التفاصيل
رقابة القاضي الدستوري على امتناع السلطة التشريعية‏ في ظل حكم المحكمة الاتحادية العليا بالعدد 161 /اتحادية/2021 في 21 /2 /2022‏

رقابة القاضي الدستوري على امتناع السلطة التشريعية‏ في ظل حكم المحكمة الاتحادية العليا بالعدد 161 /اتحادية/2021 في 21 /2 /2022‏

أ.د. علي هادي عطيه الهلالي عميد كلية القانون– جامعة بغداد

2022-06-29 12:58:00

   سبق اثبات الأسس الدستورية والقانونية للطعن بامتناع السلطة التشريعية ((1)) ، ويجد القاضي الدستوري اسانيده  بامتداد رقابته على امتناع السلطة التشريعية عن أداء واجباتها وتنفيذ ما اوجبه الدستور من الدستور نفسه ، الذي الزم السلطة التشريعية بواجبات اخصها التشريع ، وأوجب عليها تأدية المهام في       القسم الدستوري((2)) ، ولم يجيز تحرر أي عمل ، سواء أكان سلبياً أم ايجابياً ، من الطعن القضائي((3)).

   ولكن تثير رقابة القاضي الدستوري على مدى دستورية امتناع السلطة التشريعية لتأدية واجباتها وبخاصة التشريعية منها إشكاليات عدة أخصها: صعوبة التحقق من شرط المصلحة الواجب تحققه في المدعي ، وصعوبة التحقق من وجه المخالفة الدستورية ، فضلاً عن صعوبات أخرى تتصل بمديات الفصل بين السلطات ، ومقدار تدخل القاضي الدستوري بالسلطة التقديرية للمشرع .

   وإذا حصرنا البحث في الإشكالية الأولى : نجد أن الدستور قد ألمح إلى وجوب قيام المصلحة الشخصية المباشرة في المدعي((4)) ، كما أوجبها قانون المحكمة ((5))، كما أوجبها النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية وأشترط في المصلحة صفات عدة هي : الحلول والمباشرة والتأثير في المركز القانوني أو المالي أو الاجتماعي في المدعي فضلاً عن وجوب تحققها منذ إقامة الدعوى وحتى صدور الحكم فيها ((6)) ، ولطالما اسهبت المحكمة الاتحادية بتشبثها بشرط المصلحة الشخصية وأوجبت قيامه لقبول الدعوى ((7)) ، لذا فإن المركز القانوني للمدعي يجب أن يكون بحالة من التأثير أو الضرر من النص القانوني المشكوك بعدم دستوريته بحسبان أن ذلك النص يحرم المدعي من مركز قانوني أطره الدستور صراحةً أو ضمناً ، بمعنى: أن ذلك النص يسلب حقاً أو حريةً أو اختصاصاً أو ضمانةً نص عليها الدستور بالتصريح أو الدلالة ، لذا فالخصومة تنعقد بين المدعي والنص المخاصم ، ولا خصومة من دون أن يكون ذلك النص نافذاً ، فقد أوجب الدستور النفاذ في النص الطعين((8)) ، وما ذلك الا توكيدا لقيام حالة التأثر في مركز المدعي أو تضرره .

   ولكن كيف سيثبت المدعي توافر شرط المصلحة الشخصية المباشرة والحالة والمؤثرة عندما ينازع في عدم دستورية امتناع السلطة التشريعية ، وكيف ستستطيل ولاية المحكمة الاتحادية العليا على امتناع السلطة التشريعية من دون انعقاد الخصومة بين الامتناع المشكوك بعدم دستوريته ومركز المدعي القانوني أو المالي أو الاجتماعي ، بل كيف ستتحقق المحكمة من أوجه المخالفة الدستورية ومدياتها وهي تفصل في مبارزة بين امتناع غير محدد الأسباب والدوافع والنطاق والنتائج من جهة ، وبين مركز قانوني مؤطر في الدستور ؟

   قضت المحكمة الاتحادية العليا وهي تحاول الإجابة عن التساؤلات أعلاه :" إن مخالفة السلطة التشريعية للدستور يمكن أن يحدث من خلال تشريع القوانين المخالفة لأحكام الدستور أو من خلال امتناع المشرع عن ممارسة هذا الاختصاص "((9)) ، لذا تكون المحكمة قد وصفت الامتناع بحد ذاته مخالفاً للدستور ، وساوته بممارسة السلطة التشريعية لاختصاصاتها التشريعية وتشريعها للقوانين وسواها ، فالعدوان على الدستور قد ينتج عن الفعل أو التقاعس عن أداء الواجب الذي أوجبه الدستور .

   ثم لم تفرق المحكمة الاتحادية بين دوافع الامتناع الموجب لبسط رقابتها حيث قضت:" وقد يكون هذا الخلل (الامتناع) متعمداً من جانب المشرع لغايات وبواعث محددة أو يكون بسبب عدم إمكانية التنبؤ بالمستقبل.." ((10)) ، وبالنتيجة لم تترك المحكمة الاتحادية أية قائلة بالسلطة التقديرية للمشرع في اختيار وقت التشريع طالما كان الامتناع مجحفاً بمركز أوجب الدستور تنظيمه ، والحقيقة أن التذرع بالسلطة التقديرية يجافي مبدأ أداء الواجب واستمرار مرفق السلطة التشريعية ووضع الحقوق والحريات التي كفلها الدستور موضع التنفيذ بل وربما نسيانها بمرور الوقت الذي تستنفذه السلطة التشريعية .

   ولم تكتف المحكمة الاتحادية بما تقدم فقد رسمت مسار الخصومة القضائية بين الامتناع التشريعي وبين المركز القانوني الذي يحتج به المدعي بخصومته حينما قضت :" إن الاغفال التشريعي الذي يكون محلاً لرقابة المحكمة الاتحادية العليا هو ما يترتب عليه المساس بحق أو ضمانة قررها الدستور ... فهنا يقع على عاتق المشرع تنظيم تلك الحقوق والحريات بشكل متكامل كي يضمن كفالتها وضمان ممارستها وعدم الانتقاص منها أو تقييدها وبخلاف ذلك تبرز أهمية المعالجة القضائية الدستورية باعتبار أن القضاء الدستوري هو المسؤول عن الزام السلطات باحترام احكام الدستور "((10)) ، لذا فالخصومة تنعقد أمام المحكمة بين الامتناع المسبب لإهدار حق أو حرية أو الانتقاص منهما أو تقييدهما ، فإذا ادعى المدعي في إطار الدعوى الدستورية أن مركزه القانوني قد تأثر بسبب امتناع السلطة التشريعية فإن ذلك يستوجب من المحكمة أن تتيقن أن حالة التأثر قد سببها الامتناع وليس عاملاً آخر ، إذ قد يكون التأثر بالمركز مرده إلى نص قانوني أو نظام صريح أو قد يحدث بسبب سوء تطبيق نص فتكون الخصومة بين النص والمدعي صاحب المركز القانوني وليس بين الامتناع والمدعي .

   بل أن المحكمة قد حددت مسار الدعوى الدستورية الدائر رحاها بين المدعي وامتناع السلطة التشريعة وبينت نتيجتها حينما قضت :" .. تبرز أهمية المعالجة القضائية الدستورية باعتبار أن القضاء الدستوري هو المسؤول عن الزام السلطات باحترام احكام الدستور ويكون ذلك اما بالإشارة الى مواطن الاغفال أو القصور في التشريع محل الطعن واشعار السلطة التشريعية بذلك بغية معالجته باعتبارها صاحبة الاختصاص الأصيل في التشريع أو توجيه توصية ملزمة الى المشرع لتلافي ذلك الاغفال .." ((12)) ، وبذلك فإن المحكمة كانت دقيقة بوصف قرارها الناتج عن خصومة الامتناع والمدعي حين قضت أن حكمها سيكون بمثابة توجيه أوامر الى السلطة التشريعية يوجب عليها المباشرة بمزاولة الاختصاص الدستوري بالتشريع وبل وحتى كيفيته ، لأن الحكم القضائي سوف لن يجد نصاً يقضي باعدامه ، بل سيواجه سكوتاً تشريعياً يقتضي انهائه لكي يتنفس الحق أو الحرية الذي يكفله الدستور صراحة أو ضمناً ، وحينها سيشرع الباب العريض لتوجيه القضاء أوامر ملزمة الى السلطة التشريعية لإعادتها الى سكة العمل التشريعي ، أما قول المحكمة "بتوصية ملزمة" فلا ينفي أن قراراتها ملزمة ، كون التوصية ترتبط بمضامين التشريع الذي يجب أن تشرعه السلطة التشريعية وهي من حيث المبدأ لها خياراتها التشريعية أما الإلزام فهي صفة قرار المحكمة الملزم للسلطة التشريعية بأن تسن التشريع الممتنعة عن تشريعه .

   ولكن يبقى التساؤل شاخصاً عن آلية محاسبة السلطة التشريعية حينما تمتنع عن تنفيذ حكم المحكمة الاتحادية المتضمن وقف امتناعها ؟ إذ تكون السلطة التشريعية بحالة امتناع جديد تستهدف به البقاء على امتناعها الأول رغم أن القاضي الدستوري حكم ببطلانه .

الهوامش:

((1)) أ.د. علي هادي الهلالي . الطعن بامتناع السلطة التشريعية ، مقالة منشورة على موقع المحكمة الاتحادية العليا www.iraqfsc.iq   بتاريخ 2-4-2022

((2)) المادة/ 50 من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 .

((3)) المادة /100 من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 .

((4)) المادة /93 من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 .

((5)) المادة 4 من قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم 30 لسنة 2005 المعدل .

((6)) المادة/20 – أولاً من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا رقم (1) لسنة 2022 المنشور في الوقائع العراقية بالعدد 4679 في 13-6-2022 .

((7)) انظر على سبيل المثال حكم المحكمة بالقضية 117 في 2-5-2021

((8)) المادة /93 – أولاً من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 .

((9)) القضية بالعدد 161 في 21-2-2022 .

((10)) القضية بالعدد 161 في 21-2-2022 .

((11)) القضية بالعدد 161 في 21-2-2022 .

((12)) القضية بالعدد 161 في 21-2-2022 .