التفاصيل
الخصائص الفنية للخبرة في المجال الجنائي

الخصائص الفنية للخبرة في المجال الجنائي

القاضي عبد الستار ناهي عبد عون

2022-07-26 07:55:00

تُعد الخبرة في المجال الجنائي إجراء من أهم إجراءات التحقيق ووسيلة من وسائل الإثبات في المواد الجنائية تباشره سلطة التحقيق وهي بصدد مسألة فنية تستلزم الإلمام بعلم او فن معين اذ قد تعترض المحقق او قاضي التحقيق في اثناء سير التحقيق بعض المسائل الفنية المهمة التي تحتاج معرفتها الى خبرة عملية ومهارة خاصة, كتحديد سبب الوفاة, وساعة حدوثها, او المادة المستعملة في قتل المجنى عليه الى غير ذلك من المسائل التي تشكل فناً يحتاج الى من يحل رموزه وهم الخبراء.

 وازدادت أهمية الخبرة في ضوء التطور العلمي والفني, ولم تتوقف الاستعانة بها في مرحلة من مراحل الدعوى الجزائية بل في مراحلها جميعها وأصبحت الأداة الفنية والدليل الذي يسهم بشكل فاعل في مساعدة القائم بالتحقيق في فهم الوقائع التي تقود إلى نسبة الدليل للفاعل مما يحقق هدف التحقيق, وإزاء هذا الدور البارز للخبرة وما تقدمه من خدمات في مجال الحقائق المغيبة أو التي يكتنفها الغموض صار الخبراء اعوان الباحث الجنائي, وهو من يحدد الخبراء المطلوبين ويستدعيهم وما يقدمونه من أعمال الخبرة تعد من أهم مصادر الأدلة الجنائية، ‏والمراد بالخبرة هنا هي الخبرة التي تنصبّ على الوقائع التي استقر الفقه والقضاء باللجوء إليها في المسائل الجنائية، ‏وهي ما تدعو الحاجة إليها في المسائل الفنية التي يتوقف عليها الفصل في الدعوى.

والمقصود بالخبرة أنها تقدير مادي أو ذهني يبديه اصحاب الفن والاختصاص في مسألة فنية لا يستطيع القائم بالتحقيق معرفتها وبمعلوماته الخاصة سواء كانت تلك المسألة متعلقة بشخص المتهم أم بجسم الجريمة أم المواد المستعملة في ارتكابها أم آثارها. او هي إبداء رأي فني من شخص مختص في شأن واقعة ذات أهمية في الدعوى الجزائية.

‏ونرى ان الخبرة في المجال الجنائي هي الرأي المعرفي العلمي والفني الناتج عن الممارسة أو التحصيل العلمي بصدد واقعة من وقائع الدعوى الجزائية دون المسائل القانونية.

في ضوء ما ذكر يتبين أن الخبرة تمثل معلومات فنية يحصل عليها القائم بالتحقيق من أرباب الفن والحرف والمعرفة وهذه معلومات تساعده في حل ما يشكل عليه من الامور التي لا يمكن حلها بمعلوماته الخاصة والوصول إلى نتائج حاسمة بشأنها لعدم إلمامه بالأمور والمسائل التي ربما يتوقف الوصول للدليل عليها والذي يكون هو دليل إثبات في ارتكاب الجريمة ونسبتها لفاعلها، ‏فعلى سبيل المثال لا يمكن للباحث الجنائي او القاضي التوصل إلى كفاءة المادة السامة التي يستعملها الجاني في إحداث الوفاة ما لم يستعين بأحد اصحاب الاختصاص من الكيمياويين لمعرفة ذلك. ‏سيما أن هناك العديد من القضايا التي تلعب فيها الخبرة الدور الفاعل والرئيس في الفصل في موضوعها وكشف ملابسات الجريمة, وأحياناً تكون الخبرة هي البيّنة الوحيدة التي يمكن بوساطتها التوصل إلى المراد اثباته، وبذلك فان الخبرة طريقة من طرق التحقيق, ‏ومن مفارقات الحال انه قد تكون الخبرة على نقيض ادلة عديدة, وبالرغم من ذلك يعتمدها الباحث لأنها تبنى على اليقين من ذوي الاختصاص ومن النادر يتسرب إليها الشك ‏والاحتمال.

‏ويحصل الخبير على خبرته من خلال ممارسة مهنة معينة أو عمل أو اختصاص علمي, ولكن لا نسلم الى القول بان يُعد خبيراً كل من يسند اليه المحقق او القاضي مهمة ذات طبيعة خاصة مالم تتوافر فيه صفة الادراك والاستنتاج فضلاً عن الامانة والاخلاص.

و‏تُعد مهمة الخبير في المسائل الجنائية مهمة فنية وذات طابع قضائي, فهي مهمة فنية لأنها تفترض بالخبير الاستعانة بمعلوماته العلمية أو الفنية, وفي ضوء ذلك يُعدّ خبيراً من يكلفه الباحث الجنائي -القائم بالتحقيق- بان يجري معاينته ويأتي بنتائج ملاحظاته متى كانت المعاينة والملاحظة تفترضان ‏اتباع أساليب علمية أو فنية, والحال هذا لا يجوز أن ترد ‏الخبرة على مشكلة قانونية فالقاضي والمحقق يعلمان بالقانون ولا حاجة لخبير ليعينهما على ذلك.

‏ومن ذلك يمكن القول أن الخبير هو الشخص الذي اكتسب خبرة علمية واسعة في مجال عمل معين واصبح متخصصاً في ادائه ملماً بتفاصيله ونواحيه بشكل يفوق الشخص العادي ما يُمّكنه من إبداء الرأي الصحيح في المسائل ذات الصلة بهذا العمل لكشف ملابسات الحادث والوصول إلى الفاعل.

‏ولا تعدو الخبرة عن كونها استشارة فنية يلجأ إليها القاضي أو المحقق في مجالات الاثبات لمساعدته في تقدير المسائل ‏التي يحتاج تقديرها إلى معرفة فنية أو إدارية ‏عملية لا يملكها عضو السلطة القضائية المختصة بحكم عمله، ‏وقد يكون موضوع الخبرة مسائل فنية مادية كما في حالة تشريح جثة لمعرفة سبب الوفاة والوسائل المستخدمة في ارتكاب الجريمة, وقد تكون لفحص الجروح والضربات, او وسائل الإجهاض العمدية أو الجرائم الجنسية, ولا ينحصر مجال الخبرة في المسائل المادية, فقد يكون موضوع الخبرة مسائل معنوية لبحث الحالة العقلية أو النفسية لبيان القدرة على الإدراك والاختيار أو التحقق من الصفات المختلفة التي يكون لها تأثير في تطبيق الجزاء الملائم. ‏