التفاصيل
‏الدليل الجنائي وصوره (الجزء الاول)

‏الدليل الجنائي وصوره (الجزء الاول)

القاضي عبد الستار ناهي عبد عون

2022-08-31 08:20:00

المقصود بالدليل أنه الوسيلة المبحوث عنها في التحقيقات لغرض إثبات صحة واقعة تهم الجريمة أو ظرف من ظروفها المادية والشخصية.

ومن التحليل المنطقي لمفهوم الدليل الجنائي نرى انه يؤسس الدليل على الواقعة, اذ ان الواقعة على وفق هذا المفهوم تمثل العنصر الموضوعي بالقناعة القضائية وان الاسلوب العقلي هو السبيل لإدراك معنى الواقعة.

وفي ضوء ما تقدم يمكن القول بان الدليل الجنائي هو معلومة يقبلها المنطق والعقل ويتم الحصول عليها باجراءات قانونية ووسائل فنية او مادية او قولية, وبالامكان استخدامها في اي مرحلة من مراحل التحقيق او المحاكمة لإثبات حقيقة فعل او شيء او شخص له علاقة بجريمة جانٍ او مجنى عليه.

وللدليل الجنائي صوراً, فهو اما ان يكون دليلاً مادياً او قولياً او فنياً.

الصورة الاولى ( الادلة المادية), والادلة المادية هي اشياء ومواد ذات وجود مادي ملموس لها اثرها في قناعة القاضي مباشرة -كضبط الشيء المسروق بحيازة المتهم-, ويبدو لها علاقة بالتحقيق وهي التي تساعد المحقق في اثبات شخصية الفاعل, او الظرف الذي ارتكبت فيه الجريمة ما يوجب العناية في مراعاة الاجراءات القانونية والطرق العلمية في المحافظة على القيمة الثبوتية باكملها التي تتضمنها الادلة المادية. وامام المحقق قواعد بسيطة يمكنه اتباعها او الاسترشاد بها للمحافظة على هذه الادلة من وقت العثور عليها ولحين عرضها على المحكمة لان عدم اتباع هذه القواعد قد يؤدي الى فقدان هذه الادلة لقيمتها مما له اثره في ضياع القضية كاملةً, ويعد استبيان الادلة المادية وحفظها وتحديد ماهيتها العمل الاساس في التحقيق الجنائي فضلاً عن ان تحديد ماهية الادلة التي يحتمل ان تكون مفقودة.

وعادة تبدأ عملية استبيان الادلة بمراقبة مسرح الجريمة, واستناداً الى الملاحظات الاولية له بما يتفق وطبيعة الحادثة وهو ما يشمل البحث بالعين المجردة او الاستعانة بالعدسات المكبرة بل يقتضي الامر اتباع اجراءات اساسية تكشف الادلة كاستعمال المواد الكيمياوية لرؤيا اثار الدم, وحالما تستبان الادلة تستعمل الوسائل اللازمة لاستخراجها كالاشرطة اللاصقة والملاقيط ويمكن جمعها وحفظها في صناديق او اكياس وبحسب طبيعة الدليل. وتحقق الادلة المادية اغراض عديدة فلربما تكون جزءاً من موضوع الجريمة او تربط المتهم بمكان الجريمة, وقد تثبت هوية الفاعل, ولا تعد هذه الادلة حاسمة بالرغم من تمتعها بثقة في الاثبات لانها بحاجة الى دليل تقديري لاثباتها وتأكيدها, وعند توافر الدليل التقديري مع الدليل المادي يكون عندئذ دليلا كافياً لاثبات الواقعة, ولكن مع ذلك يجب على المحقق ان يعزز قابليته على تمييز الادلة المادية وجمعها من خلال الاجراءات الصحيحة لكيفية العناية وصيانتها ويتم ذلك من خلال:1- تشخيص المادة بصورة صحيحة. 2- اثبات سلسلة المحافظة عليها وصيانتها. 3- اثبات اهمية الدليل وعلاقته بالقضية. وان اتباع ذلك يقلل, عادةً, من احتمال حدوث تغيير على مواد الادلة لان الاهمال في المحافظة عليها قد يؤدي الى افساد قيمتها الثبوتية بوصفها دليلاً.   

ومن المفيد ونحن بصدد الدليل المادي ان نبيّن الفرق بينه وبين الاثر المادي المتحصل من مسرح الجريمة, فالاثر المادي هو تلك الاشياء او المواد التي تخلفت عن الجاني سواء منه شخصياً ام من الادوات التي استعملها في اثناء دخوله او خروجه من والى مسرح الجريمة في حين يعد الدليل المادي هو استمرار للاثر المادي في حالة ما اذا نسب الى فاعل معين, فالاثر المادي ما تخلف عن ارتكاب الجريمة من الجاني والمجنى عليه وتدركه الحواس وكذلك الالات المستخدمة في الواقعة, في حين ان الدليل المادي هو حالة قانونية تنشأ من ضبط الاثر المادي ومضاهاته مع وجود صلة او رابطة بينه وبين المتهم بارتكاب الجريمة, وقد تكون هذه الصلة ايجابية فتثبت الواقعة او تكون سلبية عندما تنفي علاقة المتهم بالجريمة, فقطرات الدم المتحصلة من مسرح الجريمة قبل فحصها تعد اثراً مادياً ولكن بعد الفحص والتحليل تكون ذات مدلول ايجابي او سلبي على خروجها من جسم معين, وكذلك البصمة تعد اثراً مادياً عند اكتشافها, وعند مضاهاتها على بصمات المشتبه به فما ان تطابقت او وجدت علاقة بينهما وبين ارتكاب الجريمة تصبح دليلاً مادياً على ارتكابه للجريمة.اما الصورة الثانية فهي (الادلة القولية او كما يطلق عليها الادلة التقديرية), والدليل القولي اما ان يكون شهادة, او ان يكون اعترافاً, والشهادة وسيلة اثبات شفوي يتقدم بها الشهود الى المحكمة وتنصب على الوقائع المكونة للجريمة, وتعد الشهادة دليلاً تقديرياً, لان المحكمة تنزلها المنزلة التي تراها وتخضعها لتقديرها الذي تطمئن اليه. والشهادة من طرق الاثبات الجنائي العادية كونها تنصب في الغالب على حوادث عابرة تقع انياً من دون سابق تراضٍ او اتفاق اذ ان الجرائم ترتكب مخالفة للقانون ولا يتصور اثباتها سلفاً واقامة الدليل عليها وان الذي يفعله مرتكبها الهروب وازالة كل ما يمكن ان تتركه من اثار وادلة, وتلعب الصدفة دوراً كبيراً في اختيار الشاهد, ويعد الاستدلال بشهادة الشهود من الامور التي لا يستغنى عنها في الاثبات لان الشهادة من ادلة الاثبات المهمة امام المحكمة من حيث الواقع, اذ ان اغلب القضايا الجنائية يركن في اثباتها على شهادة شهود لذلك غالباً ما تقوم بدور الدليل في الدعوى الجنائية بمفردها من دون ان يدعمها دليل اخر كما ان الشهادة الصادقة هي خير معين للمحكمة على تكوين عقيدتها لاصدار حكمها, كونها التعبير الصادق الذي يصدر في مجلس القضاء من شخص يُقبل قوله بعد اداء اليمين في شأن واقعة عاينها بحاسة من حواسه.

ومن الادلة القولية الاعتراف, وهو اقرار المتهم على نفسه بالوقائع المنسوبة اليه كلاً او جزءً, بمعنى اخر هو شهادة الشخص على نفسه بما يضرها وحيث ان اقرار المتهم اقرب الى الصدق من شهادته على غيره لذا عُدّ الاعتراف اقوى من الشهادة, بالرغم من ذلك فانه خاضع في المواد الجنائية كغيره من الادلة لتقدير القاضي على ان الاعتراف المنتزع بالإكراه المادي او الادبي من المتهم لا قيمة قانونية له.

والاعتراف بوصفه من الادلة التقديرية مما يجب عدم المغالاة في حجيته, فلربما تكون الدوافع من ورائه ليس القصد منها الرغبة في قول الحقيقة, ويخضع الاعتراف لسلطة المحكمة التقديرية كدليل اثبات شأنه شأن ادلة الاثبات الاخرى وهي غير ملزمة بالحكم بادانة المعترف بل عليها إعمال سلطتها في تقدير هذا الاعتراف بقصد التحقق من صحته من الناحية الواقعية اذ لا تأخذ به إلّا اذا كان مطابقاً للحقيقة وتوافرت شروط صحته. وللمحكمة تجزئة الاقرار والاخذ بما تراه منه صحيحاً وإطراح ما عداه غير انه لا يجوز تأويله او تجزئته اذا كان هو الدليل الوحيد في الدعوى.