التفاصيل
مفهوم الذكاء الصناعي (Aritificial Intelligence)

مفهوم الذكاء الصناعي (Aritificial Intelligence)

القاضي/ عواد حسين ياسين العبيدي / نائب رئيس محكمة استئناف كركوك الاتحادية

2022-08-14 08:48:00

يُعد (جون مكارثي)  (John mccarthy)هو الأب الروحي للذكاء الاصطناعي ويرجع له الفضل في اختيار لفظ (الذكاء الاصطناعي) واطلاقه على هذا العلم على أنه وسيلة لصنع جهاز كمبيوتر أو روبوت يتم التحكم فيه عن طريق الكمبيوتر، أو برنامج يفكر بذكاء بالطريقة نفسها التي يفكر بها (البشر الأذكياء)، ويتم تحقيق الذكاء الاصطناعي من خلال دراسة كيف يفكر الدماغ البشري، وكيف يتعلم البشر ويقررون ويعملون أثناء محاولة حل مشكلة ما، ثم استخدام نتائج هذه الدراسة كأساس لتطوير برنامج أو أنظمة ذكية([1]).

فقد ذكر مصطلح الذكاء الاصطناعي لأول مرة عام 1956 من قبل(John mccarthy) الذي نظم ورشة عمل في (Dartmouth college) حيث جمعت الباحثين المهتمين بالشبكات العصبية الاصطناعية [2]) (Neural Network)). وعلى الرغم من ان هذه الورشة لم تؤد إلى ابتكارات جديدة، إلا أنها جمعت بين مؤسسي علم (الذكاء الاصطناعي) وأسهمت في إرساء الأساس لمستقبل بحوث متعلقة به([3]).

ولغرض تعريف الذكاء الاصطناعي لا بد من تفكيك هذا المصطلح والذي يتألف من كلمتين هما: (الذكاء) وكلمة (الاصطناعي)، ولكل منهما معنى في اللغة، وكذلك تعريف الذكاء الاصطناعي اصطلاحاً.

أولاً: تعريف الذكاء الاصطناعي لغةً:

لتعريف الذكاء الاصطناعي لغةً لا بد من تعريف مفردتيه.

أ: تعريف الذكاء لغةً:

الذَّكاءُ: حِدَّة الفؤاد. والذَّكاءُ: سُرْعة الفِطْنَة. قال الليث: الذَّكاءُ من قولك قلبٌ ذَكِيٌّ إذا كان سريع الفِطْنَةِ وقد ذكِيَ بالكسر يَذْكى ذَكا. ويقال: ذَكا يَذْكو ذكاءً، وذكُوَ فهو ذكيٌّ. ويقال: ذكُوَ قَلْبُه يَذْكو إذا حَيَّ بَعْدَ بلادَةٍ، فهو ذكيٌّ على فعيل([4]). والذكاء حسب قاموس (Webster) هو: القدرة على فهم الظروف أو الحالات الجديدة والمتغيرة؛ أي هو القدرة على إدراك وفهم وتعلم الحالات أو الظروف الجديدة([5]).

ب: تعريف الاصطناعي لغةً:

صنع: صَنَعَه يصْنَعهُ صُنْعاً، فهو مَصْنوعٌ وصُنْعٌ: عَملَه، قال تعالى: (وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ۚ صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ ۚ إِنَّهُۥ خَبِيرٌۢ بِمَا تَفْعَلُونَ) (النمل: ٨٨). والصِّناعةُ حِرْفةُ الصانع وعَمَلهُ الصَّنَعةُ، والصِّناعة: ما تَستَصنْعُ من أمر، والاصطناع: افتعالٌ من الصنيعة، واصطنع فلان خاتماً إذا سأل رجلاً أن يصنع له خاتماً، واسْتَصْنَعَ الشيء: دعا إلى صُنْعِهِ([6]). والاصطناعي هو: "ما كان مصنوعاً غير طبيعي([7]).

ثانياً: تعريف الذكاء الاصطناعي اصطلاحاً:

       تعددت التعريفات التي سيقت لتعريف الذكاء الاصطناعي اصطلاحاً نذكر منها:

يُعرَّف الذكاء الاصطناعي: بأنه علم يهتم بصناعة آلات تقوم بتصرفات يعتبرها الإنسان تصرفات ذكية([8]). وعُرِّف أيضاً بأنه: "جزء من علم الحاسبات التي يهتم بأنظمة الحاسوب الذكية تلك الأنظمة التي تمتلك الخصائص المرتبطة بالذكاء واتخاذ القرار والمشابهة لدرجة ما للسلوك البشري فيما يخص اللغات والتعلم والتفكير وحل المشاكل"([9]).

       وفي تعريف آخر: "هو العلم القادر على بناء الآلات التي تؤدي مهامًّا تتطلب قدراً من الذكاء البشري عندما يقوم بها الإنسان"([10]).

       كما عُرِّف الذكاء الاصطناعي: "بأنه ذلك الفرع من علوم الحاسب computer science)) الذي يمكن بواسطته خلق وتصميم برامج للحاسبات تحاكي أسلوب الذكاء الإنساني لكي يتمكن الحاسب من أداء بعض المهام والتي تتطلب التفكير والتفهم والسمع والتكلم والحركة وذلك بدلاً من الإنسان"([11]).

       عُرِّف الذكاء الاصطناعي بأنه: "العلم المعني بجعل الحاسبات الآلية تقوم بمهام مشابهة – وبشكل تقريبي- لعمليات الذكاء البشرية ومنها التعلم، والاستنباط، واتخاذ القرارات"([12]).

       كما عُرِّف الذكاء الاصطناعي بأنه: "القدرة على التصرف كما لو كان الإنسان هو الذي يتصرف من خلال محاولة خداع المستجوب وإظهار كما لو إن إنساناً هو الذي يقوم بالإجابة على الاسئلة المطروحة من قبل المستجوب"([13]).

الملاحظ أن غالبية التعريفات سالفة الذكر تركز على الجانب الفني لعلم الذكاء الاصطناعي، وعلى هذا الأساس فإن الذكاء الاصطناعي بصفة عامة هو الذكاء الذي يصنعه الإنسان في الآلة أو الحاسوب([14]).

وبناءً على ما تقدم لا بد من الإشارة إلى أهم الفروقات بين الذكاء الاصطناعي والذكاء الإنساني والتي نوجزها بما يأتي([15]):

1-  القدرة على استحداث النموذج؛ فالإنسان قادر على اختراع وابتكار هذا النموذج في حين أن النموذج الحاسوبي هو تمثيل لنموذج سبق استحداثه في ذهن الإنسان.

2-  أنواع الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من النموذج؛ فالإنسان قادر على استعمال أنواع مختلفة من العمليات الذهنية مثل الابتكار (Innovation) والاختراع (Creation) والاستنتاج بأنواعه   (Conclusion)  في حين أن العمليات الحاسوبية تقتصر على استنتاجات محدودة طبقاً لبديهيات وقوانين متعارف عليها يتم برمجتها في البرامج نفسها.

الجدير بالإشارة أن الذكاء الاصطناعي يتخذ شكلين([16]):

الشكل الأول: هو المعروف بالذكاء الاصطناعي الضيق أو المُطبق، وهو يسمح للأداة بفهم الأوامر والامتثال للمؤشرات التي تتلقاها وتطبيقها.

الشكل الثاني: المعروف بالذكاء الاصطناعي الكامل أو القوي الذي يشهد تطور وتقدم قدراته المعرفية من خلال تجربته الخاصة بفضل تقنية التعلّم الآلي.

       الهدف الأساس لأبحاث الذكاء الصناعي القوي هو تطوير القدرة على فهم أو تعلّم أيّة مهمة فكرية يمكن للإنسان القيام بها، بينما الذكاء الاصطناعي المطبق هدفه استخدام البرنامج لدراسة أو انجاز مهام محددة لحل المشكلات وهو يتخصص في مجال واحد، مثلاً هناك انظمة ذكاء اصطناعي يمكنها التغلب على بطل العالم في لعبة الشطرنج، وهو الشيء الوحيد الذي تفعله، الذكاء الاصطناعي المطبق على عكس الذكاء الاصطناعي القوي لا يحاول اداء المجموعة الكاملة من القدرات المعرفية البشرية([17]).

       إن المفهوم الحديث لتكنلوجيا الذكاء الاصطناعي قد أدى إلى ظهور علاقات ومراكز جديدة في مختلف المجالات وما خلفته من ايجابيات وسلبيات على كافة المجتمعات الانسانية التي أثبتت عدم قدرة القواعد القانونية السارية على استيعابها وتنظيمها([18]).

       وبغية تنظيم تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وفي سبيل ضمان الاستخدام والتطبيق النزيه والعادل والآمن لمبتكرات الذكاء الاصطناعي والحيلولة دون اساءة استخدامه فقد أصدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية([19]) (OECO) مدونة أخلاقيات استخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وتعد هذه المدونة أول ميثاق شرف أو دستور اخلاقي أو مدونة اخلاقيات استخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في بلدان العالم تهدف لضمان الاستخدام والتطبيق النزيه والعادل والآمن لمبتكرات الذكاء الاصطناعي والحيلولة دون تحوله إلى (مهلكة للبشرية) أو الانحراف به إلى ما لا يمكن السيطرة عليه وبخاصةً في التطبيقات ذات الطابع العسكري والفضاء الخارجي([20]).

صفوة القول أن الاستعمالات المتعددة لاستخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وقصور القواعد القانونية النافذة عن الاحاطة واستيعاب سلبيات استخدام الذكاء الاصطناعي وافتقار المعالجات القانونية للإشكاليات المترتبة على استخدام الذكاء الصناعي تجعل من الأهمية بمكان إيجاد التنظيم القانوني المدروس لمخاطر الذكاء الاصطناعي والحيلولة دون تحوله إلى مهلكة للبشرية ووضع الأسس القانونية للمسؤولية عن مخاطر الذكاء الاصطناعي.

 



[1]- الصفحة الشخصية للعالم (John mccarthy) على موقع جامعة (Stanford) على الرابط التالي:

http:www.formal.stanford.edu

[2]- خالد ناصر السيد، الحاسب الآلي والمجتمع الالكتروني، ط4، مكتبة ابن رشد، الرياض، 2014، ص27.

[3]- عز الدين غازي، الذكاء الاصطناعي هل هو تكنلوجيا رمزية، بحث منشور في مجلة فكر العلوم الإنسانية والاجتماعية، العدد (6)، 2007، ص61.

[4]-  الإمام العلامة أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي  المصري، لسان العرب، دار صادر للطباعة والنشر، بيروت، ط4، 2005م، ج6، ص38، مادة ذكا.

[5]- عمر عباس خضير العبيدي، التطبيقات المعاصرة للجرائم الناتجة عن الذكاء الاصطناعي دراسة قانونية في منظور القانون الدولي، المركز العربي للدراسات والبحوث العلمية للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 2022م، ص26.

[6]- ابن منظور، المصدر نفسه، ج8، ص291، مادة صنع.

[7]- د. أحمد مختار عمر، معجم اللغة العربية المعاصرة، عالم الكتب، القاهرة، ط1، ج14، ص287.

[8]- د. عادل عبد النور، مدخل إلى علم الذكاء الاصطناعي، مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، 1426ه- 2005م، ص7.

[9]- د. بشير علي عرنوس، الذكاء الاصطناعي، دار السحاب للنشر والتوزيع، القاهرة، 2008م، ص9.

[10]- د. ثائر محمد محمود- د. صادق فليح عطيات، مقدمة في الذكاء الاصطناعي، مكتبة المجتمع العربي، عمان، ط1، 1426ه، ص9.

[11]- د. محمد علي الشرقاوي، الذكاء الاصطناعي والشبكات العصبية سلسة علوم وتكنولوجيا حاسبات المستقبل مركز الذكاء الاصطناعي للحاسبات، مطابع المكتب المصري الحديث، القاهرة، 1996م، ص23.

[12]- د. أحمد محمد غنيم، الذكاء الاصطناعي، ثورة جديدة في الإدارة المعاصرة، المكتبة العصرية للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 2017م، ص19.

[13]- د. صلاح الفضلي، آلية عمل العقل عند الإنسان، عصر الكتب للطباعة والنشر، القاهرة، 2019م، ص147.  

[14]- د. عبدالله سعيد عبدالله الوالي، المسؤولية المدنية عن أضرار تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القانون الإماراتي، دار النهضة العربية، مصر- دار النهضة العربية، الإمارات، ط1، 2021م، ص29.

[15]- د. عبداللاه إبراهيم الفقي، الذكاء الاصطناعي والنظم الخبيرة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 1433ه- 2012م، ص33.

[16]- كريستيان يوسف، المسؤولية المدنية عن فعل الذكاء الاصطناعي، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، ط1، 2022م، ص27.

[17]- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[18]- عمر عباس خضير العبيدي، مصدر سابق، ص18.

[19]- منظمة دولية تأسست في عام 1947 تهدف إلى تحقيق التنمية الاقتصادية وإلى انعاش التبادلات التجارية على المستوى الدولي تتكون المنظمة من مجموعة من البلدان المتقدمة التي تقبل مبادئ الديمقراطية التمثيلية واقتصاد السوق الحر عدد الأعضاء (36) في عام 2018 مقرها الرئيسي، باريس فرنسا، ينظر: د. مدحت أبو النصر، الذكاء الاصطناعي في المنظمات الذكية، الناشر المجموعة العربية للتدريب والنشر، القاهرة، ط1، 2020م، ص156.

[20]- د. أبو بكر محمد الديب، التطبيقات العسكرية للذكاء الاصطناعي في ضوء القانون الدولي العام منظومة الأسلحة ذاتية التشغيل نموذجاً، دار النهضة العربية، القاهرة، ط1، 2021م، ص19.