التفاصيل
الاعتراف المؤول للمتهم

الاعتراف المؤول للمتهم

القاضي حبيب إبراهيم حمادة

2022-04-20 08:14:00

متى ما تم احضار المتهم بإحدى طرق الإجبار على الحضور المقررة قانونا فانه لا بد من تدوين اقواله من قبل المحقق وقاضي التحقيق في مرحلة التحقيق الابتدائي، ومن قبل محكمة الموضوع في مرحلة التحقيق القضائي وعندها فان المتهم قد يعترف بالجريمة المرتكبة من قبله او ينكر ارتكابه لها.

ويعد الاعتراف من اهم أدلة الإثبات في الدعوى الجزائية اذ ورد النص في المادة 213/أ من قانون اصول المحاكمات الجزائية على ان (أ- تحكم المحكمة في الدعوى بناءً على اقتناعها الذي تكون لديها من الادلة المقدمة في اي دور من ادوار التحقيق او المحاكمة وهي الاقرار وشهادة الشهود 00000 ).

ولم يعرف المشرع العراقي الاعتراف الجزائي كما لم يرد في قرارات محكمة التمييز الاتحادية الموقرة ما يشير الى تعريفه اذ تم الاكتفاء بالاشارة الى استخدام مصطلح ( الاعتراف) او (الاقرار) كما هو الحال في المادة 181/ د من الاصول الجزائية رغم ان الامر يستوجب توحيد المصطلحات القانونية في التشريع او احكام القضاء وازاء ذلك فقد بادر الفقه الى تعريفه كونه (قول صادر من المتهم يقر فيه بصحة ارتكابه للوقائع المكونة للجريمة بعضها او كلها وهو بذلك يعتبر اقوى الادلة وسيدها) او هو (شهادة المرء على نفسه بما يضرها) كما عرف بانه (اقرار المتهم على نفسه بارتكابه الواقعة الاجرامية المنسوبة اليه إقرارا صادرا عن ارادة حرة).

والاعتراف الجزائي على نوعين فهو اما ان يكون اعترافا صريحا وقد يكون اعترافا مؤولا وقدر تعلق الامر بالاعتراف المؤول للمتهم فان التأويل لغة مصدر اول يؤول تأويلا ويقال أول الحكم الى أهله اي أرجعه ورده اليهم وللتأويل عدة معان منها التفسير اي تفسير الكلام الذي تختلف معانيه ولا يصح الا ببيان غير لفظه ومن ذلك قوله تعالى (سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ) ( سورة الكهف – الآية 78) كما يأتي التأويل بمعنى الغاية او القصد ومن ذلك قوله تعالى (هل ينظرون الا تأويله) ( سورة الاعراف – الاية 52) اي بيان الغاية المقصودة منه.

وقد ورد مصطلح التأويل سبع عشرة مرة في القرآن الكريم بواقع سبع سور وخمس عشرة آية قرآنية وتصنف لعدة اصناف ومنها الآيات القرآنية المتعلقة بتأويل القول ومنها قوله تعالى (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله...) (سورة آل عمران – الآية 7) ومنها الآيات القرآنية المتعلقة بتأويل الافعال ومنها قوله تعالى (قل هذا فراق بيني وبينك ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا)، (سورة الكهف – الاية 78) وهناك الآيات القرآنية المتعلقة بتأويل الرؤيا والأحلام ومنها قوله تعالى ( قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين..) (سورة يوسف- الاية 44) وقوله تعالى ( يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا).

 (سورة يوسف – الاية 100) وللتأويل عدة تعاريف لدى الفقه الاسلامي ومنها ( تفسير الكلام وبيان معناه سواء وافق ظاهره ام خالفه ) او هو ( رد احد المحتملين الى ما يطابق الظاهر ) كما عرف بانه ( عبارة عن احتمال يعضده دليل يصير به اغلب الظن من المعنى الذي يدل عليه الظاهر).

ولم يتطرق الفقه القانوني لتعريف الاعتراف المؤول للمتهم ويمكن ان نعرفه بانه ( استنباط قاضي التحقيق او محكمة الموضوع لحقيقة ارتكاب الجريمة من ظاهر اقوال المتهم المدونة في مرحلة التحقيق الابتدائي او القضائي واثارة مسؤوليته الجزائية عنها متى ما تطابقت تلك الاقوال مع ادلة الاثبات الجزائي الاخرى المتوافرة في الدعوى). 

ويشترط لصحة الاعتراف المؤول ما يشترط لصحة الاعتراف الصريح اذ يجب توافر الاهلية الاجرائية للمتهم المعترف والمتمثلة بان يكون المعترف متهما بارتكاب جريمة وتوافر الادراك والتميز عند تدوين اقواله بالاعتراف وان يصدر الاعتراف عن ارادة حرة الامر الذي يوجب عدم الاخذ بالاعتراف الحاصل بالاكراه المادي او الادبي وان يكون الاعتراف مستندا الى اجراءات صحيحة اضافة الى اشتراط استنباط المحكمة للاعتراف من اقوال المتهم المدونة امام السلطة المختصة.

والقاعدة العامة التي تحكم الاعتراف المؤول والتي اشار اليها المشرع العراقي في الشق الأخير من المادة 219/ من قانون اصول المحاكمات الجزائية فانه لا يجوز تأويل الاعتراف اذا كان هو الدليل الوحيد في الدعوى وبمفهوم المخالفة فانه لا يوجد ما يمنع من تأويل الاعتراف الجزائي من قبل المحكمة في حالة ما اذا كانت هنالك ادلة اخرى تعاضده وتسانده بغية اثبات ارتكاب المتهم المعترف للجريمة وقد استقر قضاء محكمة التمييز الاتحادية الموقرة على عدم الاعتداء بالاعتراف سواء اكان صريحا ام مؤولا الواقع في مرحلة التحقيق الابتدائي في حالة رجوع المتهم عنه امام محكمة الموضوع في حالة ما اذا كان ذلك الاعتراف مجردا ولم يسانده دليل او قرينة تؤيد صحة ذلك الاعتراف.

وعملا باحكام المادة 217/أ من قانون اصول المحاكمات الجزائية فان لمحكمة الموضوع سلطة مطلقة في تقدير اعتراف المتهم الصريح والاخذ به سواء وقع ذلك الاعتراف امامها ام امام قاضي التحقيق او محكمة اخرى في الدعوى ذاتها او في دعوى اخرى ولو عدل عنه بعد ذلك ومن باب اولى فان ذلك الحكم يكون منطبقا على الاعتراف المؤول للمتهم وفي كل الاحوال فان الاعتراف المؤول يخضع لمبدا الاقتناع القضائي والذي يعطي لمحكمة الموضوع حرية تكوين قناعتها القضائية في تقرير قيمة الاعتراف وبيان مدى صلاحيته كأحد أدلة الاثبات بغية الاخذ به في اصدار حكم قضائي سليم.