التفاصيل
عيوب النص الجزائي ‏

عيوب النص الجزائي ‏

القاضي ناصر عمران ‏

2022-05-29 11:26:00

يشكل النص واحداً من تجليات اللغة الباحثة عن المقترن المعرفي سواء أكان ذهنيا تصوريا او ظاهريا، لذلك هيمن الخطاب بأدواته المتسعة والمقترنة باستجابة الحواس على مُدركاتنا، وبالتالي احكم قبضته على ردة أفعالنا السلوكية، وهو بالمُختصر بالطبيعة والتطبع والتي جُبلت عليها ذواتنا، فراحت تبحث عن مشتركاتها المفاهيمية لديمومة التعايش، فلا يمكن لمرحلة الايماء والاشارة ان تكون بديلاً عن المفردة والجملة واذا وجُدت الايماءة أو الاشارة كدليل تعبيري فهي محصورة براهنها الظرفي المكاني والزماني او بحسب ذاتية المتلقي او المرسل، وتُعد بداية التدوين، بوتقة المنتظم الحياتي ومفصليته المرحلية، وهي المرحلة التي شهدت ظهور القانون الاول اداة التي تشد الجميع برابط علائقي تنظيمي، وفهرس لجداول الحقوق والالتزامات فصارت مدوناته الآمر والناهي، ولان المتلقي لا يجد بداً منه، لذلك أعلن الخضوع والانقياد فصار التقسيم والتصنيف والتمييز والرئيس والمرؤوس، وقائمة طويلة من جزئيات وكليات كلها تتجه صوب المنتظم -بكسر الضاد- والسؤال هل للمنتظم ادواته التنظيمية، وماهي غاياته وبالتالي اهدافه المرجوة من هذه المنظومة ؟ الحقيقة، ليس هذا السؤال راهن اللحظة واليوم والامس , بل هو منتم ماضوي يشير الى البدء ويتعكز على منتج كان عصارة الجهد والهمة والنشاط وايضا الالم والدم والدموع.. والنص المدون الذي ارشف لمرحلة حياتية جديدة، هو علامة للتصور اولا وللصورة اخيراً، و لمشهد تراكمي طويل وازلي يدعى (الحياة)، ولان الحياة بتفاصيلها المذكورة بحاجة الى النص / القانون، كانت الولادات الميمونة للشرائع القانونية سواء اكان ببعدها الاسطوري الرمزي او الحضوري الديني او القانوني الوضعي، والنص هو الجزئية لذلك يقترب من مفهوم القاعدة غير انه اعم منها، والنص هو اللغة والكلام الذي لا يحتمل الا معنى واحدا و لا يحتمل التأويل بحسب ما يراه ابو حامد الغزالي في (كتابه المستصفى في علم الاصول، ج 1، ص384 ) اما النص لدى الأصوليين فله معان متعددة وهي كل ملفوظ مفهوم المعنى من الكتاب والسنة، سواء كان ظاهرا او مفسرا، عاما او خاصا حقيقة او مجازا، ولأن عامة ما ورد من الله تعالى في كتابه المحكم ومن رسوله الامين (ص) فهو من النص، والنص مقترنا بالموضوع، قد يكون متنوعا ادبيا او اقتصاديا او يكون قانونا وهنا يكون موضوعه قاعدة او مجموعة قواعد تحكم سلوك الافراد في الجماعة والتي يتعين عليهم الخضوع لها.

وللنص القانوني ايضا انواعه فقد يكون مدنيا او جزائيا بتفرعات كل منهما، فالجزائي قد يكون موضوعيا او اجرائيا، وللنص هدف عام مقترن بالمصلحة، فلكل نص مصلحة اقترن بحمايتها، والمصلحة جلب المنفعة، وأياً تكن المصلحة مادية او معنوية، وبالتأكيد ان لهذا النص أساسه الفلسفي ومتبناه الاخلاقي والعرفي والديني، وبما ان له أساسا فان له خصائص باعتباره نصا قانونيا ينظم السلوك الاجتماعي وهو عام مجرد، والاهم انه مقترن بشقيه التكليف والجزاء، ولأنه كذلك فهو نص آمر, له معاييره الشكلية والموضوعية وله مصادره التي ينفرد بها فمصدره التشريع ومرتكزه ومحددة مبدأ لا جريمة و لا عقوبة إلا بنص، وبعد أن بينا ماهية النص وأسسه وخصائصه لابد لنا وان نشير الى آليات وجوده وتشكلاته الخلقية في مصانع الصياغة النصية، فالصياغة القانونية هي تحويل المادة الاولية التي يتكون منها القانون الى قواعد منضبطة محددة،وللصياغة شروطها وهي : الدقة والمنطقية ولها انواعها : الجمود والمرونة، وعلى ضوء ذلك ولد النص مكتملاً آمراً مقترناً بالجزاء، الا ان هناك ثيمة معرفية وحقيقة مهمة تقترن بكل ذلك، فالخالق للنص الجزائي هو إنسان لذلك لا يمكن التصور باكتماله دون نقص او عوز او عيب يلحقه، وهنا ينصب التساؤل عن عيوب النص الجزائي المقترن بالجزاء وقبلها التكليف، واثر هذه العيوب على حياة النص وبالتالي على متلقي هذا النص والمنتظمين تحت فرضيات أحكامه.

 إن النص وكما أسلفنا هو نص وضعي يأبى الكمال والمطلق طبعا ومنطقا لا اختيارا، والنص تعتريه عيوب أهمها : عيب الغموض : والغامض في اللغة الخفي وفي الاصطلاح اللفظ الذي لا تكون دلالته على المعنى واضحة , وقيل في غموض النص، ان هناك أسبابا بعضها يتعلق بألفاظ النص، فهو وضع لفظ لأكثر من معنى، كلفظ متشابه او لفظ مشترك وللمشترك صورتين معنوي وشكلي، معنى مشترك بين افراده وقد يكون لفظيا وهو لفظ واحد لمعنى متعدد حقيقة مثال المشترك في القانون لفظاً مفردة (الإجهاض) وقد استعمله المشرع بنفس المعنى وهو الاسقاط في حالات ثلاث تم ذكرها في قانون العقوبات فمرة بالمعنى الاسقاط الوضع المبتسر قبل او ان الولادة ووضع الجنين بفعل جرمي بعد ان استقر حيا في بطن امه، والمعنى الاخر الاخراج ويعني سواء اكان الجنين غير متمتع بالحياة ام لا والثالث إخراج الطفل حيا قبل اوانه لا بقصد قتله وانما لا خفاء الحمل.. وهنا يجب على المشرع أن يبتعد عن استعمال اللفظ المشترك في صياغة النص العقابي، اما اللفظ المتشابه و الذي يحمل وجهين او أكثر مثاله اخذ الأشياء المدفونة مع الميت، فهي اما تكون بدون مالك وتدخل في موضوع آخر وقد تكون للمالك فتكون سرقة وهذا الالتباس التطبيقي يلقي بظلاله على التطبيق كونه يحمل الاشتباه في سريان النص، وقد يظهر الالتباس من خلال تردد اللفظ بين المعنى اللغوي والقانوني مثاله ظرف الليل في القانون المصري ظرف مشدد في جريمة السرقة ودون تحديد، في حين حدده المشرع العراقي واعتبره الوقت المحصور بين غروب الشمس وشروقها، ام الغموض المتعلق بصياغة النص بسبب اضطراب الصياغة كاعتماده صيغة الجمل الخبرية في حين كان عليه اعتماد صيغة الجمل الانشائية الطلبية، وكذلك الغموض بسبب لغة النص فقد تكون متكررة بألفاظ ذات معنى واحد وهذا يساهم في حدوث الغموض ويبتعد عن لغة النص الواضحة،وهناك غموض متعلق بالهيكل العام للقانون فالأصل ان الهيكلية معتمدة على شكل هيكل عام منسق فأي تعارض بين النص وحكمة تشريعه وتعارض بين النص وغيره وقد يكون تعارض حقيقي او ظاهري ومن العيب الاخر هو النقص في النصوص القانونية وهذه تعني : ان لا يجد القاضي نصا في القانون المكتوب كقاعدة ليطبقها على النزاع المعروض امامه, وهذا يرجع الى طبيعة الحياة واتساعها على حساب محدودية القانون وعدم احاطته بالمستجد , تواجه العيوب بالتفسير سوى كان تشريعيا او قضائيا وللتفاسير الفقهية دور كبير في ذلك ضمن ضوابط واساليب ومبادئ وسيكون لنا وقفة إزاءها في مقال آخر.