التفاصيل
الطعن بامتناع السلطة التشريعية

الطعن بامتناع السلطة التشريعية

أ.د. علي هادي عطيه الهلالي /عميد كلية القانون – جامعة بغداد

2022-04-02 20:57:00

إذا كان الدستور قد قرر أن يكون عمل السلطات الاتحادية على وفق مبدأ الفصل بين السلطات ((1)) ، فإنه لم يترك عملها خاضعاً لمشيئتها بمباشرة العمل من عدمه ، فقد الزم جميع السلطات ، وبخاصة السلطة التشريعية ، بوجوب تأدية مهماتها ومسؤولياتها القانونية بتفان وإخلاص ((2)) ، بل أن المشرع الدستوري قد عبر عن جوهر الالتزام نفسه حين نص على غاية الالتزام بالدستور المتمثلة بالحفاظ على وحدة الدولة من جهة ((3)) ، ومقاصد القسم الدستوري ،الذي تلتزم بترديده السلطات كافة، المتمثلة بالحفاظ على استقلال العراق وسيادته ونظامه الديمقراطي الاتحادي من جهة أخرى ((4)) ، مما يعني أن الالتزام بمضامين الدستور وقيوده الموضوعية والزمنية شرط لازمٌ للحكم بقيام السلطات كافة بمهامها الموكلة اليها بالدستور ، والعكس بالعكس فإن الجحود الكامل أو المبتسر لتلك القيود يكون كافيا للحكم على كون احدى السلطات ممتنعة عن أداء مهامها مما يثير التساؤل عن معيار توصيف فعلها بالامتناع وأسانيد الطعن به ؟

الامتناع في اللغة :" بأنه خلاف البذل والاعطاء ، وقد منع فهو مانع ، ومناعٌ ، ومنعت الرجل عن شيء فأمتنع منه ، ومانعته الشيء ممانعة ... " ((5)) ، أما الفقه فقد عارض امتناع السلطة التشريعية عن مباشرة اعمالها دون الاحتجاج بالسلطة التقديرية حيث قرر :" إن ممارسة الرقابة على الامتناع التشريعي ما هو الا تأكيد لمبدأ حجية الاختصاص التشريعي والتزام المشرع بممارسة اختصاصه التشريعي بالصورة التي يحددها له الدستور من دون ان تكون له القدرة على تعديل قواعد الاختصاص " ((6)) ، وهذا ما بينه الفقهاء من قضاة المحاكم الدستورية حين اكدوا ان الرقابة على السلطة التشريعية تمتد الى الفعل كما تنبسط على الامتناع حين بينوا :" إن كل مخالفة للدستور سواء تعمدها المشرع ، أم انزلق اليها بغير قصد يتعين قمعها " ((7)) ، رغم أن الامتناع مختلف عن حالة الانحراف التشريعي .

ولكن يتعين تحديد أساس محاسبة السلطات ، وبخاصة السلطة التشريعية ، عن امتناعها فضلاً عن تحديد آليات الطعن به ، إذ يصح أن يكون ترك المهام الدستورية أو عدم مباشرتها بتوقيتاتها الزمنية وصفاً عاماً للامتناع ، ولكن الطعن والمحاسبة تشترط تحديد الاليات والآثار ؟ ، لذا نلتجأ الى التوصيف القانوني للامتناع بكونه: عمل قانوني سلبي تأتيه احدى السلطات ، يتساوى بالاثر مع العمل القانوني الإيجابي ، وبخاصة بامكانية الطعن به ، فإذا كان نهج الدستور ومسلكه يكفل الحق في التقاضي ((8))  ، كما يحظر تحصين الاعمال جميعها من الطعن ((9))  ، يكون الامتناع بهذا الحال واقعاً في شرك الرقابة بلا شك ، ولكن الرقابة التي قد تجد لها ابعادا شعبية وسياسية لا تنكر الرقابة القضائية ، إلا أن القضاء يبقى مطلوباً ، بمعنى: أنه لا يتحرك من تلقاء نفسه بل يرتهن تحركه بطلبات وطعون ضد الامتناع وغيره ، مما يحتم على من يتشارك بمضمون القسم الدستوري نفسه ، كما أسلفنا ، ويلتزم بمضامينه ومقاصده ، أن يحرك الطعن أمام القضاء ، لذا تلتزم سائر السلطات التي اقسمت قبل مباشرة عملها أن تبارز الامتناع بطرق مختلفة اخصها طريق الطعن القضائي ، بل أن نكوصها عن تحريك الطعن أو عدم قبوله بمثابة امتناع عن أداء المهام الدستورية ، ولا يصح مواجهة الامتناع بالامتناع ، دون أن يكون العذر بالاحتجاج بمبدأ الفصل بين السلطات طالما أن جميع السلطات ملتزمة بتحقيق مقاصد الدستور وغاياته نفسها ، ولا يقبل الاحتجاج بعلوية سلطة على سلطة طالما انبثقت السلطات جميعها من الرحم نفسه والتزمت بالقسم نفسه ، ولا يصح الاحتجاج بسمو السلطة التشريعية بحجة الإرادة الشعبية التي افرزتها طالما أنها امتنعت عن تحقيق مرامي تلك الإرادة ، فالدستور كما تقرر المحكمة الدستورية العليا  المصرية :" لا يدعو بالنصوص التي يتضمنها لأمر يكون مندوباً بل يقرر بما يكون لازماً" ((10)) ، فضلاً عن عدم قبول اقتصار الحكم "بجريمة الحنث في اليمين الدستورية" على رئيس الجمهورية ((11)) طالما أن المقصود بالحماية ما تضمنه القسم الدستوري من مرامي ولم يكن المقصود به التزام سلطة من دون أخرى  أو التمييز بالمحاسبة بين سلطة وأخرى ، إذ لا تعلو السلطات وتتمايز فيما بينها ، بل يعلو الدستور عليها .

ولكن ما هي آثار الطعن بالامتناع ؟

   رغم أن المحكمة الاتحادية قد اعتادت على عدم التدخل بالخيارات التشريعية ، ولكن بالرغم من هذا الاعتياد فقد تخللته بعض الاستثناءات التي مارستها المحكمة في توجيه خيارات ومضامين خاصة للسلطة التشريعية ، بيد أن هذا المسلك القضائي يخص حالة الرقابة على العمل القانوني الإيجابي لتلك السلطة ، أي: عند إصدارها التشريع الا أنه معيب بعيب عدم الدستورية ، في حين أن المسلك القضائي لابد أن يكون مختلفاً عند الطعن بحالة الامتناع الذي تمارسه السلطة التشريعية عند عدم سنها للتشريع  أو عدم التئامها لتحقيق النصاب لمباشرة مهامها التي حددها الدستور وأوجبها القسم الدستوري ؛ لذا يقبل الطعن أمام المحكمة الاتحادية من قبل باقي السلطات ضد امتناع السلطة التشريعية ، بيد أن آثاره قد تكون بتوجيه المحكمة أمراً ملزماً للسلطة التشريعية يتضمن حكم الدستور بوجوب إتيان العمل ، أو قد تقرر جزاء آخر .

((1)) المادة /47 من دستور 2005

((2)) المادة/50  من دستور 2005

((3)) ديباجة دستور 2005

((4)) المادة/50  من دستور 2005

((5)) إسماعيل الجواهري. معجم الصحاح ، دار المعرفة /بيروت ، ص 1005 .

((6)) د.عبد المجيد إبراهيم . السلطة التقديرية للمشرع – دراسة مقارنة - ، دار الجامعة الجديدة /الإسكندرية ، 2010 ، ص 219 .

((7)) الدكتور القاضي عوض المر. الرقابة القضائية على دستورية القوانين في ملامحها الرئيسية ، ص 1416 .

((8)) المادة/19- ثالثاً  من دستور 2005

((9)) المادة/100  من دستور 2005

((10)) حكم المحكمة الدستورية العليا المصرية في القضية 37 /1990 .

((11)) المادة/ 61 - سادساً-ب-1  من دستور 2005