التفاصيل
الوظيفة السلوكية لمبادئ القانون العامة والقدرة على إيجاد الحلول القضائية

الوظيفة السلوكية لمبادئ القانون العامة والقدرة على إيجاد الحلول القضائية

القاضي ناصر عمران

2022-06-30 07:35:00

تتفق معظم التشريعات ومنها التشريعات العراقية بالرجوع الى المبادئ العامة للقانون ‏حينما يغيب او يستعصي النص القانوني عن ايجاد الحلول في النزاع المعروض امام ‏القضاء، فلا يمكن احاطة الثابت لمجريات المتغير فالقانون ثابت والوقائع متغيرة، الامر ‏الذي يستدعي ايجاد ضوابط حاكمة تستطيع التماهي حيناً والتمازج احياناً بين الواقعة ‏القانونية او المادية والنص القانوني، واذا كان المجال متسعاً بشكل كبير في الجانب ‏المدني فان الامر يضيق كثيرا وينعدم في الجانب الجزائي القائم على مصدر واحد هو ‏التشريع وتحديدا النص القانوني (لا جريمة ولا عقوبة الا بنص ) وهو ما يعرف بمبدأ ‏‏(الشرعية) او قانونية الجرائم والعقوبات، واذا كان الجميع يعترف بالحيوية التي تمنحها ‏المبادئ العامة للنظام القانوني والتي من خلالها يتنامى ويتطور، فان الفقه لا يتفق على ‏تعريف محدد للمبادئ العامة للقانون من جانب ومن جانب اخر أيضاً لا يمكن حصرها ‏في اطار محدد لان طبيعتها تتأبى ذلك لمقدرتها وقابليتها الخلاقة المتطورة على امتداد ‏الزمن، ولكن الوصف القانوني للمبدأ غير بعيد عن التعريف والذي يراه البعض بانه : ‏قاعدة القواعد القانونية بمعنى قابليته على الانطباق على قواعد قانونية أخرى بحيث ‏تكون الاخيرة تطبيقا ً للمبدأ العام، وبذلك يمكننا على ضوء هذا المعنى ان نقول ان ‏المبدأ العام هو فكرة فنية المقصود بها وضع بناء منطقي متماسك للقواعد القانونية، ‏فالمبدأ بمعناه اللغوي يُجمع على (مبادئ) وهو ظرف من (بدأ) والاصل مكان البداءة ‏وزمانها،فمبدأ الشيء اوله او محتواه كما يراه الرازي في (معجم مقاييس اللغة )، او ‏التي يتركب منها كما نقول: الحروف مبدأ الكلام ومبادئ العلم أو القانون : قواعده ‏الاساسية التي يقوم عليها ولا يخرج عنها بحسب (القاموس المحيط ) للفيروز ابادي، ام ‏في المعنى الاصطلاحي فالمبادئ العامة للقانون هي : الافكار التي تصدر عن رؤية ‏عامه للوجود بشكل عام او التصورات الذهنية للحياة او لمجتمع معين، والتي تؤدي الى ‏استنباط مجموعة من القواعد القانونية الوضعية التي تنظم سلوك الاشخاص في هذا ‏المجتمع، وعلى ذلك سارت الامور بهذا النحو فاستقرت في علم القانون , ونجد انفسنا ‏ملزمين هنا للتمييز بين القانون وعلم القانون فلا تطابق بينهما فالأول من صنع السلطة ‏التشريعية اما علم القانون فهو العلم الذي يبحث الظاهرة القانونية في ماضيها ‏وحاضرها ومستقبلها للوصول الى حقائق جديدة يقدمها للسلطة التشريعية فاذا اقرتها ‏اصبحت قانونا، وبدون هذا التدخل فانه مهما قدم علم القانون من نتائج جديدة توجب ‏تطوير القانون،فان هذه النتائج لا تضيف شيئا ً للمواد القانونية المطبقة، ولذلك استقرت ‏جملة من المبادئ العليا في علم القانون، يستند عليها دونما حاجة لنص تشريعي ينص ‏عليها وهي لا تقع تحت الحصر فهي متسعه وقابلة للتطور، ومنها على سبيل المثال : ‏مبدأ حسن النية ومبدأ المساواة امام القانون، ومبدأ الجهل بالقانون لا يعد عذرا ً، ومبدأ ‏حياد القاضي، مبدأ سمو الدستور وهذه المصطلحات القانونية والتي تعد مبادئ قانونية ‏لا تحظى بتعريفات لان تعريفها يواجه صعوبات كثيرة حيث ان هذه المبادئ بعضها ‏مكتوب وبعضها غير مكتوب، الا ان ذلك لم يمنع الفقهاء بان يدلو بدلوهم في هذا ‏المضمار فالبعض يراها : مجموعة من المبادئ التي تستخدم في توجيه النظام القانوني ‏من حيث تطبيقه وتنميته ولو لم يكن لها دقة القواعد القانونية وانضباطها كما يراها ‏الفقيه ( بيكاتور ) اما الفقيه (اندريه دي لو بادير) فيرى بانها: عدد من المبادئ التي لا ‏تظهر في نصوص مكتوبة ولكن يعترف بها القضاء باعتبارها واجبة الاتباع وان ‏مخالفتها تمثل انتهاكا ً للمشروعية، ومن خلال ذلك يستنتج ان هذه المبادئ تستنبط من ‏روح التشريعات السابقة ومن ضمير الجماعة والظروف الموضوعية المحيطة وتساهم ‏في حماية الحقوق والحريات العامة وتعد مصدرا من مصادر القانون، ومن الجدير ‏بالذكر ان لجوء القاضي الى استنتاج المبادئ العامة للقانون من اجل الوصول الى حل ‏عادل يكون في حالتين : غياب النص التشريعي وعدم كفاية النص كون هذه المبادئ ‏عامة ولها القدرة على انارة طريق القاضي في اصدار الحكم حينما يعتقد ان الاستناد ‏الى القوانين او الاعراف لا يحقق العدالة والانصاف.‏