التفاصيل
الإعلان عن وجود الجريمة- رؤى النص ورؤية المطابقة

الإعلان عن وجود الجريمة- رؤى النص ورؤية المطابقة

القاضي ناصر عمران

2022-04-20 08:09:00

تتوثق القاعدة الجنائية بعرى لا انفصام لها مع التشريع الجنائي، فضلاً عن وثيق علاقتها بالقانون الجنائي، فالقاعدة الجنائية وسيلة لإفصاح المشرع عن إرادته في تحديد ما يعتبر جريمة من سلوك الانسان وتعيين الاثار القانونية  المترتبة عليه، على حد تعبير (الدكتور عبد الفتاح الصيفي)  وفي ظل كل نظام قانوني يعتنق مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات تقتصر مصادر التجريم والعقاب على التشريع بحيث ترتبط القاعدة الجنائية بالتشريع وجودا وعدماً.

إن البناء الهيكلي للقاعدة الجنائية وان تحدد بشقي (التكليف والجزاء)  الا انه يمر بمراحل مهمة في مسيرة القاعدة الجنائية من التجريد الى الحس وهذه المراحل هي المرحلة الاولى السابقة على وضع المشرع لها وهي الرؤى التنظيرية التي تقترب من الظهور ثم مرحلة الولادة الوضعية للقاعدة والسابقة لارتكاب الجريمة ثم مرحلة وقوع الجريمة ثم مرحلة القضاء الجنائي  ثم المرحلة النهائية تنفيذ العقوبة، فالمراحل الخمس هي العمر الوجودي للقاعدة الجنائية بشكل (كلياني) يمزج بين التنظير والتدوين والتطبيق، وهذا المزج بين التنظير التجريدي وبين التطبيق الواقعي ينتج  لنا الانموذج القانوني، كمتبنى رؤيوي افتراضي للمشرع إبان تشريحه لجسد الجريمة، فالجريمة تتكون من اجزاء او مقومات او عناصر بحسب التسمية ولا يمكن ان توجد الجريمة بدونها.

وبالرغم من اختلاف الفقهاء في تسميات اجزاء ومقومات الجريمة، فان دراستنا الأكاديمية القانونية الأولية منحتنا تحليلا راسخاً للجريمة التي تتحلل لدينا إلى أركان والركن يتكون من عناصر ولكل عنصر شروط ينبغي توافرها فيه, فالجريمة تتكون من ركن مادي وآخر معنوي وهناك من يضيف لها الركن الشرعي، فالركن المادي على سبيل المثال يتكون من ثلاث عناصر هي (الفعل أو السلوك والنتيجة المعاقب عليها ورابطة السببية المادية التي تربط السلوك بالنتيجة، ويستلزم المشرع شروطا في كل عنصر وهذه الشروط تختلف من عنصر الى آخر ومن جريمة الى أخرى، واذا كنا قد قمنا بتحليل الجريمة، فان الامر يحيلنا الى المعيار الضابط لوجود الجريمة من عدمها، وان هذا المعيار هو الانموذج القانوني الذي اودع المشرع فيه صورة مجردة للتكليف ثم انتقل بعدها الى ما صدر عن الفاعل  وهي الصورة النمطية التنظيرية لوصف التجريم والعقاب وهذه هندسة تشريعية بامتياز للمشرع الجنائي. اما مرحلة الحدوث او الوقوع الفعلي للجريمة فان هذه هي مرحلة المطابقة بين الفعل الواقعي للجريمة ومطابقتها للأنموذج القانوني وفعل المطابقة هي رؤية قضائية، فالمشرع عندما يريد تجريم فعل من الافعال فانه يعمد الى صياغته في شق التكليف بالقاعدة القانونية المجردة والمشرع في ذلك انما يقدم لنا انموذجاً قانونيا عاما ومجردا يتركه بين يدي القاضي ليقف على ماهيته ومقوماته، حتى اذا ما عرضت امامه واقعة معينة بالذات ووجدها تنطوي على ذات المقومات الواردة في الانموذج القانوني، امكنه عند ذلك من الاعلان عن وجود الجريمة، والانموذج القانوني يختلف من جريمة الى اخرى فحين ذاك تتعد الرؤى الفقهية فمنهم من يرى في الأنموذج القانوني المجال المضيق وفيه تعرض المطابقة للقاعدة الجنائية بصفتها احد اركان الجريمة وتحديدا ركنها المادي وعلى هذا المعنى الضيق لا ينسحب مدى مطابقة للأنموذج على كل أركان الجريمة، اذ يبقى خارج عنه ركنان هما ركن عدم الوجود مثاله سبب الإباحة وركن الخطيئة، اما المجال الموسع للأنموذج القانوني ففيه لا تكون المطابقة احد اركان الواقعة القانونية وانما تكون جوهرها اي تكون ذاتها، وعلى ضوء ذلك امكننا ان نقيم الانموذج القانوني باعتباره فكرة واصفة لمقومات مجردة وبين فكرة المطابقة بصفتها علاقة بين هذا الوصف المجرد وبين ما وقع من الجاني فعلاً او ما يسميه البعض حكما على الواقع فلحظة الاعلان عن الجريمة هي حكم اولي على مطابقة الواقعة للأنموذج القانوني يقدمه القاضي ابان مواجهته للواقعة من جانب وتفسيره للأنموذج القانوني من جانب آخر .فالإعلان عن وجود الجريمة  هو الموائمة والانسجام الحقيقي بين رؤى النص ورؤية المطابقة، بحيث  تكون لرؤية المطابقة وهي رؤية قضائية اليد الطولى في رسم معالم وابعاد الجريمة بصورتها الواقعية لتبتدئ بعد ذلك رحلة البحث عن الفاعل للوصول الى الحقيقة وهي الصورة المكتملة للجريمة بأبعادها القانونية الافتراضية والواقعية الفعلية سواء اكانت الحقيقة الواقعية او الحقيقة القضائية.