التفاصيل
التكييف القانوني لجريمة الابتزاز الالكتروني في التشريع العراقي

التكييف القانوني لجريمة الابتزاز الالكتروني في التشريع العراقي

القاضي د.حبيب إبراهيم حمادة

2022-06-30 07:30:00

نتيجة للتطورات العلمية والتكنولوجية التي شهدها العالم في اواخر القرن الماضي فقد ظهرت وسائل اتصال جديدة لم تكن معروفة من قبل حققت نتائجها الايجابية في التواصل بين افراد المجتمع بسهولة ويسر وخدمتهم في العديد من المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ونظرا لما تحتويه تلك الوسائل من معلومات تتعلق بالحياة الخاصة للافراد وحقوقهم وحرياتهم الشخصية فقد برز الجانب السلبي في الاستخدام غير القانوني لها الامر الذي نتج عنه ظهور جرائم حديثة تختلف باركانها ووسائلها وغاياتها عن الجرائم التقليدية التي كانت معروفة سابقاً وهو مايعرف بالجرائم الالكترونية.

 ومن صور تلك الجرائم جريمة الابتزاز الالكتروني والتي اخترقت كافة المجتمعات عموما ومنها المجتمع العراقي ووفقاً لاخر الاحصائيات فقد سجلت المحاكم العراقية (2452) شكوى امام محاكم التحقيق عن ارتكاب جريمة الابتزاز الالكتروني للفترة من 2/1/2022 ولغاية 31/3/2022 الامر الذي يشير الى ازدياد ارتكاب هذه الجريمة بصورة لافتة للنظر مما يؤكد الخشية منها في تهديد دعائم المجتمع بسبب نتائجها السلبية وانتهاكها للحياة الخاصة لأفراده الامر الذي يوجب بيان الحلول المناسبة للحد من ارتكاب مثل هكذا جرائم في كافة المجالات عموما وفي الجانب التشريعي والقضائي على وجه الخصوص من خلال التكييف القانوني السليم لفعل المرتكب لها بغية فرض العقوبة المناسبة له بشكل يحقق الغاية منها في الردع العام والخاص والاصلاح.

وحيث ان المشرع العراقي لم يضع تعريفا محدداً لجريمة الابتزاز الالكتروني كما لم تتضمن احكام القضاء تعريفا محددا لها لذا فقد تكفل الفقه القانوني بتعريفها بعدة تعريفات اذ عرفت بانها كل سلوك غير قانوني يتم باستخدام الاجهزة الالكترونية وينتج عنها حصول الفاعل على فوائد مادية او معنوية كما عرفت بانها مخالفات ترتكب ضد الافراد او المجموعات بقصد الحصول على منافع مادية او معنوية عن طريق استخدام شبكات الاتصال المختلفة. ولجريمة الابتزاز الالكتروني عدة مميزات تنفرد بها عن بقية الجرائم اذ انها تعد من الجرائم عابرة للحدود حيث ان ارتكابها لا يقتصر داخل حدود الدولة الواحدة بل لا يوجد ما يمنع من ارتكابها عندما يكون المتهم في دولة والمجنى عليه في دولة اخرى لذلك فان هذه الجريمة تعتبر من الجرائم الدولية حالها في ذلك حال جرائم الاتجار بالنساء او الرقيق او المخدرات وغيرها وان كانت تختلف عنها من عدم الحاجة عند ارتكابها في التنقل من دولة واخرى اضافة الى ذلك فان ارتكاب هذه الجريمة انما يكون عن طريق وسائل الاتصال كالحاسوب او الهاتف النقال لذا فان وسيلة ارتكابها هو ما يميزها عن ارتكاب الجرائم الاخرى كالقتل او السرقة وغيرهما لذا توصف هذه الجريمة طبقاً لذلك بالجريمة الصامتة او الهادئة باعتبار ان ارتكابها لا يتطلب جهد عضلي يمكن ان يبذل من قبل الفاعل بل ان الامر يتطلب مجرد استخدام التقنيات الالكترونية في اي مكان يختاره الفاعل.

وتتميز جريمة الابتزاز الالكتروني بصعوبة اثباتها بطرق الاثبات المقررة قانوناً سيما ان ارتكابها لا يمكن ان يرتب اثارا مادية يمكن الاستناد اليها في الاثبات مقارنة عما هو عليه الحال بالنسبة للجرائم الاخرى خاصة وان الفاعل عادة ما يتمتع بالمهارة والخبرة في مجال استخدام التقنيات الالكترونية الامر الذي يكون له عاملا مساعداً في إخفاء آثار الجريمة بسرعة مما يزيد من صعوبة اثبات ارتكابه لها كما ان الإحجام عن الإخبار عن ارتكاب جريمة الابتزاز الالكتروني من قبل المجنى عليه خوفاً من النتائج المترتبة عليها يعد من مميزات هذه الجريمة اذ ان المجنى عليه قد يحجم عن الإخبار عنها خاصة في المجتمعات المحافظة على العادات والتقاليد العشائرية.

وترتكب جريمة الابتزاز الالكتروني لتحقيق العديد من الغايات او الدوافع ومن اهمها الدوافع المادية او المالية، وهي الاكثر شيوعا في الجانب العملي اذ عادة ما يكون الدافع من ارتكاب جريمة الابتزاز الالكتروني هو الحصول على مبالغ مالية او أشياء ذات طابع مادي من المجنى عليه وبخلاف ذلك تهديده بنشر ما لديه من معلومات سرية تتعلق بالحياة الخاصة به او بعائلته او بعمله او غير ذلك، ويستوي في ذلك ان يكون المجنى عليه شخصا طبيعياً ذات مركز وظيفي او اجتماعي او شخص معنوي كالشركات التجارية كما يمكن ان ترتكب هذه الجريمة لدوافع غير اخلاقية او جنسية وهو ما يعرف فقها بالابتزاز الجنسي الالكتروني وذلك ما يقع عادة عندما يكون المجنى عليه انثى او حدثاً اذ ان الغاية في مثل هذه الحالة هو اقامة علاقة غير مشروعة بالمجنى عليها، وممارسة فعل الزنا معها او فعل اللواط مع المجنى عليه الحدث ليتم لاحقا تصوير المجنى عليها او عليه والتهديد بها بغية الاستمرار في ارتكاب تلك الافعال وقد يكون الدافع من ارتكاب جريمة الابتزاز الالكتروني هو الدافع النفعي، اذ ان المتهم بارتكاب هذه الجريمة قد يهدف الى تحقيق غاية تحقق النفع له ومن ذلك على سبيل المثال طلبه من المجنى عليه ارتكاب افعال غير مشروعة بالسرقة او المتاجرة بالمخدرات او المطالبة باحالة احد العقود الادارية عليه او على شركته في حالة ما اذا كان المجنى عليه يعمل مسؤولا في احد الدوائر الحكومية وقد يحصل احياناً ان يكون الدافع الانتقامي هو الغاية من ارتكاب جريمة الابتزاز الالكتروني خاصة في حالة ما اذا كانت هنالك خلافات سابقة بين المتهم والمجنى عليه او ذويه.

وقدر تعلق الامر بالتكييف القانوني لفعل المتهم المرتكب لجريمة الابتزاز الالكتروني فان مشروع قانون الجرائم الالكترونية المقترح عام 2011 والذي لم يتم تشريعه حتى الوقت الحاضر قد تضمن في المادة (11/اولا /ب) منه فرض عقوبة السجن لمدة لا تزيد عن سبع سنوات وبغرامة لا تقل عن ثلاثة ملايين دينار ولا تزيد عن خمسة ملايين دينار لمرتكب جريمة الابتزاز الالكتروني وإزاء عدم تشريع القانون المذكور فقد اختلفت التطبيقات القضائية بشأن التكييف القانوني لجريمة الابتزاز الالكتروني اذ اتجهت بعض المحاكم الى تكييف فعل المتهم وفق احكام المادة 432/من قانون العقوبات رقم 111لسنة1969، باعتبار ان فعل المتهم يعد من قبيل جرائم التهديد في غير الحالات المشار اليها في المادتين 430و431 /عقوبات الامر الذي يجعل الحكم الصادر منها عرضه للنقض للخطا الحاصل بتكييف ذلك الفعل كما اتجهت بعض محاكم الموضوع الى تكييف فعل المتهم وفق احكام المادة 452 /1/عقوبات كون فعل المتهم يتمثل بحمل غيره على تسليم نقود واشياء اخرى بطريق التهديد ونعتقد بان التكييف السليم لفعل المتهم في جريمة الابتزاز الالكتروني ينطبق واحكام المادة 430/عقوبات حيث ان فعل التهديد الصادر عن المتهم في الجريمة كان مصحوبا بطلب او بتكليف بامر او الامتناع عن فعل، وذلك ما أشار اليه الشق الاخير من المادة اعلاه بالنص ( 1- يعاقب بالسجن مدةً لا تزيد على سبع سنوات او بالحبس كل من هدد آخر.... بإسناد أمور مخدشة للشرف او إنشائها وكان ذلك مصحوبا بطلب او بتكليف بأمر او الامتناع عن فعل او مقصودا به ذلك ) وذلك ما سارت عليه اغلب محاكم الجنايات حيث تم تصديق الأحكام الصادرة منها بهذا الشأن من قبل محكمة التمييز الاتحادية الموقرة.