التفاصيل
الولاية التكميلية للمحكمة الاتحادية العليا على قضايا عدم تنفيذ احكامها

الولاية التكميلية للمحكمة الاتحادية العليا على قضايا عدم تنفيذ احكامها

أ.د. علي هادي عطيه الهلالي/ عميد كلية القانون– جامعة بغداد

2022-06-01 10:19:00

إذا كانت الولاية التكميلية للمحكمة الاتحادية على قضايا تفسير احكامها الغامضة ضرورة تستند إلى اسس نظرية و تقتضيها الضرورات العملية وهذا ما المحناه في مقالة  سابقة ((1)) ، فإن الحجج النظرية والملجئات العملية تستوجب إزالة العوائق التي تعرقل تنفيذ حكم المحكمة على السلطات كافة إذا ما خلقت تلك السلطات ، متعمدة أو غير متعمدة ، عوائق  قانونية أو مادية ، تحول من دون انزال حكم المحكمة على انطقته الموضوعية والشخصية بصورة كاملة أو جزئية بما يعارض لوازم بتاته وموجبات سريان الزامه على السلطات كافة((2)) ، مفترضين لاثبات ولاية المحكمة على هذه القضايا أن تلك الإعاقة تحول من دون انزال حكم الدستور ولا تبارز حكماً قضائياً صادراً من جهة قضائية فحسب .

 من نافلة القول ألمعنا الى أن الدستور قد وَسّدَ لاحكام المحكمة الاتحادية العليا ما يختصها من صفات دون غيرها من احكام المحاكم ، فقد وصف احكامها بالباتة والزم سائر السلطات بها ، وربما يحق التساؤل عن معنى البتات ((3)) : فيما إذا كان يعني : عدم تصدع احكامها بطريق الطعن وهذا ما جنحت اليه المحكمة نفسها((4)) ، أو يعني "كما نظن" : عدم تغيير مضامين احكامها لاحقاً ، فضلاً عن كون احكام المحكمة كُسيت لبوس الالزام وتمتعت بذاتية متفردة من الاحتجاج بها على السلطات كافة سواءٌ أكانت قد دخلت في حلبة المنازعة أم لم تدخل ، لذا لا يقبل احتجاج احدى السلطات كونها لم تكن قد دخلت بالخصومة ابتداء أو اثناء الجلسات ، بل أن احكام المحكمة تساوت بالمنزلة مع خاصية نشر التشريع حيث أوجبت النصوص نشرها في الجريدة الرسمية ((5)) .

  وأظن أن الصفات المتقدمة ،البتات والالزام ، التي تميز احكام المحكمة الاتحادية العليا اسوة بباقي توجهات الدساتير في العالم ، تستند إلى علوية احكام الدستور على ما سواه ، ولكون الدستور نفسه قد كفل حماية علوه و سموه وابطال  ما يخالفه الى المحكمة الاتحادية فضلاً عن ايكاله لها مهمة إيضاح معانيه من خلال التفسير ، عليه فإن ما يصدر من المحكمة من احكام هو منسوب الى رادة المشرع الدستوري نفسه وليس الى إرادة المحكمة ، لذا يحتج به على الكافة ويتصف بالبتات والالزام ، أما القول بخلاف ذلك يتطلب تسبيب اتصاف الاحكام بالصفات المتقدمة فضلاً عن ايكال الدستور اختصاص المحكمة بمحاكمة رئيس الدولة وغيره بالاتهامات المنسوبة لهم ومن بينها انتهاك الدستور((6)) .

  ولكن رغم الأساس الدستوري والقانوني أعلاه فإن السلطات جميعها قد تعيق ، أو اعاقت فعلاً ، تنفيذ احكام المحكمة الاتحادية العليا مما يتطلب تحديد :اشكال الإعاقة ، واسبابها ، ونتائجها على الحكم وعلى السلطة المعيقة للحكم ، ودور المحكمة الاتحادية وامتداد ولايتها على إزالة تلك الإعاقة ؟

  إذا استرشدنا بما وصفت به المحكمة الدستورية العليا المصرية معنى إعاقة التنفيذ لاحكامها حتى يتحقق اختصاصها في قبول دعوى الفصل في تنفيذها فإننا نجدها قضت: أن تكون هذه العوائق – سواء بطبيعتها أو بالنظر الى نتائجها – قد حالت فعلاً أو من شأنها أن تحول دون تنفيذ أحكامها تنفيذاً صحيحاً مكتملاً أو مقيدة لنطاقه .." ((7)).

  ويظهر شاخصاً أن المحكمة الدستورية العليا المصرية توجب أن تكون الإعاقة فعلية وليست نظرية أو متوهمة أو قابعة في ذهن المدعي باعاقة تنفيذ حكمها ، أي: أن مجرد عدم اصدار السلطة التشريعية تشريعاً جديداً لتصويب ما اعترى التشريعات السابقة من عدم الدستورية ،مثلاً، لا يكفي أن يتصف بالاعاقة الفعلية العملية لحكم المحكمة الدستورية كون هذا الفعل السلبي يعد امتناعاً تشريعياً يدخل في حيز السلطة التقديرية للمشرع ، وممارسة هذه السلطة لا تدخل بنطاق الاعمال القانونية المراقبة من قبلها ، لذا وكدت المحكمة الدستورية العليا هذا التوجه حين قضت:" وإنما يلزم أن يتبلور هذا العائق في تصرف قانونى نافذ، بصورة نهائية، منتجاً لآثار قانونية تحول دون انسياب أثار حكم المحكمة الدستورية العليا، كأن يكون تشريعًا- أصليًّا كان أو فرعيًّا- استوفى سائر مراحله الدستورية .." ((8)).

  ولكن الاطلاق المتقدم لا يصح وبخاصة إذا كان الامتناع التشريعي يعيق تنفيذ حكم المحكمة بصورة كلية أو جزئية ، ولفترة مؤبدة أو مؤقتة ، كون المحكمة الدستورية لم تفرق بين الإعاقة المؤدية لمعارضة تنفيذ الحكم مباشرة أو بطريق غير مباشر ، فضلا عن عدم تفريقها بين عرقلة تنفيذ كامل الحكم أو المضيقة لنطاقه .

  وفي أي الأحوال فقد تكون إعاقة تنفيذ حكم المحكمة الاتحادية العليا بفعل إيجابي يصدر عن احدى سلطات الدولة "التشريعية والتنفيذية أو حتى احدى محاكم السلطة القضائية" مما يحول دون تنفيذ حكمها بصورة تعاكس مضمون الحكم أو تقيد نطاق تطبيقه ، أو قد تكون الإعاقة بفعل سلبي عندما تمتنع السلطات المذكورة عن اتخاذ عملاً قانونياً واجباً أو ممهداً أو مسهلاً لتنفيذ حكم المحكمة ، إذ لا يأخذ تمام التنفيذ شكلاً واحداً .

   ولكن المحكمة الاتحادية العليا نفسها قد تذبذت في مواقفها بما يقطع الطريق أمام باقي السلطات في إعاقة تنفيذ احكامها إذ نجدها حيناً ترهن تنفيذ احكامها الى اتخاذ عملاً قانونياً من السلطة التشريعية رغم صفته الملزمة وحجيته الملزمة ((9))  ، أو قد تسد الطريق أمام الجهة المكلفة بتنفيذ حكمها وتتخذ قراراً سلبياً معيقاً للتنفيذ لما لحكمها من حجية والزام حيناً آخر((10)) ، بل أن المحكمة غَلْقَت السبل أمام المتمسك بتنفيذ احكامها ولم تبادر الى دحض مسالك باقي السلطات لتعطيل تنفيذ احكامها ، حين رفضت أن تبسط ولايتها على تفسير احكامها الغامضة في حالة تردد احدى السلطات بتنفيذها بزعم غموض احكام المحكمة ((11)) ، كما رفضت مراراً قبول الدعوى لسبق الفصل في موضوعها رغم أن عوائق التنفيذ قد تحد من امتداد نطاق حكم المحكمة السابق ((12)) .

  إن التذبذب القضائي للمحكمة الاتحادية اعلاه سيمهد الى خلق عوائق قانونية أو مادية تبارز وجوب تنفيذ احكامها وبخاصة أن الاتكاء على القواعد العامة العقابية ((13)) ، والتنفيذية ((14)) لا تتناسب مع ذاتية الحكم الدستوري من زوايا عدة أخصها: الحجية المطلقة للحكم وبتاته والزامه ، فضلاً عن كون المخاطبون بتنفيذه هم القابضين على السلطة ، لذا فإن القواعد العامة قد لا تسعف ضمان تنفيذ حكم المحكمة الاتحادية إذا جابهته عوائق التنفيذ التي تصطنعها باقي السلطات .

   لذا أظن ان إقرار الولاية التكميلية للمحكمة الاتحادية العليا لضمان تنفيذ احكامها قد تجد أسسها العملية على وفق ما تقدم بيانه ، في حين أن اسسها القانونية تظهر شاخصة من المناحي الآتية :

  بالرجوع الى قانون إدارة الدولة لسنة 2004 بوصفه مصدراً تاريخياً لدستور 2005 وبخاصة ما يرتبط بتبني تأسيس المحكمة الاتحادية العليا نفسها ، التي صَدَرَ قانونها ونظامها الداخلي في ظل ما تبناه قانون إدارة الدولة ، ولغياب آلية إزالة العوائق القانونية والمادية التي تواجه تنفيذ احكام المحكمة الاتحادية في دستور 2005 ، فإنه نصَّ صراحة: أن المحكمة الاتحادية تختص بازالة عوائق التنفيذ إلى أن تصل إلى غاية إصدار قرار "ازدراء المحكمة" ضد من يعيق تنفيذ حكمها ((15)) ؛ ويظهر لنا طبقاً لهذا الأساس الدستوري أن المحكمة الاتحادية العليا تختص دون غيرها في ضمان تنفيذ احكامها حتى تصل الى فرض عقوبة عن "جريمة ازدراء المحكمة" مما يدل على ترك القواعد العامة المنصوص عليها في القوانين الجزائية والتنفيذية ، لذا اظن أن ما تبناه ،مثلاً، دستور 2005 من استقلال للمحكمة الاتحادية ((16)) ، وما اختص به المحكمة في الفصل ب "الاتهامات" التي تنسب الى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء ((17)) ، يتسق مع ولايتها الممتدة الى ضمان تنفيذ احكامها اذا ما جابهتها السلطات الأخرى بجحود مبتسر أو كامل في تنفيذها حتى تصل تلك الولاية الى اصدار قرار ازدراء المحكمة بوصف هذا الفعل داخلاً بمفهوم الاتهامات المنسوبة للسلطات المذكورة .  

  كما أظن أن اختصاص المحكمة "بالفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية والقرارات والأنظمة والتعليمات والاجراءات الصادرة عن السلطة الاتحادية" ((18)) يستوعب القضايا التي تنشأ عن تنفيذ قرارات المحكمة الاتحادية وبخاصة أن جميع خصائص حكم المحكمة التي بينها الدستور تتطابق ما هذا الاختصاص للمحكمة ، إذ لا يصح أن تكون المحكمة مختصة بالفصل في القضايا التي ترتبط بتطبيق الإجراءات الصادرة عن السلطة الاتحادية ولا تختص بالفصل بالقضايا التي ترتبط بتطبيق احكامها وبخاصة أن احكامها أعلى منزلة وأرفع سمواً من سواها من القرارات والإجراءات كونها تستند الى الدستور ، إذ ما تصل اليه المحكمة لا يرجع الى ارادتها بل يرتد الى إرادة المشرع الدستوري الذي اختصها من دون غيرها ببيان معانيه واعلاء سموه ، فلا يصح أن تكون جهة قضائية أخرى مستقلة عنها ، وتدنوها بالمنزلة ، ومختصة بنطاق شخصي وموضوعي محدد ، لها ولاية إزالة عوائق تنفيذ احكام المحكمة الاتحادية العليا ، من دون أن تكون للمحكمة الاتحادية تلك الولاية .

  إن حرمان المحكمة الاتحادية العليا من امتداد ولايتها على إزالة العوائق المواجهة لتنفيذ قرارتها يبدد مقاصد الحق في التقاضي المكفول من وراء الاستضلال بالحماية القضائية أمام المحكمة الاتحادية العليا ، إذ لا قيمة للأحكام القضائية ما لم تنفذ ، ولكن تبقى الضرورة قائمة لإيضاح آلية طلب إزالة عوائق تنفيذ احكام المحكمة الاتحادية العليا في قانونها أو نظامها الداخلي قائمة لقطع الطريق أمام الجدل .  

((الهوامش))

((1)) مقالتنا :" الولاية التكميلية للمحكمة الاتحادية العليا" منشورة بتاريخ 21- 8 – 2021 على الرابط : www.iraqfsc.iq

((2)) المادة /94 من دستور 2005 .

((3)) أ.د. علي هادي الهلالي . النظرية العامة في تفسير الدستور واتجاهات المحكمة الاتحادية العليا ،منشورات زين الحقوقية/بيروت لبنان ،ط 1 ،2011 ، ص 243 .

((4))حكم المحكمة الاتحادية العليا بالعدد 7 /اتحادية/2006 في 28/3/2006 .

((5)) المادة/17 من النام الداخلي للمحكمة بالعدد 1 لسنة 2005 ، ويقابلها بنفس المضمون المادة/49 من قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 48 لسنة 1979 .

((6)) المادة/61-سادسا-ب من دستور 2005  .

((7)) القضية رقم 6 لسنة 34 قضائية "منازعة تنفيذية" في 14- 3-2015 .

((8)) القضية رقم 4 لسنة 35 قضائية "منازعة تنفيذ" بجلسة 11/4/2015 .

((9)) حكمها بالعدد بلا في 2/7/2007 ، وحكمها بالعدد 15/ت/2006 في 26/4/2007 المتضمن :" وللسلطة التشريعية تشريع نص جديد يكون موافقاً مع احكام المادة/49 /أولاً من الدستور" .

((10)) حكم المحكمة الاتحادية العليا بالقضية 113/اتحادية /2013 لسنة2013 حين قضت :" إن قرار المحكمة بات وملزم للسلطات كافة أما عدم تطبيقه من قبل المفوضية رغم الزامية قرار المحكمة الاتحادية العليا لكافة السلطات يعد خرقا لاحكام المحكمة الاتحادية العليا" .

((11)) حكم المحكمة الاتحادية العليا 16 /اتحادية/2007 لسنة 2007 .

((12)) منها على سبيل المثال : حكم المحكمة الاتحادية العليا بالرقم 50/اتحادية/2014 لسنة 2014 .

((13)) المادة/ 329 من قانون العقوبات بالرقم 111 لسنة 1969 المعدل النافذ .

((14)) المادة/9 من قانون التنفيذ رقم 45 لسنة 1980 المعدل النافذ .

((15)) المادة/ 44/د / من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية لسنة 2004 التي تنص على: ولها مطلق السلطة بتنفيذ قراراتها بضمن ذلك صلاحية اصدار قرار ازدراء المحكمة وما يترتب على ذلك من إجراءات "

((16)) المادة/92/ دستور جمهورية العراق لسنة 2005 .

((17)) المادة/93/سادسا من دستور 2005 . 

((18)) المادة/ 93/ثالثا من دستور 2005  .