التفاصيل
الطفل المجنى عليه

الطفل المجنى عليه

القاضي وائل ثابت الطائي

2022-08-01 10:26:00

تمهيــــــــــد:

ان موضوع هذا البحث يشكل حال واقعية اجتماعية كثيرة الحدوث ولكنها غير منظورة حيث لم يُسلط عليها الضوء لا من قبل ذوي المجنى عليه ولا من قبل المؤسسات الرسمية وغير الرسمية , لهذا فإنها حالة لم تأخذ حقها في الدراسة ومعرفة حجم الآثار السلبية الضخمة التي تتولد عنها , حتى إن اضرارها تبقى محصورة في دائرة ضيقة لاتتعدى شخص الطفل المجنى عليه وعائلته , وبكل تأكيد إن اضرارها على الطفل الذي لحقه الأذى من جراء السلوك الاجرامي يبقى طويلاً مع سنين حياته إذا لم يلقَ المعالجة الصحيحة , من إجل ذلك أردنا من خلال هذا البحث المختصر ان نسلط الضوء على مثل هذه الحالة الاجتماعية السلبية التي نجدها كثيراً في أروقة المحاكم ولكن لانراها خارج هذا النطاق .

تكلمنا عن هذه الحالة بايجاز وقسمنا هذا المبحث الى المطالب الآتية :

المطلب الاول: التعريف بالطفل المجنى عليه

المطالب الثاني: نماذج تطبيقية لهذه الحالة

المطلب الثالث: المعالجات المقترحة

 

المطلب الاول: التعريف بالطفل المجنى عليه

المجنى عليه هو الشخص الذي وقعت عليه الجريمة وأصابته بضرر في نفسه , كجريمة القتل , أو في جسده , كالاعتداءات والإصابات والعاهات , أو في عرضه , كالجرائم الجنسية , أو في ماله كجريمة السرقة وخيانة الأمانة , فالمجنى عليه هو موضوع الجريمة بصرف النظر عن سنه أو جنسه أو حالته أو مركزه الاجتماعي أو الوظيفي , وهو الشخص الذي ينبغي أن يكون محلاً للحماية القانونية , أن المجنى عليه إذا كان من الأحداث , أي من الأشخاص غير البالغين السن القانونية المحدد تشريعاً , يكون أكثر تضرراً من السلوك الإجرامي الذي يصيب الشخص البالغ فما هو موقف التشريعات منه ؟

عندما نطالع النصوص القانونية لقانون الأحداث العراقي رقم 76 لسنة 1983 والتشريعات الجزائية الأخرى وكذلك التشريعات المماثلة للدول العربية أو غيرها والتشريعات الدولية المتمثلة بالاتفاقيات كاتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل الصادرة عام 1989 وقواعد بكين واتفاقية الرياض , نجد أن هناك اهتمام واسع النطاق لشخص الحدث الذي قام بارتكاب السلوك الإجرامي , فقد وضعت هذه القوانين حقوق وضمانات لهذه الفئة العمرية , بل وصلت العناية إلى الاهتمام بالحدث الذي يظهر عليه سلوك كاشف عن احتمالية أن يؤدي إلى الوقوع في حالة الجنوح والذي يطلق اصطلاحاً عليه ( الحدث المعرضين لخطر الانحراف ) , أما فيما يخص الحدث المجنى عليه فأن أكثر التشريعات المنظمة لشؤون الأحداث وكذلك التشريعات الأخرى قد أهملت تقديم العناية الكافية للحدث المجنى  عليه , فليس هناك أي تدابير واضحة أو ملموسة في مواجهة الآثار السلبية التي تركها السلوك الإجرامي على نفسية الحدث المجنى عليه في جسده أو شخصه أو نفسيته , هذا إذا استثنينا الحق في التعويض الذي تعطيه المحكمة للمجنى عليه سواء كان حدثاً أو بالغاً , أما ضمانات أخرى أو اهتمامات استثنائية فليس لها وجود في الواقع الحياتي .

 

المطلب الثاني: نماذج تطبيقية لهذه الحالة

أن ظاهرة الحدث المجنى عليه ظاهرة ملموسة في الواقع العملي فكثير من الدعاوى المعروضة أمام المحاكم تكون الجرائم فيها ومحلها شخص الحدث , وعلى سبيل الاستشهاد نعرض هاتين الواقعتين :

الواقعة الأولى : هذه الواقعة تدخل في جرائم تعرض الأطفال إلى اعتداءات جنسية من قبيل اللواط أو الاعتداء على العرض ومن التطبيقات دعاوى أحيلت أمام المحاكم شخص المجنى عليه طفل أرسله ذويه لغرض جلب بعض المواد الغذائية القريبة من منزله وعند دخوله المحل تعرض إلى اعتداء جنسي من قبل صاحب المحل أو العامل فيه أو كان يلعب في الشارع وأخذه الجاني في مكان منزوي بعيداً عن الأنظار وأرتكب معه الفعل ألجرمي , في مثل هذه الوقائع وغيرها يكون الضحية الحدث الذي لم يبلغ السن القانونية .

أما الواقعة الثانية : تدخل في باب تعرض الأحداث إلى جرائم اعتداء من قبيل قيام أحد الأحداث باللعب ببندقية صيد كسرية وأدى الحادث إلى خروج أطلاقة أصابت ابن عمه الذي لم يبلغ العاشرة من عمره وأدى الحادث إلى قطع ساقه الأيمن وركبت له ساق اصطناعية .

في مثل هذه الحوادث نجد أن الأضرار التي وقعت على شخص المجنى عليه أضرار كبيرة لكونه طفل صغير , وفي مقابل ذلك فأن ما يقدم لأمثال هذه الحالات من معالجات لحالة الضرر الجسدية أو النفسية التي لحقت بالمجنى عليه ليس بالشيء الذي يذكر مع التنويه إن تقديم بعض الامتيازات البسيطة المادية أو المعنوية من قبل دوائر الدولة كوزارة العمل والضمان الاجتماعي ووزارة الشباب ووزارة التربية وكل الجهات المؤسساتية الأخرى لا تعتبر ثقلاً كبيراً على ميزانيتها وأن ايجابياتها ونفعها في تحقيق السلامة النفسية والجسدية لهذه الشريحة المتضررة يمكن أن تكون ذات أثر طيب في المجتمع .

 

المطلب الثالث: المعالجات المقترحة

أن معالجة أضرار الجريمة التي تلحق بالحدث المجنى عليه تؤدي بشكل أو بآخر إلى تحقيق توازن في نفس الحدث وسلامة شخصيته وإعادة الثقة له بما يحقق الطمأنينة في مواصلة مسيرة حياته الاجتماعية القادمة , على أن تكون هذه المعالجة بحكمة وكياسة وعلم ودراية, وبشكل موجز يمكن ان نحدد هذه المعالجات من خلال النقاط الآتية:

1- إزالة الاضرار المباشرة التي لحقت بالطفل المجنى عليه :-

ان المعالجة الرئيسية تبدأ من خلال رفع كافة الاضرار المباشرة التي لحقت بالطفل المجنى عليه والتي اصابته من خلال السلوك الاجرامي الذي جعل منه هدفاً ونتيجة لنشاطه المخالف لاحكام القانون والبعيد عن السلوك الاجتماعي الصحيح ,وتكون المعالجة هذه بحسب نوع الضرر الذي لحق بالطفل فإذا كان هناك ضرر جسدي تكون معالجته من خلال رفع هذا الضرر وإذا كان نفسي تكون معالجته من خلال إعادة تأهيله مجدداً وإزالة حجم الضغط والحالة القلقلة التي عليها الطفل من جراء وقوعه ضحية الحادث .

2- وضع بعض الامتيازات للطفل المجنى عليه من خلال تشريع نصوص قانونية تمنحه بعض الحقوق بما يساعد على القضاء على حالة الضرر التي اصابته خاصة اذا كان أثر الجريمة قد أدى الى اعاقة جسدية كبتر ساق أو يد او غيرها او تكون الاعاقة نفسية من خلال ادخاله في مدارس تأهيلية تعيد له الثقة بنفسه .

3- تخصيص مدارس خاصة للطفل المعاق نتيجة اصابته من جراء الجريمة خصوصا اذا كان لايستطيع إكمال دراسته بالوضع الطبيعي .

بالإضافة الى هذه المعالجات لابد من الاهتمام بالاسلوب الوقائي الذي يُجنب وقوع الطفل ليكون هدفاً او نشاطاً للسلوك الاجرامي وهذا يكون عن طريق الرقابة الاسرية التي تمارس عليه خصوصاً من الام اذا كان الطفل في بداية حياته ولم يتجاوز العقد الاول بالاضافة الى الرقابة من بقية أفراد الاسرة التي تشكل دورا هاما في وقاية الاطفال من الوقوع في مثل هذه الحالات السلبية.