التفاصيل
مسؤولية المصرف تجاه المستهلك الالكتروني ‏(صور جديدة من المسؤولية)‏

مسؤولية المصرف تجاه المستهلك الالكتروني ‏(صور جديدة من المسؤولية)‏

القاضي منجد فيصل غازي

2022-08-14 13:22:00

اوجد التطور الالكتروني الكبير الذي شهده العالم منذ اكثر من عقدين انماط جديدة من العلاقات التجارية والتعاملات المصرفية وبالتأكيد فأن تلك التعاملات المستجدة تتطلب استجابة قانونية غير تلك التقليدية بغية استيعابها وتتظيمها بشكل قانوني صحيح ولا ريب ان ما يربط البنك بزبائنه او عملائه كحالة عامة هي المسؤولية العقدية على اعتبار أن جل المعاملات التي تتم بين البنك والعميل تكون في إطار عقود،

فالعقد هو الوعاء الذي يحكم المعاملات التي تجري بين المصرف وعميله ولكي تتحقق هذه المسؤولية لابد كما هو معروف من وجود ثلاثة اركان تتمثل في الخطأ والضرر والعلاقة السببية،  لكن بحكم التطور التقني طرأت انماط اخرى مستحدثة من المسؤولية واقصد (المسؤولية الموضوعية) والتي اجترحها الفقه الفرنسي وتتمحور حول الضرر ولا تشترط اثبات الخطأ بل انها تفترض وجود الخطأ الذي يعفى المدعي من اثباته (فبمجرد تحقق الضرر يكون الخطأ متحقق وغير قابل لأثبات العكس)

وهنا لن نتوسع في الحديث عن المسؤولية بأعتبار ان هذا الموضوع اقصد المسؤولية العقدية او التقصيرية بشكل عام موضوع اشبع بحثاً لكن سنتناول(الموضوعية) منها بشكل سريع

لقد أصبحت مسؤولية البنوك تمثل اليوم ضمانة ممنوحة للعموم، مقابل الثقة والخبرة المهنية التي يتمتع بها البنك وايضا كون البنك هو الجهة الاقوى قبال الزبون وقبل ان نتحدث عن ملامح مسؤولية البنك تجاه المستهلك او الزبون لابد ان نتوضح بشكل ادق بالمقصود بالمستهلك الالكتروني وهو ما يمكن ان يعرف بأنه (هو كل من يحصل بواسطة التعاقد الالكتروني على سلعة او خدمة بمقابل او بدونه اشباعاً لحاجته الشخصية او حاجات الاخرين)

وفائدة التفريق بين المستهلك العادي والالكتروني هو بيان القانون الواجب التطبيق فالمستهلك العادي تحكمه قوانين حماية المستهلك او القواعد العامة في القانون المدني او غيره في حين ان المستهلك الالكتروني تحكمه القواعد القانونية الخاصة بحماية المتعامل بالوسائل الالكترونية والقواعد القانونية المنظمة للتجارة الالكترونية الدولية وكذلك القواعد العامة لحماية المستهلك وذلك بسبب الطبيعة الخاصة للمستهلك الالكتروني بأعتباره احياناً مستهلك عابر للحدود حيث ان المستهلك الالكتروني يتعامل عبر الانترنيت بعقود ليس له خيارات كبيرة في تنظيمها وكذلك يشتري سلعة لم يرها بشكل مباشر وحيث ان هذا المستهلك او الزبون يتعاقد عبر هذا النوع من العقود (نقصد الالكتروني) لتكون موجبات حمايته قانوناً اكثر على المصرف بحكم الطبيعة الخاصة، كذلك لابد من العروج على العقد الذي يحكم هذا النوع من المعاملات واقصد العقد الالكتروني ويمكن تعريف العقد الالكتروني بأنه (العقد الذي يتلاقي فيه الإيجاب بالقبول عبر شبكة اتصالات دولية باستخدام التبادل الإلكتروني للبيانات، وبقصد إنشاء التزامات تعاقدية) فالعقد الإلكتروني إذن؛ هو التقاء إيجاب صادر من الموجب بشأن عرض مطروح بطريقة إلكترونية، سمعية أو مرئية أو كليهما على شبكة للاتصالات والمعلومات، بقبول مطابق له صادر من الطرف القابل بذات الطرق بهدف تحقيق عملية أو صفقة معينة يرغب الطرفان في إنجازها..

وطبعاً ذلك العقد لابد من اقترانه بالتوقيع الالكتروني للتوثيق وعبر هذا التوقيع تبرز احد مهام البنك من خلال اعتباره وسيلة مهمة لحماية المستهلك عبر اعتماد البنك على نوعين من المفاتيح احدهما عام والاخر خاص تابعين لموقع واحد معين منعاً للتزوير..

ولكي نتعرف على مسؤولية المصرف تجاه هذا النوع من المستهلكين علينا ان نتعرف على بعض انواع الخدمات الالكترونية التي يقدمها المصرف واهمها

-الخدمات المعلوماتية وهي قيام المصرف بعرض الخدمات والمنتجات المصرفية وتسويقها ضمن الموقع الالكتروني كبرامج المصرف ومنتجاته وخدماته

-الخدمات الاتصالية يسمح هذا النوع من الخدمات بالتبادل الاتصالي بين المصرف وزبائنه كالبريد الالكتروني وكذلك تعديل معلومات الحساب

-الخدمات التنفيذية وتتجلى بقدرة الزبون على التعامل مع المصرف عن بعُد من خلال الانترنيت حيث تسمح تلك الخدمات للزبائن بالوصول الى حساباتهم الكترونياً وادارتها واجراء الحوالات بين حسابات المصرف او خارجه والاستفسار عن رصيد الحسابات وسعر الفائدة واسعار صرف العملات

وتقع على المصرف مهام او مسؤوليات عديدة تجاه الزبون الالكتروني منها ما يشترك فيها مع الزبون العادي ومنها ما ينفرد معه باعتبار خصوصية التعاقد

١. مسؤولية التبصر بالحالة المالية للزبون وذلك عبر جمع معلومات اولية كافية عن حالة المستهلك المالية ومدى مشروعية امواله

٢.مسؤولية المراقبة لما يجريه المستهلك من عمليات عبر المصرف للتأكيد من اتساقها مع المشروعية

٣. مسؤولية عدم التدخل في الخصوصيات المالية للمستهلك (التي يحميها القانون) ويوجب احياناً سريتها

٤. مسؤولية التوعية للزبون عبر افهام الزبائن بأسعار الخدمات المالية الالكترونية (ذلك كون الخدمة جديدة على المستهلك حالياً) وكيفية الحصول عليها والرسم المطلوب منه دفعها لقاء الاستفادة منها

والوقت الذي يستغرقه اجراء الحوالة واخطار الزبون الذي يستعمل بطاقة الائتمان عند اجراء حوالات خارجية وغيره من موجبات توعية الزبون

٥.مسؤولية الامان والثقة لما يجريه الزبون من تعاملات مالية عبر شبكة الكترونية فيها الكثير من المخاطر مثل اختراق تلك المعاملات او سرقتها او كشف اسرار الزبون وذلك عبر قيام المصرف بأستخدام تقنيات وتطبيقات الكترونية حديثة وعالية الامان وهنا تتحقق مسؤولية (المصرف الموضوعية) بمجرد وقوع الاختراق والضرر ولا يعفي المصرف دفعه بعدم صدور خطأ من تابعيه تطبيقاَ لموجبات المسؤولية الموضوعية

٦. المسؤولية عن التطبيقات التي يجدها الزبون في(ويب سايت) المصرف والتي تقدم خدمات للزبون ويكون المستهلك معتمداً على ثقته واطمئنانه بالمصرف عند قيامه بأستخدامها

٧.مسؤولية المساواة بين المستهلكين بكافة الخدمات وهذا المسؤولية يشترك فيها اي زبون للمصرف عادي كان ام الكتروني وهي فرع لمسؤولية اصل وهي المساواة في فتح الحساب وحق الزبون الالكتروني في عدم رفض المصرف لفتح حساب له ما دام الزبون مطبقاً للشروط التي يتطلبها البنك على انه من الواجب التأشير لتفريق مهم في مسؤولية المصرف تجاه زبونه حسب الاساس القانوني لما اخل به فعلى سبيل المثال في حالة اذا اخل بحالة (الاستعلام) كما في حالة الغش في نتائج الاستعلام

يختلف هنا نوعية المسؤولية فأذا كان اساس الاستعلام قانوني كانت المسؤولية تقصيرية كما في حالة موافقة المستعلم عنه اجراء الاستعلام للمستعلمِ اما اذا كان اساس الاستعلام عقدي كانت المسؤولية عقدية وذلك عندما يرتبط المستعلم اساساً بعقد مع المصرف هذا كمثال يفيد معياراً لتطبيق المسؤوليتين في موارد اخرى قد تحدث..

كما ان مسؤولية المصرف الناجمة عن وقوع ضرر للمستهلك بسبب وقوع عطل في الاجهزة الالكترونية العائدة له فهي هنا مسؤولية موضوعية ومتحققة بمجرد وقوع الضرر ولا حاجة لنا للبحث عما اذا كان هناك خطا صادر من المصرف او احد تابعيه من عدمه وهذا ما اتجه اليه الفقه الحديث الذي اخذ بنظرية (تحمل المخاطر) التي تبناها الفقه والقضاء الفرنسيين كما اشرنا وهي وجه من اوجه المسؤولية الموضوعية والتي تتحقق بمجرد حصول الضرر للعميل بغض النظر عن الخطأ لأن الخطأ هنا مفترض ولايقبل اثبات العكس الا في بعض الحالات التي يعفى فيها المصرف من التعويض كما لو اشترط المصرف صراحة في العقد عدم مسؤوليته عند حدوث انقطاع عام للكهرباء وتوقف الاجهزة الالكترونية مؤقتاً عندها يكون هذا الشرط حاكماً في عدم تحقق مسؤولية المصرف وهناك حالات عدة بهذا الخصوص قد نأتي عليها لاحقاً...