التفاصيل
اثر تطور المجتمع على الجريمة

اثر تطور المجتمع على الجريمة

القاضية أريج خليل

2022-05-29 11:29:00

 كان وما يزال موضوع الميول الإجرامية محلا للنظريات العلمية، وإن تحديد أسباب هذه الميول ما زال يحظى باهتمام كبير من العلماء وفلاسفة الاجتماع ومنهم من توصل الى ان سبب هذه الميول فردية شخصية ومنهم من ربطها باسباب اجتماعية لا دخل للفرد في تكوينها واعتبروا سلوك المجرم ناشئا عن بيئته المحيطة.

 وان أهم ما كتب من دراسات ان التفكك الاجتماعي هو أساس الميول الإجرامية ومن حيث أن الظواهر الاجتماعية السلبية هي مصدر أساسي للجريمة، هذه النظرية مؤسسها هو عالم الاجتماع الأمريكي "ثورستن سيلين" لذلك سميت نظرية سيلين حيث يرى أن التفكك الاجتماعي يلعب دورا مهما في تزايد ونمو الظاهرة الإجرامية لدى الأفراد، ويقول سيلين إن التكافل الاجتماعي يعد أقوى حاجز ضد الجريمة والعكس صحيح، فالمجتمعات المتماسكة التي تخلو من الظواهر الاجتماعية السلبية نرى انحسار نسبة الجرائم فيها، ويضيف سيلين في نظريته إلى أنه يجب اعتبار التفكك الاجتماعي هو السبب الحقيقي والكامن لتزايد نسبة الظاهرة الإجرامية وخاصة أن التفكك الاجتماعي يجعل الشخص مشوشا في أفكاره، ولعدم وجود تكاتف وتكافل اجتماعي ولوجود الطبقية الاجتماعية فإن الضعيف او من يشعر بالظلم ستتنامى داخله مشاعر الانتقام والجريمة.. وذكر سيلين عدة اسباب للتفكك الاجتماعي.

 ومن وجهة نظري أجد ان من اهم الاسباب التي ذكرها عالم الاجتماع أعلاه هو التغيير السريع في المجتمع والمتمثل بالتطور السريع فيه حيث أن في المجتمع قد تحدث تطورات لا تتناسب وفكر المجتمع وعاداته التي اعتاد عليها الناس وقد تكون هذه التطورات سلبية أو إيجابية فالتطورات الإيجابية سيتقبلها الأفراد برحابة صدر لأنها تتوافق وتقاليدهم ولكن المشكلة إذا ما كان التطور يغزو عادات المجتمع ويجعل في الجماعات تصدعات وشروخ لا يمكن إصلاحها ويؤدي الى تغير سلوكيات الأفراد داخل المجتمع من سلوكيات هادئة إلى سلوكيات هوجاء عنيفة لا يمكن السيطرة عليها، ناهيك عن التفكك الاسري والبطالة وغيرها من العوامل الاقتصادية المغذية للميول الإجرامية في المجتمع.

 ان التطور السريع الذي حصل في المجتمع العراقي بعد عام ٢٠٠٣ وما صاحب ذلك من دمار للبنى التحتية وعمليات إرهابية أودت بحياة مئات الآلاف من العراقيين جعلت من مجتمعنا بيئة خصبة للجرائم على اختلاف انواعها وجسامتها واشكالها خاصة بعد الانفتاح الكبير في وسائل التواصل الاجتماعي الى درجة اصبح المجتمع يحتاج فعلا إلى ضوابط ونصوص تشريعية أكثر شدة وصرامة لإرجاع الأمور إلى نصابها والسلطة القضائية وان كانت قد أخذت دورها في تطبيق القانون بكل دقة إلا أن السلطة القضائية والادعاء العام الذي هو يمثل المجتمع يجب أيضا أن يكون لهما دور في الحد من تكاثر الآفات البشرية المجرمة وأيضا تفاقم السلوكيات المنحرفة والتي لا علاج لها الا تشديد العقاب فضلا الى ان يكون للادعاء العام دور في إيجاد الحلول الجذرية من خلال دوره في تقييم التشريعات النافذة والتي ثبت عدم كفاءتها في الحد من الجريمة في المجتمع وايضا دوره في حماية الاسرة التي هي الاساس في الارتقاء الفكري والاجتماعي.