التفاصيل
مخالفة النظام العام أثناء حفلات التخرج للطلبة

مخالفة النظام العام أثناء حفلات التخرج للطلبة

القاضي حبيب إبراهيم حمادة

2022-05-29 11:27:00

انتشرت في الآونة الأخيرة وعلى مواقع التواصل الاجتماعي العديد من الصور ومقاطع الفيديو لطلبة بعض الكليات الجامعية أثناء حفل التخرج لهم داخل أو خارج الحرم الجامعي، وهي تتضمن تصرفات غير لائقة من بعض الطلبة والطالبات سواء بالملابس التي يتم ارتداؤها أو الحركات المنافية للذوق العام أثناء الحفل، الأمر الذي يثير التساؤل عما اذا كانت تلك التصرفات تعد من قبيل الحريات الشخصية التي كفلها الدستور أم هي من التصرفات التي تثير المسؤولية التأديبية والجزائية لهم والمسؤولية الجزائية للشخص الذي قام بنشر تلك الصور او المقاطع لمخالفتها للنظام العام في المجتمع.

ابتداءً فلا بد من تعريف فكرة النظام العام, وهي فكرة مرنة تختلف من مكان لآخر ومن زمان لآخر, وتتميز بالمرونة والتطور، إذ عرفت بتعاريف متعددة لدى الفقه الإداري, حيث عرفها الفقه العراقي بأنها (مصالح عليا مشتركة لمجتمع ما في زمن معين يتفق الجميع على ضرورة سلامتها) او انها (مجموع المصالح المعترف بها كحاجات أساسية لحماية المجتمع) بينما عرفها الفقه المصري بأنها (حالة مادية او معنوية لمجتمع منظم تمثل الأفكار الأساسية للقانون والمجتمع وقد تكون في بعض الاحيان حالة معنوية تسود المعتقدات والأخلاق) في الوقت الذي عرفها بعض الفقه الفرنسي بأنها (مجموع الشروط اللازمة للأمن والآداب العامة التي لا غنى عنها لقيام علاقات سليمة بين الأفراد لذا يتسع النظام العام ليكون شاملا للجانب المعنوي اضافة الى الجانب المادي).

وللنظام العام خصائص مميزة كونه يمثل انعكاسا للقواعد الآمرة في النظام القانوني للدولة إذ انها تكون ملزمة للجهات الإدارية والأفراد على حد سواء كونها تستهدف حماية مصالح وقيم عليا في المجتمع سواء أكانت سياسية ام اقتصادية ام اجتماعية, كما ان المشرع لا ينفرد في تحديد ماهية النظام العام رغم ان له الدور المباشر في صياغته حيث أن هذه الفكرة تخضع للمؤثرات السياسية والاقتصادية والفلسفية السائدة في المجتمع, كما ان للأعراف والتقاليد السائدة فيه دورا بارزا في تكوين هذه الفكرة اضافة إلى ما تتميز به هذه الفكرة من مرونة وتطور وفقا لظروف الزمان والمكان إذ أكد د.عبد الرزاق السنهوري على انه (لا توجد قاعدة ثابتة تحدد النظام العام تحديدا مطلقا وكل ما نستطيع ان نضع معيارا مرنا يكون معيار المصلحة العامة وتطبيق هذا المعيار في حضارة معينة يؤدي الى نتائج غير التي نصل اليها في حضارة أخرى).

وللنظام العام عناصر تقليدية تتمثل بالأمن العام والصحة العامة والسكينة العامة كما ان هنالك عناصر غير تقليدية له واهمها الاداب العامة او ما يعرف (بالنظام العام المعنوي او الأخلاقي) والتي تعرف بأنها الحد الأدنى من المعتقدات والافكار والقيم الاخلاقية التي تواتر افراد المجتمع على اتباعها ووجوب احترامها والتقيد بها كونها تمثل انعكاسا للأخلاق العامة والتي تتجدد وفقا للعادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية.

وقد ورد النص صراحة في المادة (17) من الدستور العراقي لعام 2005 على ان (لكل فرد الحق في الخصوصية الشخصية, بما لا يتنافى مع حقوق الاخرين والآداب العامة) كما نصت المادة (36) منه على ان (تكفل الدولة بما لا يخل بالنظام العام والآداب) اولا: حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل....)

وحيث ان تعليمات انضباط الطلبة في ومؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي المنشورة في الوقائع العراقية رقم 4034 في 22/2/2007 قد الزمت الطلبة بعدة التزامات اشارت اليها المادة (1) منها ومن ضمنها عدم الاساءة الى سمعة الوزارة او مؤسساتها بالقول او الفعل داخلها او خارجها والامتناع عن اي عمل من شأنه الاخلال بالنظام او الطمأنينة والسكينة داخل الحرم الجامعي او المشاركة فيه والتحريض عليه او التستر على القائمين به كما اشارت المواد ( 2و3و4و5و6) للعقوبات الانضباطية الواجب فرضها عند تحقق المسؤولية التأديبية للطالب, كما ان المادة (7) من التعليمات المذكورة قد تضمنت صراحة بان فرض احدى العقوبات الانضباطية لا يمنع من فرض العقوبات الأخرى اذا وقعت المخالفة تحت طائلة القوانين العقابية, وبالتالي فان فعل الطلبة المشار اليه اعلاه يمكن ان يشكل فعلا ينطبق واحكام المادة 240/من قانون العقوبات رقم111لسنة 1969.

 وقدر تعلق الامر بنشر تلك الصور او المقاطع على مواقع التواصل الاجتماعي فان الشق الاخير من المادة 403/عقوبات قد اشار الى فرض العقوبة المقيدة للحرية والغرامة او بإحداهما كل من اعلن عن صور او افلام او غيرهما من الاشياء اذا كانت مخلة بالحياء او الاداب العامة او عرضه على أنظار الجمهور, عليه فان المسؤولية الجزائية للنشر يمكن ان تتحقق عن النشر في مواقع التواصل الاجتماعي كون تلك الأفعال تمثل مخالفة صريحة للنظام العام.