التفاصيل
تعليق على القرار القضائي الصادر من هيئة تعيين مرجع في محكمة التمييز الاتحادية العراقية رقم 1 لسنة 2022 في 26 /1 /2022

تعليق على القرار القضائي الصادر من هيئة تعيين مرجع في محكمة التمييز الاتحادية العراقية رقم 1 لسنة 2022 في 26 /1 /2022

الاستاذ الدكتور مــيري كاظم عبيـد الخيكاني عميد كـلية القانون/جـامعة بــابل رئيس لجنة عمـداء كليات القانون في الجامعات العراقية

2022-04-18 08:17:00

أطلعنا على قرار هيئة تعيين مرجع ، وهي هيئة تنظر في تنازع الاختصاص الذي قد يحصل بين محكمة القضاء الاداري او محكمة قضاء الموظفين مع اختصاص محكمة مدنية

وان تشكيل هذه الهيئة رسمته نص المادة7/12 من قانون مجلس شورى الدولة رقم 65 لسنة وتعديلاته ... وقوام تشكيلها (6) ستة اعضاء مناصفة من محكمة التمييز الاتحادية ومجلس الدولة وتكون برئاسة  رئيس محكمة التمييز الاتحادية وتعد قرارتها باتة وملزمة ...

ولدى عطف النظر على القرار محل ((التعليق )) وجدناه يتعلق بتحديد أطار العلاقة التي تربط التدريسي في الجامعات والكليات الاهلية وبين ادارة تلك الجامعات والكليات من حيث المحكمة المختصة التي تنص النزاع الذي قد يحصل والقواعد القانونية الموضوعية التي تنظم هذه العلاقة سواء اكانت ادارية او علمية ...وهو بلا شك موضوع بالغ الدقة له أهمية استثنائية خاصة اذا ما علمنا دور الاستاذ الجامعي في العملية التعليمية سواء كان ذلك في ميدان القطاع العام ((الحكومي )) حسب قوانين وادارة التعليم العالي والبحث العلمي او قانون التعليم العالي الاهلي في ميدان القطاع الخاص ...

وملخص وقائع هذه القضية ان احد السادة التدريسيين وهو بمنصب مساعد رئيس (جامعة ) في احدى الجامعات الاهلية معارة خدماته لنفس الكلية وان مدة الاعارة ((خمس سنوات )) وتم انهاء تكليفه دون سابق انذار ... ويطالب بالتعويض عن الاضرار التي حصلت له جراء ذلك وكذلك المستحقات المالية المترتبة بذمة الجامعة الاهلية وان الشكوى اقيمت امام محكمة عمل بغداد / الكرخ .. والاخيرة احالت الدعوى الى محكمة قضاء الموظفين للنظر فيها حسب الاختصاص النوعي استنادا لا حكام المادة (78) ، من قانون المرافعات المدنية ..

قررت محكمة قضاء الموظفين بتاريخ 27/4/2021 وبعدد 775 /م/2021 رفض تلك الاحالة واعادة الدعوى الى محكمتها ((عمل بغداد )) والاخيرة أرسلت تلك الدعوى الى محكمة التمييز الاتحاديـة (الهيئة الموســعة ) لتحديد الاختصاص الوظيفي استنادا لا حكام المادة 13/ اولا /ي من قانون التنظيم القضائي رقم 160 لسنة 1979 المعدل ، قررت محكمة التمييز الاتحادية اعادة اضبارة الدعوى الى محكمة العمل ... وأتباعا للقرار التميزي قررت محكمة عمل بغداد عرض الدعوى المذكورة على هيئة تعيين مرجح لتحديد المحكمة المختصة للنظر في الدعوى

وضعت تلك الهيئة اضبارة الدعوى موضوع التدقيق والمداولة .. وانتهت الى قرارها بالأكثرية ...ان النقطة الواجبة الحل ابتداء هي اعطاء التكييف القانوني السليم للاتفاق المبرم بين طرفي الدعوى ، فهل هو عقد مسمى اي عقد عمل يخضع لقانون العمل او عقد غير مسمى يخضع للقواعد العامة في العقود التي نص عليها القانون المدني .

وركنت تلك الهيئة وهذا هو وجه التأمل والاشارة الى انه ... ( لا يمكن اعتبار عمل الاستاذ الجامعي او المحاضر في جامعة اهلية بموجب الاتفاق المبرم بينها (( عقد عمل )) سواء كانت الاعمال والمهام الموكلة الية علمية او ادارية وذلك لفقدانه الركن الاساسي المتمثل بـ ((الاشراف والرقابة )) من قبل رب العمل على العامل ....

واستطردت تلك الهيئة ان الاولوية الكامنة والقول لها في جوهر الاتفاق بين الاستاذ الجامعي والجامعة الاهلية هو تقديم خلاصة علمية في مجال تخصصه او خبرته في ادارة المنظومة العلمية .. وهو يمارسها بلا شك بحرية تامة دون رقيب .

ولا يتم تحقيق ذلك من خلال ابتعاد الجامعة الاهلية عن ممارسة الاشراف والرقابة على الطرف الثاني ((الاستاذ ))

ورسخت تلك الهيئة (ان ركن الاشراف والرقابة ) غير متحقق في طبيعة هذه العلاقة (العلمية ) ما بين الطرفين .. وعليه فان اعتبار تلك العلاقة محكومة بالقواعد القانونية والموضوعية الواردة في قانون العمل.. وخضوعها لا حكام عقد العمل ... محل نظر ويتقاطع مع طبيعة تلك العلاقة وكذلك اهداف قانون التعليم الاهلي رقم (25) لسنة 2016 ....

وأبدت تلك الهيئة حرصها الشديد على ابراز القيمة العلمية والنتاج العلمي الذي يقدمه ((الاستاذ الجامعي )) بعبارات تنم عن ادراك عميق وحقيقي لطبيعة الاعمال (العملية ) التي يقوم بها (الاستاذ الجامعي ))تلك التي يهدف الى صنع عقول تساهم في بناء الدولة ومؤسساتها ..

ولا بد من الاشارة الى طبيعة العلاقة التي تربط ما بين (( التدريسي )) و((الطالب )) الذي يتلقى المعرفة والعلم .. وان مضمون الاتفاق المبرم بين الاستاذ الجامعي والجامعة الاهلية ينعكس بمضمونه على مدى استفادة  الطالب وتفوقه العلمي وعملية الضخ العلمي الهائل لعقول الطلبة فـ (ركن الاشراف والرقابة )يتعارض تماما من تلك المكانة والاهداف السامية لطبيعة عمل الاستاذ الجامعي .

علية ... حددت تلك الهيئة ان الاختصاص في نظر تلك الدعوى ينعقد الى محكمة البداءة وفقا للولاية العامة للقضاء على جميع الاشخاص الطبيعية والمعنوية ولا ينعقد هذا الاختصاص الى محكمة العمل ولا الى محكمة قضاء الموظفين .

وتأسيسا على ما تقدم ولما قررته تلك الهيئة ندعم هذا الاتجاه الذي رسمته تلك الهيئة وللأسباب الاتية : 

- ان قانون العمل رقم (37) لسنة 2015 هو المصدر التشريعي لعلاقات العمل .. كمبدأ عام .. ويعرف عقد العمل .. ( اي اتفاق سواء كان صريحا ام ضمنينا شفويا او تحريرا يقوم بموجبه  العامل بالعمل او تقديم خدمة تحت ادارة واشراف صاحب العمل لقاء اجر أيا كان أيا كان نوعه ((المادة الاولى /تاسعا من القانون اعلاه ...

ويلاحظ انه من خصائص عقد عمل العمل (عقد رضائي ..وملزم للجانبين ومعاوضة ، ومن العقود المستمرة ... والمحددة ... ومن العقود ذات الاعتبار الشخصي ...

وعناصره ((العمل ... اي الجهد الذي يبذله الانسان لقاء الاجر ...))

والعنصر الثاني ((الاجر الذي يتقاضه العامل جراء عمله ...))

والعنصر المهم والاساس محل التدقيق هنا (التبعية )اي انه العمل ، وتركز العمل الذي يقوم به العامل ... بكون تابعا عند خضوع العامل لأشراف وتوجيه صاحب العمل ... وهذه هي التبعية القانونية وكذلك التبعية الاقتصادية وان موضوع التبعية بنوعيها اثارت جدلا مستفيضا بشأن كفاية احدهما او لزوم توفر كلاهما ... للقول بوجود ((عقد العمل )).

ولعل التبعية القانونية .. هي الراجحة في هذا الجانب ويقصد بها بشكل عام الخضوع لسلطتي صاحب العمل الادارية والاقتصادية وبموجب هذه السلطة الادارية ... يخضع العامل لأشراف وتوجيه وادارة صاحب العمل .

- ان العبارات الواردة تبين لنا ان  السلطة الادارية من الممكن ان تصح في الاشراف الرقابة للعاملين في الجامعات والكليات الاهلية في نطاق الاعمال ذات الطبيعة ((الخدمية )) وليس الطبيعة العلمية فكيف لنا ان نتصور ان نعطي لرب العمل الجهة المستفيدة او الهيئة المؤسسة لا بل حتى الجهة الادارية في الكلية ان تخضع عقل الاستاذ الجامعي لرقابتها وتوجيهها بالوجه التي تراها فيما سبق ان قيمة الاستاذ الجامعي هي ارفع واسمى من ذلك بكثير وتتعارض مع المبادئ والاهداف التي ترغب المؤسسات العلمية في تحقيقها سواء كانت تلك المؤسسات (حكومية )او (اهلية ) وبالتالي فان خضوع العلاقات التي ترتد في طبيعتها على (الطالب ) الجامعي ما بين الاستاذ الجامعي والكليات الاهلية لقواعد العمل ... محل نظر و لا يمكن التسليم به مطلقا لعدم امكانية اعمال ركن ((الاشراف والرقابة ))على الاعمال التي يقوم الاستاذ ، لطبيعتها العلمية الصرف .

- ومن اجل ان يكون الامر اكثر وضوحا وبيانا الرجوع الى قانون التعليم العالي الاهلي  رقم (25) لسنة 2016والنصوص التي وردت فيه وحرص المشرع على التعامل مع الجامعات والكليات الاهلية بما يجعلها قادرة على تحقيق اهدافها العلمية النبيلة ومن ضمن تلك الاهداف ما ورد في المادة (2)البند ثانيا منه (نشر المعرفة في العراق وتطويرها )،والبند ثالثا القيام بالبحث العلمي وتشجيعه وتطوير المنهج العلمي ..

وكذلك ما ورد في المادة (5)من القانون اعلاه البند ثانيا التي تنص على (تتولى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي متابعة مسيرة الجامعة العلمية والادارية وفقا لا حكام هذا القانون )

 ننتهي ان الاسباب والموجبات التي وردت في قرار هيئة تعيين مرجع في محكمة التمييز الاتحادية تتطابق مع فلسفة تأسيس الجامعات والكليات الاهلية ومع المبادئ والقيم التي تجعل عمل (الاستاذ الجامعي )وبما ينسجم مع طبيعة تلك  الاعمال والمهام التي يقوم بها في هذه المؤسسات و هي بهذا الاتجاه ذهبت الى تطبيق صحيح القانون  وتجسيدا لروحه التي تكون الاساس في عملية التفسير المتطور لنصوص القانون .