التفاصيل
السبب بوصفه عنصراً من عناصر الدعوى المدنية

السبب بوصفه عنصراً من عناصر الدعوى المدنية

القاضي عبد الستار ناهي عبد عون

2022-04-20 08:17:00

من مميزات الدعوى أن تقوم على ثلاثة عناصر أساسية هي أشخاصها وموضوعها والسبب. فالادعاء لا يقوم إلا بين أشخاص, وهذا ما جاء في المادة (2) من قانون المرافعات المدنية, اذ نصت على أن "الدعوى طلب شخص حقه من اخر امام القضاء" فيكون اطرافها من يدعي لنفسه حقاً وهو المدعي والذي يوجه له الادعاء وهو المدعى عليه, واما موضوعها ما ينصب عليه طلب المدعي الحكم به في مواجهة الخصم, وأخيرا لا بد من سبب يستند إليه الادعاء, وترمي فكرة السبب –بالتعاون مع المحل- الى تحديد الشيء المطلوب القضاء به من الناحية الموضوعية, فهذا الشيء لا يتحدّد فقط بتحديد ماذا يطلب المدعي من القضاء (اي المحل), وانما ايضا بتحديد سبب الدعوى, فإذا اختلف السبب كنا بصدد دعويين لا دعوى واحدة, وقد تعدًدت الاتجاهات بشأن تحديد السبب, فالبعض يرى ان السبب هو الاساس القانوني الذي يستند اليه المدعي والذي تنبني عليه الدعوى, ويتحدد من خاصية مجردة بصرف النظر عن الوقائع, ولكن أرجح الآراء, هو انه يجب النظر إلى مجموعة الوقائع القانونية التي تؤدي الى الحماية القضائية لا الى القاعدة القانونية المجردة, فالسبب الذي يحدد معالم دعوى معينة ليس النص القانوني المجرد, ولكن العناصر والظروف الواقعية أساس الدعوى ويترتب على ذلك ان المدعي اذا استند الى وقائع معينة كسبب لدعواه فإن الدعوى تظل واحدة – لوحدة السبب- ولو غيّر المدعي تكييفه لهذه الوقائع او غيّر القاعدة القانونية التي يستند اليها في دعواه.

فإذا أقام شخص دعوى تعويض مستندة لوقائع معينة منسوبة للمدعى عليه بوصفها فعلاً ضاراً, فإن تغيير تكييف هذه الوقائع وتحديد قواعد المسؤولية العقدية او التقصيرية هي المنطبقة فلا يعني هذا ان الأمر يتعلق بأسباب مختلفة وبالتالي بدعاوى مختلفة, وان ما يتعلق بتكييف مختلف يؤدي بالنتيجة الى اختلاف القواعد القانونية واجبة التطبيق مع بقاء السبب واحدا, كذلك يبقى السبب واحداً, ولو تغيرت الادلة الواقعية او الحجج القانونية, وعلى العكس اذا اختلفت الوقائع التي يستند اليها المدعي في دعواه عن الوقائع في الدعوى الاولى, فإن السبب يكون مختلفاً, ولو تشابهت هذه الوقائع او تماثلت.

ونرى من الضرورة وجوب التفرقة بين سبب الدعوى وبين ادلتها, فإقامة المدعي لدعواه مستنداً الى دليل اثبات معين ثم عدوله الى دليل اثبات اخر لاثبات دعواه لا يعد تغييراً للسبب وانما للادلة وتبقى الدعوى واحدة, ويمكن ان يكون للدعوى اكثر من سبب.ولكن الرأي الراجح حول تحديد معنى السبب, هو انه يجب النظر لا الى القاعدة القانونية المجردة وانما الى مجموعة الوقائع القانونية التي تؤدي الى منح الحماية القضائية, أي التي تؤدي الى تطبيق القاعدة القانونية بوساطة القاضي, فالسبب الذي يحدد معالم دعوى معينة ليس هو النص القانوني المجرد, ولكن العناصر او الظروف الواقعية اساس الدعوى وليس كما يرى البعض أن السبب هو القاعدة القانونية التي تستند اليها الدعوى, ويترتب على ذلك أن تغيير القاعدة القانونية التي يستند اليها المدعي تؤدي الى دعوى جديدة مختلفة عن الاولى بسببها, فالسبب يتحدد من ناحية مجردة بصرف النظر عن الوقائع.     

في حين يذهب البعض الى ان المقصود بالسبب هو سبب الحق او المركز الموضوعي محل الحماية, وهذا الاتجاه قننه المشرع العراقي في المادة (105) من قانون الاثبات رقم (107) لسنة 1979 المعدل, اذ نصت على أن (الأحكام الصادرة من المحاكم العراقية التي حازت درجة البتات تكون حجة بما فصّلت فيه من الحقوق اذا اتحد اطراف الدعوى ولم تتغير صفاتهم وتعلق النزاع بذات الحق محلاً وسبباً).

فالعبرة بسبب الحق, وعلى وفق هذا فإن السبب هو المصدر القانوني للحق المدعى به أو المنفعة القانونية محل الدعوى وهو لا يعدو أن يكون الواقعة المراد إثباتها, واقعة مادية, أو تصرفاً قانونياً.إن هذه الفكرة لا تتواءم الا مع كون الدعوى هي ذات الحق الموضوعي او عنصر من عناصر هذا الحق, عندها يمكن القول ان السبب المنشئ للحق هو السبب المنشئ للدعوى ذاته, فالدعوى توجد  بوجود الحق, اما مع التسليم باستقلال الحق في الدعوى عن الحق الموضوعي وبالتالي يمكن وجود الحق دون الدعوى, فلا يمكن ان يكون سبب الحق كافياً كسبب للدعوى, فسبب الدعوى ليس هو الواقعة القانونية مصدر الحق محل الحماية, ولكن الواقعة القانونية سبب الحق في الحماية القضائية, وهذا لا يعني عدم الالتفات الى سبب الحق الموضوعي, لان الدعوى لا تنشأ الا بتوافر مجموعتين من الوقائع هما:-

وقائع ينطبق عليها نموذج الحق الموضوعي, فيؤدي ثبوتها الى تطبيق القاعدة القانونية المجردة, وهذه هي الوقائع القانونية مصدر الحق او المركز القانوني الموضوعي. 2- وقائع يؤدي ثبوتها الى نشأة الحاجة لدى صاحب الحق الموضوعي الى الحماية القضائية.