التفاصيل
تعليق على قرار المحكمة الدستورية العليا المصرية بالرقم 97 لسنة 30 قضائية

تعليق على قرار المحكمة الدستورية العليا المصرية بالرقم 97 لسنة 30 قضائية

الطالب محمد شاكر محمود المعهد القضائي / الدورة ٤٢

2022-03-28 11:18:00

بتأريخ ٩/١٠/٢٠٢١، أصدرت المحكمة الدستورية العليا في مصر قرارها المرقم ( ٩٧ ) لسنة 30 قضائية ، في قضية تتلخص وقائعها بإن المدعي ( ع ) كان قد وهب لابنتيه كل من ( د ، د) نصيبه من تركة زوجته ( والدتهن ) وتتمثل الهبة في حصته في شقتين في عقار يعود لزوجته ، ومبلغ مالي وشقة يمتلكها ، وبعد ذلك تزوج من زوجة أخرى وانجبت له ولدين ، وقد اغضبتاه البنتين الموهوب لهن حسب ادعائه أمام محكمة بور سعيد الابتدائية ، إذ قدمتا عدة بلاغات كيدية ضده، واقامتا دعوى الُزم فيها بالإنفاق عليهن شهريا ، مما أدى إلى إرهاق كاهله بزيادة التزاماته المالية ، وبذلك تحقق له العديد من الأعذار للرجوع عن هبته ، وأثناء نظر الدعوى الأصلية دفع بعدم دستورية نص المادة ( ٥٠٢ ) البند ( هـ ) من القانون المدني المصري رقم ١٣١ لسنة ١٩٤٨ والتي تنص على : " يرفض طلب الرجوع في الهبة، إذا وجد مانع من الموانع الأتية: هـ - إذا كانت الهبة لذي رحم محرم".

وتجدر الإشارة أن هذا النص يقابله في القانون المدني العراقي المادة ٦٢٣ /الفقرة هـ.

 وقد اقتنعت محكمة الموضوع بجدية الدفع وكلفت المدعي بإقامة الدعوى الدستورية، وبنتيجة الدعوى خلُصت المحكمة إلى إصدار حكما بعدم دستورية النص المطعون فيه، ويسري على هبة أي من الوالدين لولده، وسنتناول في هذا المقال ما جاء بالحكم، من ناحيتين هما:

أولا: الناحية الشكلية: يلاحظ إن المحكمة الدستورية وقبل خوضها في موضوع الدفع بعدم الدستورية للنص محل الطعن، أوضحت مفهوم المصلحة في الدعوى الدستورية بقولها: (وحيث إن من المقرر في قضاء هذه المحكمة إن مناط المصلحة الشخصية المباشرة في الدعوى الدستورية ـ وهي شرط قبولها ـ أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بإن يكون الفصل في المسألة الدستورية لازما للفصل في الطلبات المرتبطة بها المطروحة على محكمة الموضوع). و معنى ذلك أن المصلحة كشرط من شروط قبول الدعوى الدستورية يختلف عن شرط المصلحة في الدعاوى الأخرى التي تقام امام القضاء العادي ، إذ إن المحكمة الدستورية تنظر إلى المصلحة من زاوية وجود ارتباط بين المصلحة وبين الدعوى الاصلية الموضوعية التي حصل فيها الدفع بعدم الدستورية ، بمعنى أن يكون الحكم في الدعوى الدستورية مؤثرا ومغيرا لمسار الحكم في الدعوى الاصلية ، وبغير ذلك لا يتحقق شرط المصلحة في الدعوى الدستورية ، وان هذه المصلحة غير مستقلة بالدعوى إنما مرتبطة بالمصلحة في الدعوى الأخرى الاصلية ، بينما تكون المصلحة في الدعاوى العادية ، وعلى وفق تعريف الفقه لها بإنها الفائدة التي يتوخاها المدعي من رفع الدعوى ، وإن تكون هذه المصلحة مستندة إلى نص قانوني يحميها ولا ترتبط هذه المصلحة بغيرها في دعاوى أخرى ، والمصلحة في الدعوى الدستورية يشترط لتحققها إضافة لشرط الارتباط هو شرط إن يكون للمدعي مركزا دستوريا يستظل بظله، وكان النص المطعون فيه يمنعه من الحصول على ذلك الحق ، وفي الدعوى موضوع التعليق هو الرجوع عن الهبة لذي رحم محرم. ويلاحظ أيضا عند تدقيق المحكمة من الناحية الشكلية للدعوى الدستورية لغرض قبولها قد تحددت في إطار الدفع الذي أثاره المدعي (في الدعويين الاصلية والدستورية)، وهذا النطاق كان في حدود البحث في مدى موافقة البند هـ من المادة ٥٠٢ مدني مصري رقم 131 لسنة 1948 لدستور سنة ٢٠١٤ وتحديدا في منع الوالد من الرجوع عن الهبة لولده دون سواها من الحالات، المشمولة بهذا المنع من الرجوع رغم امتلاك المحكمة الدستورية العليا في مصر سلطة التصدي والحكم بعدم الدستورية بمناسبة ممارسة اختصاصاتها ([1]) وهذا الإطار الذي تحددت فيه المحكمة يجعل من أي واهب تتحقق بينه وبين الموهوب له حرمة ممنوع من الرجوع عن الهبة عند جحوده، كالجد أو العم، فيكون غير مشمول بهذا الحكم، وعليه أن يطعن بعدم الدستورية إذا ما حصل جحود من الموهوب له أو لهم حتى يلوذ بالمحكمة الدستورية للحكم بعدم دستورية الجزء الآخر من ذات البند الذي قضى بعدم دستورية جزء منه ، وعلى أمل أن تستند المحكمة إلى ذات الأسباب والتفسير لمخالفة النص للدستور، لاسيما إذا لاحظنا إن تاريخ إقامة الدعوى الدستورية هو سنة ٢٠٠٨ وتاريخ صدور الحكم محل التعليق سنة ٢٠٢١.

ثانيا: الناحية الموضوعية: ورد في تسبيب المحكمة لحكمها أن النص المطعون فيه: (ينطوي على تمييز غير مبرر بإن منع الواهب لولده من الرجوع في الهبة حال أن غيره من الواهبين يجوز لهم الرجوع في الهبة إذا توافر عذر يبيح لهم ذلك).أن تصدي المحكمة للتمييز الذي احتواه النص ينبغي معه التصدي لكامل النص والحكم بعدم دستوريته، لا أن يقتصر على الجزء الذي يخص حرمان الوالدين من الرجوع عن الهبة لولدهما إذ التقيد بحدود الدفع المثار امام محكمة الموضوع ابتدأ، ومن ثم التصدي لحالة منع الأم من الرجوع عن الهبة فقط وإلغاء النص بحقها دون سواهما، لا يحقق العدالة بشكل كامل مع امتلاك المحكمة لسلطة التصدي الكامل، لأن ذي الرحم المحرم هم الأشخاص الذين بينهم صلة قرابة ورابطة دم، ولا يجوز الزواج بينهم لوجود الحرمة، ومن ثم فأن الأب والأم يجب إن يكون لهم حق الرجوع عن عقد الهبة المبرم مع أولادهم عند إخلال وجحود الموهوب له، فضلا عن غيرهم من الواهبين ممن يمنعهم النص من الرجوع في الهبة، لاتحاد العلة في منع المشرع من الرجوع، وهي الحرمة.

   كما يلاحظ ان المحكمة الدستورية ذهبت في قرارها على أن النص المطعون فيه مخالف لدستور سنة ٢٠١٤ من الناحية الموضوعية، وإن هذا الدستور هو الذي تجب حمايته دون غيره ونصوصه لها مقام الصدارة بين قواعد النظام العام، وإن مباشرة الرقابة على دستورية القوانين وحسب استقرار قضاء المحكمة يقوم على مدى مطابقة النص محل الطعن للدستور النافذ من عدمه، رغم صدور النص سنة ١٩٤٨،وإقامة الدعوى بعدم الدستورية سنة ٢٠٠٨ في ظل سريان دستور سنة 1971 الملغي، ويفهم من ذلك أن المحكمة قد فرقت بين الناحية الشكلية والموضوعية عند ممارسة الرقابة الدستورية، فعند صدور قانون في ظل دستور ملغي وبقاؤه نافذا في ظل دستور جديد، ففي هذه الحالة ينبغي معها التدقيق والتحري فيما إذا كان النص المطعون فيه مطابقا للدستور الحالي من الناحية الموضوعية، أما من الناحية الشكلية فيكون أمر مطابقة إصدار القانون شكلا متروك للدستور الملغي ،والسبب في حماية الدستور النافذ من انتهاك نصوصه الموضوعية هو لإن هذا الدستور هو من أوجد المحكمة ،وأن صلب اختصاصها هو حمايته دون غيره من الدساتير السابقة التي صدرت في ظروف اجتماعية مختلفة عن ظروف إصدار الدستور الحالي.

    وقد ذهبت المحكمة في تسبيب قرارها عند الحكم بعدم دستورية جزء من النص المطعون فيه إلى أن المشرع المصري قد استقى حكم منع ذي الرحم المحرم من الرجوع في هبته من أحكام المذهب الحنفي الذي يجيز الرجوع في الهبة عند توافر العذر، ويمنع ذلك إذا كانت لذي رحم محرم، وأن ذلك اجتهاد من قبل المذهب الحنفي يقابله اجتهاد من المذهب المالكي والشافعي وابن حنبل يجيز رجوع الوالد في هبته لولده عند اعتصار الهبة، في حين إن أخذ المشرع المصري بحكم المذهب الحنفي يُعد خيارا يقع تحت السلطة التقديرية للمشرع، ولا يمكن مساءلته عن هذا الخيار، وتفضيل حكم مذهب على أخر مادامت جميعها اجتهادات فقهية مستندة لمبررات شرعية، وأن هذا الاتجاه من قبل المحكمة يُعد تخطياً للحدود المرسومة بين السلطات وتجاوزا على مبدأ الفصل بينها، رغم إن العدالة والمنطق يحتمان إجابة دعوى الوالد والحكم بعدم دستورية النص الطعين بالكامل وليس جزءا منه ، ولكن بالاستناد للأسباب الأخرى المذكورة في الحكم، إذ لا ينكر أن النص المطعون فيه هو قيد على القضاء المصري في الحكم بالرجوع في الهبة، وكذلك القضاء العراقي لتتطابق نص المادة ٦٢٣/هـ مع النص المصري المحكوم بمخالفته للدستور.

([1])قانون المحكمة الدستورية العليا، رقم 48 لسنة 1979، إذ نصت المادة ٢٧على: (يجوز للمحكمة في جميع الحالات أن تقضي بعدم دستورية اي نص في قانون أو لائحة يعرض لها بمناسبة ممارسة اختصاصاتها ويتصل بالنزاع المطروح عليها وذلك بعد اتباع الإجراءات المقررة لتحضير الدعاوى الدستورية).