التفاصيل
مجلس الوزراء بين ممارسة الصلاحيات وتصريف الأمور اليومية

مجلس الوزراء بين ممارسة الصلاحيات وتصريف الأمور اليومية

أ.د. علي هادي عطيه الهلالي/ عميد كلية القانون– جامعة بغداد

2022-04-22 19:23:00

  مجلس الوزراء هو الجناح الرئيس للسلطة التنفيذية ، يمارس صلاحياته بموجب الدستور والقانون ((1)) ، ولكن قد تضيق تلك الصلاحيات في أحوال معينة تمثل استثناءات على الأصل ، مما يوجب تحديد الاستثناءات تحديداً يقطع الطريق أمام القياس أو الاجتهاد ، وبخاصة أن تسيير المرافق العامة الإدارية والاقتصادية والخدمية ، القومية منها والمحلية وغيرها قد يتأثر نتيجة الاجتهاد الخاطىء ويبعد عمل تلك المرافق العامة عن مسارها المعتاد ، وهذا لا يمكن قبوله .

   ويظهر أن ما يزيد المسألة تعقيداً ويشبعها جدلاً إذا كان الدستور يحدد "الأصل" لعمل مجلس الوزراء في ممارسة صلاحياته ، ويحدد "الاستثناء" في انكفاء المجلس على تصريف الأمور اليومية فقط ، ولولا هذه المزاوجة التي ينص عليها الدستور لكان تحجيم عمل المجلس في أحوال معينة ضرباً من الفرض ونسجاً من الاحتمال ، رغم أن هذا الفرض أو ذلك الاحتمال قد يتسرب الى مناحٍ أخرى تتعدى الاختلاف بتحديد الاطار الزمني لبدأ العمل بتصريف الأمور اليومية الى التباين في تحديد النطاق الموضوعي لعمل المجلس خلال تصريفه الأمور اليومية دون ممارسته لاختصاصاته كافة .

   عموماً فقد نهج دستور جمهورية العراق 2005 في تحديد عمل مجلس الوزراء الى تمييز "الأصل العام" في  ممارسته للاختصاصات ورهن ممارستها بنيل الثقة بأعضاء الوزارة والمنهاج الوزاري ((2)) ، وبين "الاستثناء" على عمل المجلس في تصريف الأمور اليومية بحالتين : أما الأولى: فهي حالة سحب الثقة من مجلس الوزراء بأكمله ، أما الثانية: عند حل مجلس النواب ((3)) ، وبكل تأكيد أن المنحى الدستوري على وفق هذا التمييز به مقاصد ويتغيى غايات معينة ، مما يوجب تبيانها :

   بداية أظن إن من بين موجبات التأويل وتباين الاجتهادات وبخاصة السياسية منها تستند إلى أن عمل مجلس الوزراء لم يتحدد باطار زمني معين ، إذ لم يتحدد كما تحدد عمل السلطة التشريعية بأربع سنوات تقويمية ((4)) ، وتحدد عمل رئيس الجمهورية للمدة ذاتها لعمل السلطة  التشريعية ((5)) ، فضلاً عن استنادها إلى موقف المحكمة الاتحادية العليا حين قضت: بعدم دستورية مقترح قانون يحدد مدة ولاية الرئاسات ومن بينها مدة عمل مجلس الوزراء((6)) ، لكل هذا بدأ التأويل والتشكيك "السياسي" بنطاق عمل مجلس الوزراء ومدياته الزمانية ، والتباين إما بترجيح عمله بكامل الصلاحيات أو بتصريف الأمور اليومية فقط ؟

   إن الوصول الى الحدود الدستورية الزمانية بين ممارسة مجلس الوزراء لاختصاصاته كافة من جهة أو تحجيمها في تصريف الأمور اليومية من جهة أخرى يجب أن يستند الى أدوات التفسير الدستوري العلمية ، التي تبدأ بصريح الفاظ الدستور ومقاصدها من دون أن يتكأ على سوابق أو أعراف محلية أو مقارنة ، لذا فإن اشتراط الدستور صراحةً تحقق احدى الحالتين الاستثنائيتين إما (سحب الثقة) أو (حل مجلس النواب) موجب لبدأ مدة تصريف الأمور اليومية ، أما عدم تحقق أي منهما أصلاً أو إذا زالت بعدما تحققت فإنه موجب لعمل مجلس الوزراء بموجب الأصل العام في  ممارسة اختصاصاته كافة المبينة بالدستور ، فزوال المانع لازمٌ لعودة الممنوع .

    إن الوصول الى التحديد الزماني "أعلاه" لعمل مجلس الوزراء الأصلي أو الاستثنائي قد يستند الى آسانيد عدة ، اخصها: أن تفسير الدستور يجب أن لا يترك التصريح لألفاظ النصوص ويتكـأ على دلالتها ، بمعنى: أن التصريح بالاستثناءات موجب إلى إعمالها ومانعٌ على تركها مما يقتضي التقيد بها لبدأ عمل مجلس الوزراء بتصريف الأمور اليومية دون توسعة تؤدي الى التزيد على النصوص الدستورية ، كما أن تفسير الدستور يجب أن لا يجافي النظام السياسي الذي يكرسه الدستور نفسه وتحديده لبدأ عمل مجلس الوزراء بمنح الثقة له وليس بمدة سابقة عليها أو لاحقة على حجبها ، بمعنى: أن الدستور لم يحدد دورة عمل مجلس الوزراء (بكامل صلاحياته) بمدة معينة كما فعل بباقي السلطات ، كونه رهن عمل المجلس بالثقة الممنوحة له من قبل السلطة التشريعية ، وقلصها الى تصريف الأمور اليومية بحجبها أو غياب السلطة التي منحته تلك الثقة ، لذا فان المعيار في تحديد الحدود الدستورية الزمنية لعمل المجلس بصلاحياته كافة أو بتصريفه الأمور يكون ببقاء الثقة أو غياب مانح الثقة وليس بقيام أحوال أخرى ، وهذا التحليل الذي تسانده صراحة النصوص يعضده طبيعة النظام السياسي المعتمد والقائم على الرقابة البرلمانية على اعمال السلطة التشريعية وإمكانية بلوغ تلك الرقابة مبلغها بسحب الثقة عن مجلس الوزراء لبدأ تأطير عمله بحدود تصريف الأمور اليومية ، أما بوجود السلطة التشريعية المراقبة لعمله واستمرار الثقة الممنوحة له وعدم وصول الرقابة البرلمانية الى قرار حاسم بسحبها فإن عمل مجلس الوزراء سيكون بحدود ممارسته لصلاحياته الدستورية كاملة غير منقوصة .

    ونجد أن المحكمة الاتحادية العليا قد توصلت الى الفهم المتقدم حين اجازت انهاء عمل مجلس الوزراء واستمراره بتصريف الأمور اليومية بحالة سحب الثقة تطبيقاً للفصل بين السلطات ولتقاسم المهام المؤطرة دستورياً ، فضلاً عن كون المحكمة قد قضت بعدم دستورية مقترح القانون الذي يروم تحديد مدة عمل مجلس الوزراء وبدأ مدة تصريف الأمور اليومية((7)) ، وهذا المسلك القضائي يتطابق مع المنهج الدستوري الذي اختطته دساتير أخرى كالدستور اللبناني ((8)) ، لذا فإن سعت السلطة التشريعية إلى خلق بداية زمنية لعمل مجلس الوزراء بتصريف الأمور اليومية فقط فإن عليها أن توصل رقابتها الى غاية سحب الثقة عنه لتتمكن من تلمس سعيها ، وهذا يتطابق مع النظام النيابي المعتمد دستورياً((9)) .

    إن التوسعة بالاستثناءات التي توردها النصوص الدستورية والقانونية يؤدي الى التحول من الأصل الى الاستثناء ، والى تغول السلطات التي يخلقها الدستور عليه ، فالمشرع الدستوري ينفرد بتحديد الاستثناءات والشروط لعمل احكامه ، فمثلما لا يقبل أن يتحول عمل السلطة التشريعية من التشريع الى الاقتراح للقوانين فإنه لا يقبل أن يحجم عمل سلطة أخرى استناداً الى الظن غير الجازم ، لذا يجب أن يكون السعي البرلماني متوجهاً إلى تحقق الاستثناءات التي اشترطتها النصوص الدستورية وليس ابتداع غيرها أو القفز للوصول الى نتائجها قبل تحققها ، فعمل مجلس الوزراء يسعى الى تسيير مرافق الدولة بانتظام واطراد ولكن تحت الرقابة البرلمانية المستمرة والفاعلة ، وهذا المبدأ هو الكامن من وراء عدم تحديد عمله بنطاق زماني محدد اسوة بغيره من السلطات .          

((1)) المادة 66 من دستور جمهورية العراق 2005 .

((2)) المواد 76 /رابعاً و79 على التوالي من دستور 2005 .

((3)) المواد 61/ثامناً/د ، و 64/ثانياً من دستور 2005 .

((4)) المادة 56/أولاً من دستور 2005 .

((5)) المادة 72 من دستور 2005 .

((6)) القضية رقم 64/اتحادية /اعلام/2013 في 26/8/2013 .

((7))  القضية رقم 64 نفسها .

((8)) المادة 64/2 من الدستور اللبناني لسنة 1926  المعدل عام 2004 .

((9)) المادة/1 من دستور 2005 .