التفاصيل
الحرية والنظام العام وجهان لعملة واحدة

الحرية والنظام العام وجهان لعملة واحدة

‏القاضي جاسم محمد الموسوي

2022-05-29 11:31:00

لا يختلف اثنان في أن مقياس التطور والرقي في البلدان يعتمد على ما تقدمه من خدمات وما تكفله من ‏حريات لمواطنيها، وهذا الأمر منوط بالتطور التدريجي لهذه البلدان والاستقرار السياسي، وكل عمل تقوم ‏به السلطة لتقييد الحريات يعد عملاً معارضاً للديمقراطية، كما ان الدول تسعى لفرض النظام العام وتعتبره ‏أولوية بوصف ان الحرية لا يمكن ان تمارس بدون نظام وإلا نتج عن ذلك فوضى يكون المواطن المتضرر ‏الأول منها. مع ذلك لا يمكن تبرير قمع الدولة للحريات لمجرد الادعاء بأنها تسعى الى الحفاظ على النظام ‏العام، اذ أن الأصل أن القانون مصدر لجميع الحقوق والحريات وقديما كان هناك اتجاهان سائدان؛ اتجاه ‏فردي ليبرالي يؤكد على ان الحرية تمثل قدرة الأفراد المطلقة دون تدخل الآخرين في شؤونهم الذاتية ‏ويدعو الى اطلاق الحرية الفردية والحد من تدخل نشاطات سلطة الدولة في حريات الافراد واخر جماعي ‏اشتراكي يتضمن أن حرية الأفراد يجب أن تتقيد بالمصلحة العامة للمجتمع.

 وهذان الاتجاهان قد اندمجا ‏في الوقت الحاضر على الأقل بسبب الثورة المعلوماتية وانتهاء فترة المجتمعات المغلقة والاقطاب الدولية‏، إن إساءة فهم الافراد للحريات الشخصية وفهمهم الحرية بالمفهوم الخطأ، وسلوكهم لأفعال من غير ‏ضوابط ولا قيود، ينافي معايير القيم العليا، والثوابت الدينية والاجتماعية والقانونية، وقد ينطبق عليهم ‏ماورد في القران الكريم {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ ‏يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} ( الكهف ) ويعتبر القانون الوطني، هو الفيصل بين الحقوق والحريات. ‏فالحريات المتبناة من قبله تعتبر حقوقا، ان القوانين العقابية والإجرائية والمدنية ومنها قانون أصول ‏المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 وقانون الإثبات رقم 107 لسنة 1979 والقانون المدني رقم 40 ‏لسنة 1951 وغيرها قد نصت على ضمان الحريات الشخصية للأفراد ويكلل ذلك الدستور العراقي الذي ‏نصت المادة 46 من الدستور منه على انه (لا يكون تقييد ممارسة أي من الحقوق والحريات الواردة في هذا ‏الدستور أو تحديدها الا بقانون أو بناء عليه، على ألا يمس ذلك التحديد والتقييد جوهر الحق أو الحرية ) ‏والتزام العراق بهذه المبادئ وانضمامه للاتفاقيات الدولية ذات الصلة ومنها (اتفاقية الحقوق المدنية ‏والسياسية والثانية اتفاقية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية) وبموجب القانون رقم 193 لسنة ‏‏1970 واستنادا لقانون المعاهدات والاتفاقيات الدولية العراقي رقم 111 لسنة 1979.‏

ان اقتسام الحق والحرية تستلزم ان يضحي الفرد بقسم من حقوقه وحرياته من اجل الآخرين كثمن مقابل ‏ان يضحوا بجانب من حقوقهم لكي يتمكن الجميع من التمتع بالحرية في ظل نظام عام عادل.

إن حرية التعبير والرأي لا يمكن أن تكون مطلقة، فهي مقيدة ضمن دائرة الشرائع الإلهية ومقيدة بالقانون ‏وتحت مظلة القضاء العادل ومشروطة بمراعاة حقوق الآخرين.