التفاصيل
اعتراف المتهم بين الإدانة والإفراج

اعتراف المتهم بين الإدانة والإفراج

القاضي وليد لطيف حسين

2022-07-26 07:48:00

إن أحكام القضاء هي عنوان الحقيقة وأساس العدالة، وإذا كان هذا المبدأ له أهمية واحترام بالنسبة لأحكام القضاء بصفة عامة فأن له أهمية كبرى في ما يتعلق بأحكام القضاء الجنائي على وجه الخصوص، فأن للقضاء دورا مهما في حياة الناس لإرساء مبادئ العدالة بينهم وقد ذكر الله في محكم كتابه الكريم ( واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل ). ان القضاء يدقق كل دعوى تعرض عليه من اجل الوصول للحقيقة وللقاضي ان يكون عقيدته من اي عنصر من عناصر الدعوى الا اذا كان هذا العنصر مستمدا من اجراء باطل وان يقينه ليس يقينه الشخصي بل ما تفرضه عليه أدلة الدعوى.

يعد الاعتراف من الادلة المباشرة في الدعوى الجنائية كما انه احد أسباب الاحكام التي تصدر بالادانة من قبل المحاكم المختصة وهذا ما نصت عليه احكام المادة 213/أ من قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل (تحكم المحكمة في الدعوى بناء على اقتناعها الذي تكون لديها من الادلة المقدمة في اي دور من ادوار التحقيق او المحاكمة وهي الاقرار وشهادة الشهود ومحاضر التحقيق والمحاضر والكشوف الرسمية الاخرى وتقارير الخبراء والفنين والقرائن والادلة الاخرى المقررة قانونا).

وقد ورد الإقرار في النص أعلاه وهو مرادف لمفهوم (الاعتراف) في مقدمة الادلة التي تعتمدها المحكمة كسبب في اصدار الاحكام فان المتهم في الدعاوى الجنائية قد يقر او يعترف بالجرم المنسوب له عند تدوين اقواله ويكون ذلك بعد سماع المشتكي وشهادة الشهود والغرض من ذلك هو للسماح له بأن يسمع جميع الاقوال ومن ثم الاجابة عليها من قبله وله ان يعترف او ينكر ما ينسب اليه والاعتراف هو دليل يخول المحكمة ان تصدر كلمتها فيه متى ما توفرت به شروطه القانونية وحصول القناعة الكاملة بصحة ذلك الاعتراف ومطابقته للوقائع فانها تصدر المحكمة حكمها بإدانة المتهم عملا بإحكام المادة 182/أ من قانون اصول المحاكمات الجزائية التي نصت ( اذا اقتنعت المحكمة بعد اجراء المحاكمة على الوجه المتقدم بأن المتهم ارتكب ما اتهم به فتصدر حكمها بإدانته وبالعقوبة التي تفرضها عليه ) .

لذا فان الاعتراف من الأهمية فهو اخطر الأدلة ويجب على المحكمة تقييمه وان تتحرى عن هذا الدليل للتأكد من كذبه او صدقه قبل إصدار الحكم، وكفل القانون السلطة المطلقة للمحكمة في تقدير اعتراف المتهم والأخذ به من عدمه ويشترط بصحة الاعتراف هو ما ذكرته المادة 218 من قانون اصول المحاكمات الجزائية (يشترط في الاقرار ان لا يكون قد صدر نتيجة اكراه مادي او ادبي او وعد ووعيد ومع ذلك اذا انتفت رابطة السببية بينها وبين الاقرار او كان الاقرار قد ايد بأدلة اخرى تقتنع بها المحكمة بصحة مطابقته للواقع او ادى الى اكتشاف حقيقة ما جاز للمحكمة الاخذ به ) اذن فان الاقرار او الاعتراف يجب ان لا يكون تحت الضغط والاكراه وللمحكمة ان تدقق قيمة الاعتراف المأخوذ تحت التعذيب فأن ثبت لها وبشكل طبي وفني وبتقارير معتبرة لها ان تهدر ذلك الاعتراف وتصدر حكما ( بالافراج ) عن المتهم او ان تاخذ بالاعتراف في حالة وجود ادلة اخرى تطابقت مع الواقع وهذا تكون صلاحية المحكمة في اعتماد الاعتراف او هدره وفي كل الاحوال فأن الاعتراف لا يجوز اخذه تحت الضغط والإكراه وهذا الحق كفله الدستور العراقي الدائم لسنة (2005) ايضا في المادة 37/اولا/ج ( يحرم جميع انواع التعذيب النفسي والجسدي والمعاملة غير الانسانية ولا عبرة بأي اعتراف انتزع بالاكراه او التهديد والتعذيب وللمتضرر المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والمنوي الذي اصابه وفقا للقانون).

كما ان على المحكمة ان تشخص جريمة التعذيب بعد ارسال المتهم للفحص الطبي وتطبق نص المادة 333 من قانون العقوبات بحق القائم بالتحقيق التي نصت على عقوبة السجن او الحبس بحق كل موظف او مكلف بخدمة عامة عذب او امر بتعذيب متهم لحمله على الاعتراف بجريمة.

 وقد يرد الاعتراف دون ضغط إلا انه يكون غير مطابق لواقع وظروف الدعوى حيث يذكر المتهم افعالا واقوالا بعيدة عن نوع الجريمة او تاريخها او مكان وقوعها مما يشوب تلك الاقوال شكا ويصبح الاعتراف غير الصحيح اساس للحكم بالافراج عن التهمة استنادا لأحكام المادة 182/ج من قانون اصول المحاكمات الجزائية (اذا تبين للمحكمة ان الادلة لا تكفي لإدانة المتهم فتصدر قرارها بإلغاء التهمة والافراج عنه). ومن اجل ان يكون العمل سليما عن استجواب المتهم ولا يمنح الفرصة للطعن به فان توجدة عدة شروط عن الاستجواب وهي ما تسمى بضمانات المتهم ومنها :-

اولا:- ان تكون السلطة القائمة بالتحقيق سلطة تحقيقية مختصة ومخولة بالتحقيق وعلى قدر كبير من المهنية والكفاءة والاستقلال.

ثانيا:- السرعة في استجواب المتهم وعرضه على السلطة القضائية لتدوين اقواله بتوافر كافة الضمانات القانونية خلال 24 ساعة وهذا ما اكدت عليه المادة 123 من قانون اصول المحاكمات الجزائية ( على قاضي التحقيق او المحقق ان يستجوب المتهم خلال 24 ساعة من حضوره بعد التثبت من شخصيته واحاطته علما بالجريمة .. الخ النص).

ثالثا:- وجوب حضور محامي المتهم عند استجوابه وهذا يعد من الضمانات المهمة وان لم يكن له محامي فأنه ينتدب له محامي وتدفع نفقته من خزينة الدولة كما اوجب قانون الادعاء العام رقم 49 لسنة 2017 في المادة 5/ثالثا منه على عضو الادعاء العام الحضور عند اجراء التحقيقة في جناية او جنحة وابداء ملاحظاته وطلباته القانونية والحضور في جلسات المحاكم الجزائية عدا محكمة التمييز الاتحادية وهذا من ضمانات المتهم واي تدوية لأقوال المتهم بدون عضو الادعاء العام والمحامي المنتدب يعد باطلا .

رابعا :- عدم نعرض المتهم للضغط والاكراه عند استجوابه سواء كان ماديا او معنويا ويجب على القائم بالتحقيق استخدام وسائل مهنية وعلمية في مواجهة المتهم بالوقائع والادله التي تجعله يقر بفله بصورة تلقائية ان كان مرتكبا للفعل الجرمي او ينكر ذلك .

وبهذه الضمانات يكون استجواب المتهم اصوليا ويؤخذ بصحة اعترافه عند ادانته وبخلافه يتعرض الاعتراف للبطلان ويكون اساسا للإفراج عن المتهم.