التفاصيل
نظام تعدد الزوجات- رؤى جديدة في الفهم والتطبيق

نظام تعدد الزوجات- رؤى جديدة في الفهم والتطبيق

القاضي وائل ثابت الطائي

2022-04-20 08:18:00

يطرح هذا المقال قضية تعدد الزوجات برؤية جديدة تقوم على فهم للحكم الشرعي والآراء الفقهية واستيعاب للتوجهات القانونية آخذين بالاعتبار الموروث الاجتماعي والطبائع والعادات والسلوكيات والذهنية البشرية التي يعيشها الفرد العراقي, لهذا سوف نعرض ذلك من خلال ما يلي :

أولاً: الزواج الثاني على طاولة الشرع

لقد ثبت بالدليل القرآني مشروعية الزواج الثاني حيث دلت الآية الكريمة في سورة النساء على حرية الزواج من أكثر من امرأة واحدة، قال تعالى :(فَاٌنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِنَ اٌلنِّسَاءِ مَثنَى وَثٌلَثَ وَرُبَع فَإِن خِفتُم أَلَّا تَعدِلُواْ فَوَحِدَةً أَو مَا مَلَكَت أَيمنُكُم ذَلِكُم أَدنَى أَلَّا تَعُولُوا) النساء/الآية 3, كما دلت على هذه المشروعية الأحاديث المروية من السنة الشريفة بما يفيد السماح للرجل من الزواج بأكثر من امرأة, فقد جاء في الحديث الشريف (لا يجوز الجمع بين أكثر من أربع حرائر), وفي حديث آخر (لا يجمع الرجل ماءه في خمس).

إن تعدد الزوجات, وفق المنظور الفقهي يعتبر رخصة ممنوحة للرجل يستخدمها عندما تقتضي الحاجة وفق ضوابط وأسس واضحة وصحيحة, كما هو الحال في الرخص الأخرى بالنسبة للأشياء المباحة فمثلاً تناول الطيبات من مأكل ومشرب هو رخصة شرعية لكي يستطيع الإنسان العيش والبقاء ولكن هذه الرخصة ينبغي استخدامها بشكل معقول دون إسراف يؤدي إلى التخمة والأمراض أو تقتير يؤدي إلى الحرمان والهلكة, وكذلك إنفاق المال فهو مباح ومشروع في موارد الحاجة ولكن مكروه في الإسراف والتبذير والبخل, وكذلك الحال بالنسبة إلى تعدد الزوجات فهو وإن كان رخصة إلا أنه ينبغي استخدامها بعقلائية ووفق مقتضيات الحاجة، فمنطوق النص القرآني حرف (الواو) فيه للتخيير وهذا ما يدل صراحةً على هذا الحكم الشرعي, من أجل ذلك وضعت الشريعة الإسلامية ضوابط للتعدد نوجزها بما يلي:

1- التحديد: وفق مضمون الآية المباركة, المشار إليها في أعلاه، فإن الرجل لا يحق له أن يجمع في زواجه بأكثر من أربع نساء في وقتٍ واحد.

2- العدالة : العدالة بمفهومها العام هي تحقيق المساواة والإنصاف, وفي الزواج تعني المساواة بين الزوجات بكل مظاهر الحياة المعيشية ولذلك فإن الرجل الذي لا يجد في نفسه القدرة الضامنة للعدالة ينبغي أن لا يقدم على الزواج بأكثر من واحدة, والحقيقة إن هذا الضابط يعتبر من أصعب الضوابط على الرجل لأن العدالة في مضامينها العامة وتفاصيلها الخاصة لا تُشكل هدفاً سهلاً يمكن تحقيقه بل هي هدف صعب ومسؤولية لهذا ورد قوله تعالى :(وَلَن تَستَطِيعُواْ أَن تَعدِلُواْ بَينَ الِنّسَآءِ وَلَو حَرَصتُم فَلَا تَمِيلُواْ كُلَ اُلْميلِ فَتَذَرُهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصلِحُواْ وتَتّقواْ فَإِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحيِماً)النساء/الآية29، والحقيقة إن مدلول الآية الكريمة يشير إلى ضرورة تحقيق العدالة في التعامل المادي والسلوك ولكن في الوقت ذاته يصعب تحقيق العدالة في الميل الحسي والعاطفي ذلك لأن (عواطف الرجل اتجاه نسائه لا يمكن أن تكون واحدة أو متساوية، فيكون الالتزام بالعدل وتجنب التمييز بين النساء من أصعب الواجبات).

3-القدرة على الإنفاق: ينبغي للرجل أن تكون له القدرة والاستطاعة  على تغطية نفقات أسرته, وهذه النفقات تتضخم إذا كان لديه أكثر من زوجة واحدة لذلك على الرجل أن يجعل في حسبانه هذا الأمر إذا أراد القدوم على زواج ثان أو ثالث أو رابع.

ثانياً: ظاهرة التعدد والقوانين الوضعية

لقد اختلفت القوانين الوضعية إزاء ظاهرة تعدد الزوجات، فهناك دول إسلامية كتركيا وتونس منعت الزواج الثاني بشكل قطعي واعتبرت هذا الفعل جرماً يحاسب عليه القانون، في حين إن معظم قوانين الدول الإسلامية الأخرى لم تمنع الزواج من امرأة أخرى، ولكن حرصاً منها على المحافظة على الأسرة وضعت ضوابط لممارسة هذا الفعل المباح، أما قانون الأحوال الشخصية العراقي النافذ رقم 188 لسنة 1959 فأنه يُصنف من القوانين التي أباحت الزواج الثاني ولكن وفق شروط حددها النص، عليه فإن من الخطأ الشائع القول بأن هناك منعا تشريعيا في العراق يحول دون تعدد الزواج باعتبار إن النص سمح للرجل بالزواج مرة أخرى ولكن وضع شروط تناولها النص الآتي.

نصت المادة (الثالثة/4): (لا يجوز الزواج بأكثر من واحدة إلا بأذن القاضي ويشترط لإعطاء الأذن تحقق الشرطين التاليين :

أ- ( أن يكون للزوج كفاية مالية لإعالة أكثر من زوجة واحدة). ب- ( أن تكون هناك مصلحة مشروعة).

أما الفقرة (5) من المادة الثالثة فقد نصت (إذا خيف عدم العدل بين الزوجات فلا يجوز التعدد ويترك تقدير ذلك للقاضي).

إن المشرع من خلال منطوق الفقرات القانونية في النصوص المشار إليها أعلاه, لم يمنع من إجراء عقد زواج بامرأة أخرى بل أباح ذلك بعد حصول موافقة القاضي ووفقاً للضوابط وهي تحقق العدل والقدرة على الإنفاق مع وجود مصلحة مشروعة، وعند ملاحظة هذه الضوابط نجدها مطابقة للنصوص القرآنية التي سبق الإشارة إليها في المبحث السابق، بمعنى إن المشرع الوضعي لم يخالف أحكام الشرع الحنيف بل أجاز الزواج وفق شروط مطابقة للشروط التي ذكرها الفقهاء عند تفسيرهم للآيات القرآنية المتعلقة بهذا الموضوع.

ثالثاً: الأبعاد الايجابية والسلبية لهذا الزواج

لكي نوضح المسالة أكثر لا بد من بيان إيجابيات وسلبيات هذا الزواج والتي نوجزها بالآتي:

 الإيجابيات :

1- الرغبة في الإنجاب : من أهم الغايات المطلوبة من بامرأة اخرى هو الحصول على الذرية وذلك عند فشل الزواج الأول بتحقيق هذا الأمر كأن تكون المرأة (الزوجة الأولى) غير قادرة على الإنجاب لحالات مرضية أو لحالات العقم يكون عندها الزواج الثاني حلاً شرعياً وقانونياً لتحقيق هذه الرغبة.

2- إن الرجل قد يقدم على الزواج بأكثر من امرأة واحدة وذلك عندما يكون هناك نقص في النسبة بين أعداد الرجال وأعداد النساء فمن المعروف إن الرجال هم الجنس الأكثر عرضة للوفاة بسبب الحروب وبحكم تحملهم الأعمال والمهن الصعبة، وفي ذلك يقول أحد الباحثين (تعدد الزوجات ضمن الشريعة هو تشريع اجتماعي يهدف من ورائه إلى إيجاد التوازن البشري بين النساء والرجال.... لأن جنس الرجال قد يتعرض للإبادة والأمراض وما إلى ذلك، فهذا ما نجده موجود فعلاً في كثير من البلدان فإننا نجد عدد النساء يربو على عدد الرجال بأربع مرات أكثر).

3- إن معظم المجتمعات تعاني من ظاهرة العزوف عن الزواج لأسباب كثيرة منها غلاء المهور والفقر والبطالة وغيرها لذا فإن السماح بالزواج من امرأة أخرى سوف يساهم على القضاء على هذه الظاهرة السلبية ويجنب النساء من الانزلاق في مهاوي الرذيلة ويبعدهن عن الضياع ويجنبهن الانحراف إلى الجريمة.

4-إن الغريزة الجنسية لدى الإنسان تعتبر من أعنف الغرائز وأشدها وهذه الغريزة تتفاوت بين رجل آخر فقد تكون ذات مستويات عالية لدى فئة من الرجال بحيث لا يمكن إشباعها من زوجة واحدة لهذا يلجأ إلى تعدد الزوجات لكي يشبع غريزته بالطريق الصحيح الموافق للشرع.

5-  قد تكون المرأة مصابة بمرض مزمن يتعذر معه المعاشرة الزوجية ( وهنا يقف الزوج أمام خيارين أما أن يطلقها، وهذا ليس من الوفاء ولا من المروءة وكرم الأخلاق، أو يتزوج عليها أخرى ويبقيها في عصمته لها حقوق الزوجة من أنفاق وعناية).

6- إن ظروف الرجل وطبيعة عمله تقتضي كثرة الأسفار خصوصاً فئة التجار حيث يستقر في بلد آخر غير محل سكنى أهله ولسبب أو لآخر لا يستطيع أخذ زوجته معه لهذا قد يجد مصلحة في الزواج الثاني.

السلبيات :

1- إن الزواج لمرة أخرى لا يكون لمصلحة معتبرة وإنما لغرض التفاخر والتباهي بان يكون للرجل أكثر من امرأة واحدة وهذه الحالة كثيراً ما نجدها في المجتمعات الريفية.

2- إن السلوك الجمعي أصبح مألوفاً في جميع التصرفات والمجالات الحياتية والمهنية لذلك قد تكون ظاهرة تعدد الزوجات داخلة ضمن هذه الظاهرة دون تقدير لأبعادها أو الأخذ بالاعتبار  الإمكانية الشخصية للرجل عند أقدامه على الزواج الثاني.

3- إن السماح للرجل بالزواج مرة أخرى في نظر البعض يُشكل غبنا لحقوق المرأة والحط من مكانتها في الأسرة والمجتمع والانحياز ضدها لصالح الرجل.

4- إن كثيرا من حالات الزواج الثاني تكون بدافع الاستغراق في اللذائذ الجنسية والانجراف لإشباع الرغبات بين أحضان النساء ولهذا قد يُشكل في كثير من الأحيان من المشاكل المؤدية إلى الطلاق.

بعد عرض الإيجابيات والسلبيات نرى إن الزواج لأكثر من مرة واحدة ينبغي أن يكون تصرف مدروس يراعي فيها الضوابط والأسس الشرعية والقانونية لتحقيق غايات شخصية لا تتقاطع مع مقاصد الأحكام، فالزواج لا يقف عند حدود المعاشرة وإشباع الغريزة الجنسية، بل هو تصرف إنساني اجتماعي متعدد الأبعاد ينبغي على من يقوم به أن يأخذ بالحسبان كل الآثار الناتجة عنه، لهذا نجد إن الموقف الوسط هو الموقف الصحيح فلا تجري بهذا التصرف لإقراره من الشرع ولا إباحة مطلقة ينتج في بعض الممارسات نتائج سلبية، بل هو تصرف شرعي وقانوني محاط بضوابط ينبغي الالتزام بها.