التفاصيل
القضاء حجز زاوية النظام الديمقراطي في العراق

القضاء حجز زاوية النظام الديمقراطي في العراق

د.احمد عدنان الميالي - معاون عميد كلية العلوم السياسية في جامعة بغداد.

2022-06-09 17:27:00

شهد العراق بعد العام ٢٠٠٣، تحديات واخفاقات في بناء الدولة وتعزيز النظام الديمقراطي الذي اقره الدستور العراقي النافذ لعام ٢٠٠٥ بسبب تراكم الإشكاليات وتعارض المصالح واختلاف الأولويات فتسيد مشهد الانغلاق السياسي والأزمات المتتابعة، واعتادت القوى السياسية الحاكمة القفز على أحكام هذا  الدستور وصار الكل يتطلع الى القضاء كونه النافذة الاخيرة لايجاد الحلول والمخارج لما غاب ، والفصل بما لم يقضِ به الدستور ولم يقل فيه القول الفصل ليكون مشهد تأويل الدستور وفقا للامزجة السياسية هو السائد رغم وضوح العديد من مواده المستقرة او دلالات تلك المواد المتطابقة مع فلسفة النظام الاتحادي والبرلماني ، رغم ما شابه من قصور وثغرات وهذا لايعد عيباً في حد ذاته، فالدستور الوضعي هو من صنع البشر وكل البشر عرضة للقصور وإن حرصوا، وإن كان متكاملا يوم كتابته فسيتعرض للنقص بعد حين بفعل المتغيرات والمستجدات المتلاحقة والطارئة، وإذا كان القصور والنقص أمرا مقبولا وطبيعيا ومتوقعا في الظروف الاعتيادية والمستقرة التي يكتب في ظلها الدستور، فهي أكثر قبولا وتبريرا في ظل ظروف بلد كتبت نصوص دستوره في ظل احتلال وارهاب وبقايا نظام حاربت ولازالت التجربة السياسية والدستورية الجديدة فكتبت نصوص الدستور والمكونات السياسية تتقاطع في وجهات نظرها وموقفها منه فمنها من قاطع ومنها من حرص ومنها اعتقد أن دستور قاصر خير من غيابه، فغيابه كان يعني الفوضى والعودة لإدارة البلاد بدون دستور وبقرارات استثنائية او دستور مؤقت اكثر قصورا ونقصا.

ولهذا لم تتفق الارادات السياسية بالذهاب الى تعديل الدستور لغاية الان لمعالجة هذه الاشكاليات والنقص و اتجهت القوى السياسية اللجوء الى المحكمة الاتحادية في كل اشكال او خلاف على تطبيق نصوص الدستور، لمعالجة غير المعالج والمتغير وما أفرز التطبيق من مستجدات وصولا الى حد المطالبة بالعدول القضائي الذي يعني احلال حكم جديد محل حكم اخر في موضوع الدعوى نفسها وحيثياتها السابقة، بدلا من تعديل الدستور اوحترام مواده او احترام قرارات القضاء الدستوري والامتثال لها، رغم ان القضاء سلطة لكن الدستور حاكم، ومن هنا كل طرف يريد ان تكون القرارات القضائية في تفسير نصوص الدستور او القرارات الفاصلة للنزاعات القضائية والقانونية لصالحه وخلاف ذلك يتم اتهام القضاء بالتسييس والخضوع لذاك الطرف او ذاك، وحتما هذا سيحصل لان كل قرار او تفسير صادر من هذه السلطة سيخدم طرفا ويضر بالاخر، في حين يقتضي الحال ان قرارات القضاء يجب ان تحترم ويتم سلك الطرق القانونية في الطعن، اما القضاء الدستوري فقراراته باتة ملزمة لكافة السلطات ولا اجتهاد في هذا المورد، وحتى مجلس القضاء الاعلى يتعرض بين الحين والاخر لمحاولات من اطراف سياسية متضررة من اجراءات مجلس القضاء الاعلى فيما يخص متابعة وملاحقة بعض الفاعليين من ذوي النفوذ السياسي والاقتصادي والمطلوبين له : التشويش على القضاء بما يقوض كل ذلك ، عبر الترويج بان إجراءات مجلس القضاء الأعلى في ملاحقة ومتابعة ملفات الفاسدين مرتبطة بتداعيات المشهد السياسي وخاضعة للحسابات السياسية وتأثيراتها، معتقدين ان وضع الضغوطات على القضاء اعلاميا وصحفيا او محاولة إتهام قراراته وإجراءاته بالتسيّيس وعدم الاحتكام للمبادئ القانونية سيؤدي الى غلق هذه الملفات والقضايا والتغاضي عنها، لكن لايمكن اعتبار هذه الاساليب الا خطوات متعثرة تعزز موقف القضاء وتدفعه الى مواصلة ومتابعة تلك الملفات.

حقيقة لم يتبقى امام الحفاظ على ماتبقى من النظام الديمقراطي في العراق الا  السلطة القضائية التي تعد الدعامة الاساسية المحورية للحفاظ على مقومات واركان الدولة واعادة قوتها وحماية مواطنيها، من خلال فرض سيادة القانون واعطاء بعد قوي للمؤسسات، ولا شك ان السلطة القضائية تحتاج بشكل ضروري الى فضاء وطني ايجابي داعم  يعترف لهذه السلطة  بإحلال سيادة القانون بما يعزز استقلاليتها ويمنحها الشفافية والقوة لتطبيق العدالة وحماية الحقوق العامة والخاصة، فالدولة الديمقراطية تبقى بحاجة ملحة الى قضاء قوي مستقل قادر على حسم القضايا المختلفة بجرأة وموضوعية ونزاهة بعيداً عن تدخل السياسة والاعلام بعمله .

ولهذا يقع على عاتق  الجهات السياسية  عدم منازعة القضاء في اختصاصاته المخولة له او التطاول عليه والمساس بسمعته ومحاولة هدر هيبته اعلاميا.

 هذه الحملة الضاغطة ضد القضاء في هذا التوقيت تعكس حالة تصاعد الصراع السياسي في ملفات متعددة منها انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة، وقرارات المحكمة الاتحادية بهذا الشأن بدأت منذ المصادقة على نتائج الانتخابات، وصولا الى قرارها في تصويب العلاقة الدستورية في ادارة الثروة النفطية والمالية بين الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كردستان.

بالمقابل تقف امام هذه الحملة الممنهجة ضد القضاء اجراءات واحكام وقرارات ومواقف تؤكد استقلال القضاء ودوره في الحفاظ على النظام الديمقراطي في مسائل عديدة سواءً على مستوى عدم الامتثال للضغوطات السياسية والاعلامية، او اجراءات تحريك الدعاوى القضائية والقانونية ضد محركي هذه الحملة.

 اخيرا نقول ينبغي الكف الان عن مثل هذه الحملات الضاغطة على القضاء بكل مفاصله؛ لانه لا يمثل حجر الزاوية  الذي يحفظ النظام الديمقراطي ويمنع الانزلاق صوب هشاشة النظام والمؤسسات فحسب، لكنه العكاز الاخير المتبقي لبناء الدولة واستنهاضها في العراق.