التفاصيل
تجريم الكراهية

تجريم الكراهية

القاضي ناصر عمران

2022-07-26 07:58:00

يثير موضوع الكراهية كمفردة لغوية متداولة الكثير من ردود الأفعال على مستوى المتلقي، كفعل سلوكي باعتباره الضد للمفهوم الإنساني بمفردته الجميلة (المحبة) وهي خط الشروع الاول لإنتاجية الافعال الخارجة من مكامن الذات الداخلية الى فضاءات الواقع، كمعطى سلوكي له ماله وعليه ما عليه، ربما يغدو الحديث عن الكراهية كشعور ونقله من الحالة النفسية الى الجانب الاجتماعي باعتباره سلوكا مجرماً، فيه الكثير من التأويل والتفسير والشرح والتحقيق وبالتأكيد محلاً لتجاذب الآراء والتي تشتد وتتسع لتضيق بعد ذلك وبالمحصلة النهائية تكون رهينة واقعها وظرفها وحبيسة مقاصدها والتي تجد عند الفقه ضالتها وعلى اساس الرأي الفقهي ينعكس الرأي القانوني فما بين خطاب الكراهية وحرية التعبير خيط رفيع بقدر ما يضيق فان فيه من المرونة الشيء الكثير، فتُعرّف الكراهية على أنها "كل قول أو عمل من شأنه إثارة الفتنة أو النعرات أو التمييز بين الأفراد أو الجماعات" وقد نص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 على ما يلي : "تُحظر بالقانون أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف".

 ووفقاً للاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري يعتبر "كل نشر للأفكار القائمة على التفوق العنصري أو الكراهية العنصرية، وكل تحريض على التمييز العنصري وكل عمل من أعمال العنف أو تحريض على هذه الأعمال يُرتكب ضد أي عرق أو أية جماعة من لون أو أصل أثني آخر، وكذلك كل مساعدة للنشاطات العنصرية، بما في ذلك تمويلها، جريمة يعاقب عليها القانون". وخطاب الكراهية مصطلح قانوني يمكن أن يُعرف بكونه أي "عبارات تؤيد التحريض على الضرر (خاصة التمييز أو العدوانية أو العنف) ويندرج خطاب الكراهية في مركبات "حرية التعبير وحقوق الأفراد والجماعات والأقليات ومبادئ الكرامة والحرية والمساواة" ويفرق بين حق الرأي وحق التعبير عن الرأي، فإن العالم لا يضع أي قيد على حق الرأي و يجعله مطلقاً ولكنه يضع قيوداً وضوابط على التعبير عن هذا الرأي فهناك قيود منها احترام حقوق الآخرين وحماية الأمن القومي وخطاب الكراهية يكون مفعم بالكراهية، يتعارض وقيم التسامح والعيش المشترك والتي تحتاجها الجماعات البشرية ولم يكن المشرع العراقي القانون بعيدا عن تجريم التجاوز عن حرية الراي والتعبير عنها في المواد (434،433 ‘ 435 ) وتحت عنوان (القذف والسب) وتدرج في التشديد العقابي بين القذف والسب بمواجهة المجنى عليه ومن غير علانية وجرائم السب والقذف اذا كانت علنية وبالتأكيد ان الضابط المهم بين العبارات الواردة في الخطابات الاعلامية او الدينية هو الخبير المنتخب والذي لديه الخبرة الكافية في تحديد العبارات الواردة وجرائم السب والقذف وان تشابهت مع خطابات الكراهية الا انها تبقى من الوقائع المرتبطة بالراهن اليومي واحداثه واسقاطاته الاجتماعية اما خطاب الكراهية فلم يتم الالتفات الى تأثيره الاجتماعي الذي تغول بشكل كبير لكننا قد نلتمس تطبيقا بسيطا له في قانون مكافحة الارهاب رقم 13 لسنة 2005 وما ذكر في مشروع الجرائم المعلوماتية لم يتضمن رؤية واضحة في التفرقة بين الخطاب والسلوك المفعم بالكراهية وبين جرائم التواصل الاجتماعي والامر بحاجة الى قانون ضابط للخطاب المحرض على الكراهية وتجريمه اضافة الى حملة تربوية شاملة للمنهاج وطرق التدريس لتكون الاولوية لخطاب التسامح والصدق والعفوية وخلق نوع من النهج التربوي القائم الذي يشكل جانبا وقائيا يحول دون الوقوع بخطابات النهج المحرض على الكراهية والبغضاء.

لقد شكلت فضاءات الحرية في النظام الديمقراطي مناخا رحبا لظهور خطابات الكراهية والبغضاء والتجاوز على حريات الاخرين وحقوقهم الشخصية فصار الولوج الى عوالم الاخرين ومواجهة الرأي العام أمرا متيسرا عبر المواجهة المباشرة او عبر وسائل الاعلام والفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي ومن خلالها يتم الترويج لخطابات الكراهية الدينية والقومية والمذهبية والاثنية لنرى بعد ذلك اسقاطات هذه الخطابات على العلاقات الاجتماعية واخلاقيات التعامل وبالتالي على بناء الدولة المدنية، ان مواجهة الخطابات والجرائم المعلوماتية يتم عبر قانون لمكافحة الكراهية بجميع اشكالها وخطاباتها التي بدأت تشكل حروبا الكترونية وما مصطلحات ومفاهيم الجيوش الإلكترونية الا شاهدة على صورة التسقيط الاجتماعي والسياسي والثقافي وهي ادوات المعركة التقنية التي نجد نتائجها بجرائم القتل والعنف والارهاب التي يكون مجتمعنا ساحتها ومواطنيه ضحاياها.