التفاصيل
البناء المهني للقضاة

البناء المهني للقضاة

القاضي إياد محسن ضمد

2022-07-26 07:59:00

تضطلع الأكاديميات والمعاهد المتخصصة بإعداد القضاة، ومنها المعهد القضائي العراقي، بدور مهم وكبير على مستوى البناء الذهني والعلمي لطلبة المعاهد القضائية وتمكينهم من تطوير قدراتهم وأدواتهم الشخصية بما يضمن أداء مهامهم القضائية على امثل وجه بعد توليهم المهام القضائية.

 وبحسب اعتقادي، فان المهمة الأبرز التي يجب ان تركز عليها المعاهد القضائية هي البناء النفسي والمهني لطلبة المعاهد القضائية وضرورة تنمية ضمير العدالة في ذواتهم، المهم ان تدرس الأكاديميات القضائية مبادئ السلوك القضائي كالمهنية والحياد والاستقلال والنزاهة والتجرد وان يفهم الطلبة ماذا يعني كل مبدأٔ وكيفية تجسيده على مستوى الواقع العملي، فخذ مثلا ان الاستقلال الشخصي والمهني للقاضي يوجب عليه عدم بناء علاقات اجتماعية من الممكن ان تؤثر على قراراته المهنية سواء كانت هذه العلاقات برجال السياسة او برجال الاقتصاد او بالأشخاص الذين من المتوقع ان يكونوا محل تخاصم امامه ذات يوم لان العلاقة الاجتماعية تشكل احد الضواغط الصعبة على مهنية القرارات القضائية، فالعلاقة الاجتماعية يتبعها تعاطف ومحاباة ومجاملة ما يوجب على القاضي في بعض القضايا التنحي عن نظر الدعوى، وكلما زادت علاقاته الاجتماعية زادت الحالات التي يجد فيها نفسه محرجا من نظر القضايا ما يؤثر سلبا على سير العدالة واجراءات التقاضي في ظل الزخم الهائل الذي تشهده المحاكم. وخذ مثلا ان واجب الحياد والتجرد الذي يوجب التعامل مع المواطنين بشكل حيادي بعيداً عن الفئوية الحزبية أو التعصب في المعتقدات والمصالح والاهتمامات الخاصة والتجرد يعني التخلي وبمعنى اخر، ترك الميل عند نظر قضية من القضايا، والوقوف موقف العدل والانصاف وعدم الانسياق للعواطف التي قد تخالف ما يظهر له من حقائق.

 وواجبا الحياد والتجرد يعنيان ان يتخلى القاضي عن كل موروثاته الثقافية والاجتماعية والبيئية ويتجرد عن كافة انطباعاته المسبقة عن الاشياء والاشخاص عند نظر الدعوى وان لا يترك لتلك الموروثات ان تؤثر في عدالة ومهنية القرار الذي يصدره في الدعوى المنظورة وقبل ان يصل لهذه النتيجة العادلة يجب ان يفهم ابتداء ما هي الموروثات الثقافية والاجتماعية والتاريخية المندمجة في شخصيته وان يتعلم كيف يفصلها عن شخصيته المهنية واجزم ان ذلك ليس بالأمر الهين او اليسير.

 كل ذلك يجب ان يفهمه القاضي فهما دقيقا وعميقا كما يفهم النصوص القانونية وكل ذلك يجب على المعاهد والاكاديميات القضائية ان تقوم بتدريسه وتدريبه للطلبة وان لا يكون التركيز فقط على تدريسهم المناهج القانونية والنظريات العامة اذ لا فائدة من ان يكون القاضي عالما في مجال القانون الا انه يخرج عن الحياد عند اصدار الاحكام ويرافق الميل قراراته وما فائدة ان يكون القاضي فقيها في القانون وهو غير قادر على ضبط حالته العصبية والانفعالية الى درجة ان يخشى المتقاضون من الإدلاء بكامل دفوعهم القانونية خشية من ردة الفعل او لعدم منحهم الوقت الكافي للإصغاء والاستماع لما يريدون تقديمه من ادلة قانونية، هذه المهمة التربوية النبيلة يجب ان تكون ضمن أولويات معاهد تدريس طلبة المعاهد القضائية وعلى صعيد المعهد القضائي في العراق فان تدريس مادة مبادئ السلوك القضائي وفن القضاء يساهم في تنمية القيم القضائية النبيلة في نفوس الطلبة بما يعزز انتاج جيل من القضاة قادر على اداء المهام القضائية بمهنية عالية.