التفاصيل
الاعتراف إجراء يباشرهُ المتهم ودليل تأخذ به المحكمة

الاعتراف إجراء يباشرهُ المتهم ودليل تأخذ به المحكمة

القاضي عبد الستار ناهي عبد عون

2022-05-29 11:30:00

مما لا يدعو الى الشك ان العقوبة قديمة قِدَم نشوء المجتمعات وطريق فرضها بحق الجاني مرت بمراحل متعددة، وكان لتطور المجتمعات اثر في تطور فرض العقوبة الى ان اصبحت الدولة هي الراعية للتنظيم الاجتماعي واخذت على عاتقها تحقيق الامن والعدالة في المجتمع ومحاربة الجريمة بوصفها ظاهرة اجتماعية لا ظاهرة مادية أي عبارة عن فعل واثاره، ذلك ان ضررها يتعدى المجنى عليه ويمس امن المجتمع وسلامته وأن وسيلة الدولة لتحقيق اهدافها في حماية حقوق الافراد وحرياتهم هو القانون الذي عهدت بتطبيقه الى السلطة القضائية بوصفها احدى سلطاتها العامة وفرض العقوبة على الجاني بقصد تحقيق الردع الخاص للمجرم والعام للمجتمع ذلك ان العقوبة هدفها اجتماعي مما اعطى للمجتمع حق تعقب الجاني وفرض العقوبة عليه وان تحقيق ذلك يتم عن طريق اجراءات متعددة مما حدا بالشرع الى وضع قواعد اجرائية الى جانب القواعد الموضوعية ومما تتصف به القواعد الاجرائية انها قواعد شكلية تنظم وسائل تطبيق القانون الموضوعي بهدف ضمان حقوق الافراد والمجتمع على حدٍ سواء , وقد اولى المشرع هذه الاجراءات من الاهمية بما تتناسب مع الهدف منها لما لها من مساس بحرية الافراد قاصداً ان يكون المساس بالقدر الضروري لتحقيق الهدف مع توافر الضمانات للمتهم للدفاع عن نفسه , ويذهب جانب من الفقه الجنائي (د. احمد فتحي سرور في الوسيط في قانون الاجراءات الجنائية) ان الاعتراف يجمع بين كونه اجراء يباشرهُ المتهم ودليل تأخذ به المحكمة , فالأدلاء بالاعتراف امام المحكمة هو اجراء من اجراءات الاثبات ومضمون الاعتراف ذاته هو الدليل الذي تعتمد عليه المحكمة وغالباً ما يكون الاعتراف ثمرة استجواب المتهم امام سلطة التحقيق والاعتراف هو اقرار المتهم على نفسه بصحة ارتكابه للتهمة المسندة اليه وهو سيد الادلة واقواها تأثيراً في نفس القاضي وادعاها الى اتجاهه نحو الادلة (1) (د. رؤوف عبيد في مبادئ الاجراءات الجنائية 1983) يتبيّن من التعريف ان الاعتراف في خلاصته هو اقرار المتهم على نفسه بالوقائع المنسوبة اليه كلاً او جزءاً بمعنى اخر هو شهادة الشخص على نفسه بما يضرها. وحيث ان اقرار المتهم أقرب الى الصدق من شهادته على غيره لذا عُدّ الاعتراف اقوى من الشهادة أي بمعنى اخر هو تقرير او اعلان وأن موضوعه ينصب على الواقعة سبب الدعوى الجزائية ونسبتها الى شخص معين ومن موجبات صحة الاعتراف ان يصدر عما تنسب اليه الواقعة بما يترتب عليه من قيام المسؤولية الجنائية عنها ومفاد هذا القول ان المتهم هو المقر وهو نفسه الذي تنسب اليه الواقعة موضوع الاقرار.

 وجوهر القول ان الاعتراف هو اقرار المتهم على نفسه ونسبة الجريمة كلها او بعضها لهُ , وبذلك يكون الاعتراف عمل ارادي ينسب به المتهم لنفسه وقائع ارتكاب الجريمة ويخضع تقدير الاعتراف كدليل تقديري للمحكمة لأن المحكمة تنزله المنزلة التي تراها وتخضعه لتقديرها الذي تطمئن اليه. وحيث ان الدليـــــــــل هو الوسيلة محل البحث في التحقيقات لغرض اثبات صحة واقعة تهم الجريمة او ظرف من ظروفها المادية والشخصية ويتم ادراك معنى ذلك بأستخدام الاسلوب العقلي واعمال المنطق في وزن تلك الواقعة وتقديرها ليصبح المعنى المستمد من مضمونها اكثر دقة في دلالته , أي بمعنى تأسيس الدليل على الواقعة لان الواقعة تمثل العنصر الموضوعي بالقناعة القضائية وأن الاسلوب العقلي هو السبيل لأدراك معنى الواقعة لذلك جاء نص المادة (217) من قانون اصول المحاكمات الجزائية , على ان ( أ- للمحكمة سلطة مطلقة في تقدير اقرار المتهم والاخذ به سواء صدر امامها او امام قاضي التحقيق او محكمة اخرى في الدعوى ذاتها او في دعوى اخرى ولو عدل عنهُ بعد ذلك , ولها ان تأخذ بأقراره امام المحقق اذا اثبت لها بالدليل المقنع أنهُ لم يكن للمحقق وقتٍ كافٍ لأحضاره امام القاضي لتدوين اقراره وجاء نص الفقرة (ب) من المادة اعلاه بأنهُ "لا يجوز الاخذ بالإقرار في غير الاحوال المذكورة في الفقرة (أ)"). نستقرئ من نص المادة (217) من قانون اصول المحاكمات الجزائية ان الاعتراف بوصفه من الادلة التقديرية مما يجب عدم المغالاة في صحته فلربما تكون الدوافع من روائه ليس القصد منها قول الحقيقة مما يستوجب وزنه وزناً دقيقاً ولا يأخذ به إلا إذا كان مطابقاً للحقيقة وتوافرت شروط صحته، كما للمحكمة تجزئته والاخذ بما تراه منه صحيحاَ واطراح ما عداه غير انهُ لا يجوز تأويله او تجزئته اذا كان هو الدليل الوحيد في الدعوى / المادة 219 من قانون اصول المحاكمات الجزائية.