التفاصيل
توقيف المتهم الحدث

توقيف المتهم الحدث

القاضي وائل ثابت الطائي

2022-07-26 07:51:00

التوقيف أو ما يصطلح على تسميته في بعض التشريعات العربية بـ(الحبس الاحتياطي) من الإجراءات التي يمارسها القضاء في مرحلة التحقيق ومرحلة المحاكمة، ويعتبر من الإجراءات المهمة والخطيرة نظراً لما يترتب عليه من آثار عند التنفيذ، والتوقيف تظهر أهميته في الحيلولة دون هروب المتهم عندما يستشعر القاضي من وقائع الدعوى وظروف الجريمة إن المتهم في نيته الفرار وعدم الامتثال أمام المحكمة وقد يتخذ قرار توقيف لحماية المتهم من انتقام ذوي المجنى عليه، وهذا ما يحصل في جرائم القتل في الأرياف أو جرائم الاعتداء على العرض، وهذا الإجراء، أي التوقيف، يتصف أيضاً بالخطورة الشديدة لحجم الأثر عند تنفيذه على المتهم لهذا فإن معظم القوانين الجزائية الإجرائية لم تجوز القبض على أي إنسان أو حبسه إلا بقرار صادر من السلطة القضائية المختصة ضمن شروط وضوابط معينة حددها القانون على أن يُعامل بما يتلاءم مع إنسانيته وحفظ كرامته، وإن القاضي عليه أن يقدر أهمية القرار الصادر عنه بتوقيف المتهم الحدث وأن يعمل موازنة ذهنية ويستحضر من خلالها الضرورة والأسباب التي تستدعيه لاتخاذ قرار التوقيف مقارنةً لما يترتب من أثر على شخص الحدث الموقوف .

وإذا كان لقرار التوقيف هذه الأهمية والخطورة تجاه المتهم بشكل عام فإن خطورته وأهميته تزداد عندما يكون التوقيف موجهاً إلى المتهم الحدث والعلة في ذلك إن التوقيف يمثل اعتداء على حرية الفرد ولا يتناسب بأي شكل من الأشكال مع شخصية الحدث ومرحلته العمرية ويتعارض مع التوجه العام للتشريعات المعنية بشؤون الأحداث والتي تهتم بالمصلحة الفضلى لهذه الشريحة وتأخذ في الاعتبار المعاملة الإنسانية والابتعاد عن استعمال أساليب الشدة ومن ضمنها التوقيف لمدة طويلة أو استعمال الضرب أو وضع القيود الحديدية والأصفاد ...الخ، وتزداد خطورة وجسامة توقيف المتهم الحدث تبعاً لوقائع الدعوى وخطورتها والغاية التي أرادها القاضي من التوقيف خصوصاً إذا كان الحدث في مراحل عمرية صغيرة عندما يكون في سن لا يتجاوز الخامسة عشر، أي يكون في مرحلة الصبا. حيث تكون بنيته الجسدية والعقلية لا تتلائم مع المكان الذي سوف يوضع فيه، والذي يُمثل بيئة خصبة لتعرض الحدث إلى حالة نفسية صادمة له نظراً لما يشاهده ويعانيه في وضعه الجديد.

إن تشريعات الأحداث بشكل عام لن تجوز توقيف المتهم الحدث إلا في حالات محددة واستثنائية وهذا هو التوجه هو الذي سار عليه قانون رعاية الأحداث العراقي النافذ رقم 76 لسنة 1983، حيث نص في المادة (52/أولاً) بعدم جوازية توقيف المتهم الحدث في المخالفات وأجاز توقيفه في جرائم الجنح وجرائم الجنايات، ولم يوجب التوقيف إلا في حالة واحدة أشارت إليه الفقرة الثانية عندما تكون التهمة بجناية عقوبتها الإعدام وكان عمر الحدث تجاوز الرابعة عشر .

وهذا التوجه التشريعي يتفق مع الاتفاقات الدولية ويتناسب مع المبادئ الدستورية، أما فيما يخص الاتفاقات الدولية فإن الأمم المتحدة قد ساهمت إسهاماً فعالاً بوضع مبادئ عامة وخاصة في قضاء الأحداث الجانحين عبر الاتفاقات والمعاهدات الدولية، وفي ما يخص هذه المسألة راعت الاهتمام بالحدث وعدم المساس به، ومن ذلك ما جاء بقواعد بكين حيث ورد فالقاعدة رقم (13/2) منها على ضرورة الابتعاد عن الاحتجاز رهن المحاكمة والاستعاضة عنها بإجراءات ذهنية، كما وضحت القاعدة العاشرة أيضاً إنه يتم إجراء الاتصالات بين الجهات المنوط بها إنفاذ القوانين والمجرم الحدث على نحو يكفل احترام المركز القانوني له وييسر رفاهيته ويتفادى إيذائه مع ايلاء الاعتبار لملابسات القضية، كما وضحت المادة العاشرة من القاعدة المذكورة بضرورة أن تكون الشرطة أو جهاز الملاحقة، عند وضع يديه على الحدث، أن يبادر وبسرعة إلى إعلان والديه أو أوليائه، أما فيما يخص ملائمة معاملة الحدث مع المبادئ الدستورية وعدم امتهان حرية الإنسان وخصوصاً الأحداث فإن معظم الدساتير قد نصت صراحةً ضمن موادها القانونية على احترام وكفالة الحريات .

ومن ذلك ما نص عليه صراحةً دستور جمهورية العراق لسنة 2005 في المادة (15) منه حيث جاء فيها (لكل فرد الحق في الحياة والأمن والحرية ولا يجوز الحرمان من هذه الحقوق أو تقييدها إلا وفقاً للقانون وبناءً على قرار صادر من جهة قضائية مختصة) .

ولا بد من التأكيد على ضرورة أن يتأنى القاضي عند إصدار القرار بشأن توقيف المتهم الحدث نظراً للآثار المترتبة على مثل هذا القرار حيث يوضع الحدث في مكان لا يتلائم معه بعيداً عن أسرته وبيئته الطبيعية التي عاش فيها مما يجعله في حالة نفسية صعبة ومما يزيد الأمر سوءً عندما يكون الحدث لم يسبق أن تعرض لمثل هذه الحالات الطارئة في حياته، وعلى العموم إن توقيف المتهم الحدث إنما يكون في الغالب للأغراض الآتية:

1- إجراء الفحص والبحث أمام مكتب الدراسة الشخصية.

2- تجنب الخطورة المتحققة من الجريمة التي ينسب ارتكابها إلى المتهم الحدث وهذه الخطورة ناتجة من الخوف من الانتقام أو خشية فراغ المتهم أو لأي سبب آخر معقول يقتضي إصدار قرار التوقيف، ومثال ذلك في بعض جرائم القتل أو السرقة المشددة وعندما يكون الحدث من أصحاب السوابق ولم يرتدع من فرض الجزاء الذي فرض عليه يلجأ القاضي إلى توقيفه.

3- عند القبض على الحدث متسولاً أو في إحدى حالات التشرد والانحراف ومحل إقامته مجهول لدى القائم بالتحقيق وفي ظروف تستدعي حماية الحدث يعمل القاضي على إصدار قراره بالتوقيف لاستبيان الحقيقة والوصول إلى معرفة أهل الحدث وذويه.

لقد شددت كثير من الدول على أن يكون بالمتهم الحدث مكان خاص يُنفذ فيه قرار التوقيف ولا يودع في أماكن التوقيف العادية المخصصة للمتهمين البالغين تجنباً بالاختلاط بهم، كما يجب أن تكون هذه الأماكن التي يتحفظ فيها على الأحداث أماكن تتلاءم مع الحد الأدنى للمعاملة الإنسانية اللائقة ومتوفر فيها المقتضيات الصحية اللازمة مع ضرورة الفصل بين الإناث والذكور والفصل بين الفئات العمرية الصغيرة عن الفئات الأخرى القريبة إلى سن البلوغ ومراعاة كل الأمور الأخرى الواجب اتخاذها في التعامل الحسن مع مثل هذه الشريحة، وفي العراق نصت المادة (52/ثالثاً) من قانون رعاية الأحداث : (يُنفذ قرار توقيف الحدث في دار الملاحظة أما في الأماكن التي لا توجد فيها دار ملاحظة فتتخذ التدابير لمنع اختلاط الحدث مع الموقوفين بالغي سن الرشد).

وعلى الرغم من وجود هذا النص القانوني إلا أن واقع الحال في العراق وفي كثير من الدول العربية لا يتطابق مع أهداف النص التشريعي وغايات المشرع حيث لا توجد أماكن مؤهلة لتوقيف الأحداث حيث يتم توقيفهم في مراكز الشرطة وفي أماكن لا تتلاءم مع متطلبات المعاملة الجنائية المخففة تجاه الأحداث.

إن توقيف الأحداث ينبغي أن يكون تدبيراً استثنائياً لا يلجأ إليه القاضي إلا عند الضرورة لكونه إجراء يمس الحرية الشخصية ويجرح البراءة عند هذه الفئة العمرية ولا يتلاءم كثيراً مع الحقوق الأساسية للمواطن لأنه إجراء يُمثل في جانبه الآخر انتهاكاً لحرية الإنسان عندما يوضع في مكان لا يستطيع فيه ممارسة حرية التنقل ويكون تحت رهن الاعتقال والاحتجاز، وإن توقيف المتهم يُمثل خطورة كبيرة في حد ذاتها لكونه ينزع الحدث من بيئته الطبيعية ويضعه في مكان يختلف تماماً عن تلك البيئة بعيداً عن أهله منعزلاً عن الغير مما يؤثر سلباً في حالته النفسية وحالته السلوكية ومن الممكن أن يترك آثارا مستقبلية.

عليه لا بد أن يكون قرار التوقيف متلائما مع أسباب اتخاذه وفي الوقت نفسه تراعى فيه الفترة المحددة للتوقيف وأن يكون موعد المحاكمة منسجماً مع تاريخ نهاية التوقيف في الجرائم الخطيرة التي لا يمكن إخلاء سبيل المتهم بكفالة فيها، وبذلك يكون قد حققنا موازنة بين المحافظة على المصلحة العامة من جهة وراعينا أيضاً المصلحة الفضلى للحدث ضمن ضوابط القانون .