعدد 24/اتحادية/2022 في 13 /2 /2022

أ.د. علي هادي عطيه الهلالي/ عميد كلية القانون – جامعة بغداد

2022-03-27 22:33:00

يتضمن الدستور القيم التي انزلها المشرع الدستوري منزلة القواعد العليا التي تسمو على ما سواها ، قاصداً عصمتها من أي انتهاك تشريعي أو مادي من سائر السلطات ، وقد يسند المشرع تلك القيم بمدد زمنية ليكون ذلك  السمو مؤطراً بإطار مدة دستورية محددة ، ليعلو النص الدستوري ويبعده عن حيز الجحود الكلي أو المبتسر سواءٌ أكان زمنياً أو موضوعياً.

ولكن رغم الغاية ،أعلاه، التي تتقدم استخدام الصياغات الدستورية ذات القيود الزمنية فإن المشرع الدستوري يتردد في التوسع باستخدامها لكونها قد تقيد تعايش النص الدستوري مع الحادث المستجد مما يخلق هوة بين النص والواقع ، لذا يكون استخدامه للقيد الزمني في المضامين التي لا تصادفها التغيرات ولا تعترضها المستجدات ، بل على النقيض يكون مقصد المشرع الدستوري بثباتها واستقرارها مهما اختلف الزمان واختلف القابضون على السلطة ، فيكون القيد الزمني الدستوري بمثابة الركن الذي يتوقف على الالتزام به صحة تفسير النص الدستوري الذي تضمنه ، وصواب تمحيص عدم الدستورية ضد النص التشريعي الذي يعارضه  ((1)) .

ونجد ان دستور جمهورية العراق لسنة 2005 استخدم القيود الزمنية بمواضع عدة اخصها: القيد الزمني الخاص بعرض الأوراق التحقيقية على القاضي المختص ((2)) ؛ والقيد الزمني المرتبط بالبت بصحة عضوية مجلس النواب ، والطعن بالقرار المتخذ به ((3)) ؛ والقيد الزمني الحاكم لدعوة رئيس الجمهورية مجلس النواب للانعقاد ((4)) ، والقيد الزمني الحاكم لوقت انتخاب رئيس مجلس النواب ونوابه ((5)) ، وقيد مدة الدورة الانتخابية ((6)) ، وقيد تمديد الفصل التشريعي ((7)) ، وقيد مدة حالة الطوارئ وعرض الإجراءات المتخذة خلالها ((8)) ، وقيد الدعوة الى انتخابات جديدة عند حل مجلس النواب((9)) ، وقيد مصادقة القوانين واصدارها ((10))، والقيد المرتبط بانتخاب رئيسا جديدا لرئاسة الجمهورية  في حالة خلو المنصب ((11))، والقيود الزمنية المرتبطة بتكليف المرشح لرئاسة الوزراء((12))، والقيد الزمني المرتبط باستكمال متطلبات المادة 140 من الدستور ، وغير ذلك من القيود الزمنية .

ونجد أن المحكمة الاتحادية قد تذبذبت احكامها في ترتيب النتائج الدستورية على جحود السلطة التشريعية للقيود الزمنية الدستورية ، فإذا كانت قد تقيدت بالمدة الدستورية حين قضت بعدم دستورية اهدارها((13)) ، إلا إنها بخلاف ذلك اتجهت الى التحرر من وجوب التمسك بتلك المدة حين قضت بصحة القرار المتخذ من دون التقيد بغاية القيد الزمني حين اجازت امتداد الفترة الزمنية لتسمية كامل الكابينة الوزارية ((14)) .

وبينت المحكمة الاتحادية (أخيراً) مفهوماً خاصاً بالقيد الزمني المرسوم لاختيار رئيس الجمهورية وربطته بالمصلحة العليا في البلاد بما يتطلب استمرار وجوده حتى لو انتهت ولايته بانتهاء دورة مجلس النواب المحددة بأربع سنوات والى حين انتخاب رئيساً جديداً((15)) .

والواضح أن المحكمة الاتحادية قد تقيدت بقيم دستورية أخرى وهي تفسر التقيد بالقيد الزمني ثبتتها صراحة منها:" "المصلحة العامة" ، "السير المنتظم للسلطات العامة" ، "استمرار بقاء مؤسسات الدولة" ، "الاستقلال الوطني" ، بل أنها رجحت الالتزام بها والتمسك  بمقاصدها على التمسك بحرفية المدة الزمنية المؤطرة لمدة ولاية رئيس الجمهورية ، بمعنى: أنها استنبطت مجموعة من المبادئ الدستورية التي تتصل بضرورة استمرار رئيس الجهورية ورجحتها على غاية تحديد القيد الزمني .

كما أن المحكمة الاتحادية ميزت بين حالة خلو منصب رئيس الجمهورية التي تستوجب حلول نائبه أو رئيس مجلس النواب في حالة عدم وجود النائب من جهة ، وحالة انتهاء ولاية رئيس الجمهورية التي تستوجب استمرار رئيس الجمهورية المنتهية ولايته الى حين انتخاب رئيساً جديداً من جهة أخرى ، رغم اتحاد آثارهما بوجوب انتخاب رئيساً جديداً خلال المدة نفسها (ثلاثين يوماً) .

 وإذا كانت المحكمة الاتحادية قد ربطت " بحق " بين عددا من القيم الدستورية المستنبطة من جهة ، و ضرورة استمرار رئيس الجمهورية رغم انتهاء ولايته من جهة أخرى ، بيد أنها لم تبين موقفاً قضائياً حاسماً بشأن مدى التقيد بالمدة الزمنية المرتبطة : بمدة ولاية رئيس الجمهورية "اربع سنوات" قابلة للتجديد مرة واحدة فقط ، و مدة انتخاب رئيس الجمهورية "ثلاثين يوماً" من تاريخ اول انعقاد لمجلس النواب الجديد ؟ ، فضلاً عن عدم اتضاح موقفها من التقيد بباقي المدد الدستورية ، وهل يمكن تخطيها كلما امكن ربط غاياتها بمقاصد قيم دستورية متصلة بها ؟.

أظن إن كان من اليسير تفهم نظرة المحكمة الاتحادية وتفسيرها المؤدي الى استمرار رئيس الجمهورية رغم انتهاء مدة ولايته والى حين انتخاب رئيسا جديدا ، فإن من المهم عدم تخطي سمو المدد الدستورية وبخاصة أن الدستور تبناها بأكثر من مناسبة ، لذا فإن تخطي واحدة منها ممهد لتخطي غيرها ، حتى تصبح المدد الدستورية لا سمو لها ولا علو وهذا لا يمكن قبوله ، ولا أظن أن المحكمة قد قصدته ؛ لذا فإن المحكمة استخدمت "آلية التفسير الدستوري بتقريب النصوص ذات الصلة" ((16)) وأصابت ببيان القيم والمبادئ الدستورية التي ربطتها باعطاء تفسيرها المتقدم ، ولكن المحكمة لم تمهد لاهدار باقي المدد الدستورية وبخاصة لو تم احكام فهم تفسير المحكمة باسس عدة منها : أن المعنى الواسع لاستمرار رئيس الجمهورية بمهماته يستند الى ترابط غاية الالتزام بالدستور كما جاءت في الديباجة ((17)) ، مع واجب رئيس الدولة بالالتزام بالدستور وضمان الغايات الأساسية التي يؤدي اليها الالتزام بالدستور ((18)) ، كما أن الدستور ميز بين مدة ولاية ريس الدولة (4 سنوات) ((19)) من جهة ، واستمراره بمهماته الى ما بعد انتهاء مدة ولايته بانتخاب رئيساً جديداً ((20)) من جهة اخرى، فإذا كان الانتخاب يعود الى مجلس النواب فإن عدم تحقق هذا الشرط يرجع بنتائجه على هذه السلطة وتتحمل وزر جحودها للدستور ولفوات المدة الدستورية طبقاً لنتائج مبدأ الفصل بين السلطات ، في حين أن علة النص الدستوري باستمرار رئيس الجمهورية بمهماته تبقى متحققة كون عملية الانتخاب لم تتم ، ولكن تلك المهمات يجب أن لا تنصرف بكل الأحوال عن واجباته الأساسية الواردة في المادة /67 وأخصها "السهر على ضمان الالتزام بالدستور" ، من دون باقي الصلاحيات التي يمارسها خلال مدة ولايته فقط والواردة في المادة /73 من الدستور ، وبهذا التحليل يكون قرار المحكمة الاتحادية التفسيري غير منكر لسمو المدد الدستورية .

((1)) أ.د. علي هادي الهلالي . النظرية العامة في تفسير الدستور . منشورات زين الحقوقية /لبنان ، ط 1 ، 2011 ، ص 94 .

((2)) المادة /19 – ثالث عشر من دستور 2005 .

((3))  المادة /52 من دستور 2005 .

((4)) المادة /54 من دستور 2005 .

((5)) المادة /55 من دستور 2005 .

((6)) المادة /56 من دستور 2005 .

((7)) المادة /58 - ثانياً من دستور 2005 .

((8)) المادة /61- تاسعاً من دستور 2005 .

((9)) المادة /64 - ثانياً من دستور 2005 .

((10)) المادة /73 - ثالثاً من دستور 2005 .

((11)) المادة /75 – ثالثاً ورابعاً من دستور 2005 .

((12)) المادة /76 من دستور 2005 .

((13)) القضية بالعدد 55/ اتحادية / 2010 في 24/ 10 / 2010 حيث قضت:" وتجد المحكمة الاتحادية العليا أن غياب كل ما تقدم ذكره عن التطبيق وفي المدد المحددة دستورياً وبسبب من القرار الذي اتخذ بجعل الجلسة الأولى لمجلس النواب (مفتوحة) والى زمن غير محدد ودون سند من الدستور قد شكل خرقاً لاحكامه وصادر مفهوم (الجلسة الأولى) ومراميها التي قصدتها المادة (55) منه " وهو ما يتطابق مع قرارها بالعدد 53 /اتحادية/2011 في 18/10/2011 .

((14)) القرار 93/اتحادية/2010 في 19/12/2010 حين قضت:" لا وجوب على رئيس الوزراء المكلف تسمية أعضاء وزارته جميعهم خلال المدة المنصوص عليها في المادة/76-ثانيا ويجوز تسمية بعضهم .."

((15))القرار التفسيري بالعدد 24/اتحادية/2022 في 13/2/2022 حيث بينت المحكمة :" وفي حالة عدم انتخاب رئيساً جديداً لظرف ما أو لحالة طارئة فإن الضرورة تستوجب الموازنة بين وجود رئيس للجهورية تحتمها المصلحة العليا في البلاد وبين انتهاء ولايته بأربع سنوات وعدم إمكانية تجاوزها .."

((16)) أ.د. علي هادي الهلالي ، النظرية العامة في تفسير الدستور ، ص 144 .

((17)) نصت الديباجة :" أن الالتزام بهذا الدستور يحفظ للعراق اتحاده الحر شعباً وأرضاً وسيادة "

((18)) المادة 67 من دستور 2005 .

((19)) المادة 72 – أولاً   من دستور 2005 .

((20)) المادة 72 – ثانياً-ب   من دستور 2005 .