التفاصيل
قراءة في مدونة السلوك القضائي

قراءة في مدونة السلوك القضائي

القاضي ناصر عمران

2022-08-31 08:23:00

لأهمية وجود سلطة قضائية مختصة ومستقلة ومحايدة لحماية حقوق الانسان وتحقيق العدالة والمساواة ولأن وجود القضاء المستقل يضمن الالتزام بالدستور وسيادة القانون، وحيث ان الثقة بالقضاء وسلطته يعد أمرا جوهريا في النظام الديمقراطي واسترشاداً بما جاءت به مبادئ (بانجلور) للسلوك القضائي وما اوجبته اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد في المادة (11) من ضرورة دعم ونزاهة الجهاز القضائي ووضع قواعد سلوك لأعضائه، ولأن نزاهة واستقلال القضاء والعاملين فيه تفرض التقيد بأخلاقيات وسلوكيات يستوجبها هذا الاستقلال وتستلزمها قدسية الوظيفة القضائية.. لذا تبنى مجلس القضاء الاعلى بالتعاون مع جمعية القضاء العراقي اعداد مدونة سلوك يكون الالتزام بها وسيلة لتوثيق القيم والسلوكيات التي تحكم اداء القضاة واعضاء الادعاء العام. وقد اقرت المدونة في الجلسة السادسة لمجلس القضاء الاعلى العراقي لعام 2022 وبانتظار نشرها في الجريدة الرسمية لتدخل حيز التنفيذ حسبما نصت عليه الفقرة (6) من الاحكام العامة في الباب الرابع من المدونة.

وبقراءة لما تضمنته المدونة، يمكننا القول ان مدونة السلوك القضائي هي: استراتيجية عملية شكلت بمجمل وما ورد فيها منظومة عمل متكاملة للسلوك المهني للقاضي وعضو الادعاء العام داخل وخارج نطاق عملهما باعتبارهما الواجهة القانونية الاولى للدعاوى والشكاوى المقامة، اضافة للنص القانوني بمعالجة السلوكيات المجرمة، وتقويم سلوك الهرم القانونية في العمل القضائي ينعكس ايجابا على القاعدة التي تعمل معه ونقصد المنتسبين الاخرين للسلطة القضائية من غير القضاة واعضاء الادعاء العام إضافة الى الموظفين والمنتسبين الآخرين الذين يرتبطون مع القضاة وأعضاء الادعاء العام بالعمل وتكون للقضاة وأعضاء الادعاء العام سلطة الاشراف والرقابة والمعاقبة بحدود معينة، هذا اضافة الى الرؤية المهنية والحيادية المطلوبة في النظر بالقضايا المعروضة عليهم، فهم بتطبيقهم للقانون واصدار الاحكام يحققون فلسفة العقاب من خلال تجريم وادانة السلوك ويحققون الرؤية العادلة في الافراج عن المتهم التي تقول القاعدة القانونية انه: بريء حتى تثبت ادانته من قبل محكمة جزائية مختصة، إن ما جاء بالمدونة ركز بشكل كبير على النأي بالقضاء عن أدنى شبهة تحيط به بسبب خصوصية المهمة الموكلة إليه.

وقد جاء اعداد وتنظيم مدونة السلوك القضائي متأخراً عن بقية الدول العربية ويبدو ان السبب هو التبعية الوظيفية للقاضي وعضو الادعاء العام قبل استقلالية القضاء عن السلطة التنفيذية كونهم موظفين ويتبعون ادارياً لوزارة العدل ويخضعون لقانون انضباط موظفي الدولة رقم 14 لسنة 1991 المعدل، ويأتي إصدارها استكمالاً لمنظومة العمل القضائي وستكون بالتأكيد بعد صدورها سندا قانونيا يتم اعتماده في التحقيقات القضائية واللجان الخاصة بمساءلة القضاة وأعضاء الادعاء العام.

 تضمنت الهيكلية الشكلية لمدونة السلوك القضائي: اعتماد المدونة في تنظيمها على التقسيم التقليدي لتشريع القوانين الأبواب والفصول، وجاء ذلك لمنح المدونة مزيد من تنظيم التفاصيل ومنح كل جزئية فيها ذات الاهمية للأجزاء الاخرى بحيث تحاشت دمج المواضيع المماثلة في فصل واحد وخروج، كما احتوت على عدد من المبادئ الأساسية والواجبات الاخلاقية لسلوك القاضي وعضو الادعاء العام على اختلاف صنوفهم ومناصبهم وجهات عملهم سواء في العمل التنفيذي القضائي (القضاء العادي والدستوري) او الرقابي الإشرافي (محكمة التمييز وهيئة الاشراف القضائي وجهاز الادعاء العام) ولجميع مكونات السلطة القضائية، انتهجت المدونة صيغة التعهدات التي يحررها القضاة وأعضاء الادعاء العام وهي صيغة منحت المدونة سنداً قانونيا بمواجهة السلوك المرتكب المتخذ من قبل القاضي وعضو الادعاء العام الذي لا يأتلف والسلوك المهني القضائي واضافت لجهات الرقابة والاشراف تحديدا معيارياً للسلوك وبالمقابل وضعت القاضي وعضو الادعاء العام امام الدراية والمعرفة بطبيعة سلوكه التي قد يلتبس في احيانا كثيرة على الجميع التمييز بينها وبين حريته الشخصية او مساحة عمله المهنية.

جاءت المدونة في تقسيماتها: بأربعة أبواب : تضمن الباب الأول للمدونة: بعد المقدمة (الاهداف والسريان) واحتوى على مادتين، المادة الأولى: ونصت على اهداف المدونة المادة الأولى / الفقرة (5) ما يأتي : تهدف المدونة الى (المساهمة في جعل البيئة القضائية شفافية وبناءة بالنسبة الى كافة العاملين في السلطة القضائية والمجتمع) وجاءت (بخمس فقرات) والمادة الثانية: نصت على سريان هذه المدونة على القضاة واعضاء الادعاء العام العاملين في مختلف مكونات السلطة القضائية.

 وجاء الباب الثاني  بعشرة فصول جاءت كالاتي : الفصل الاول تناول (التقيد بمبادئ استقلال القضاء) وجاء في المادة الثالثة من المدونة و(باثنتي عشرة فقرة) حملت تعهدات القضاة واعضاء الادعاء العام ) اما الفصل الثاني والذي جاء بعنوان ( التقيد بمبادئ الحياد والتجرد) ونظمته: المادة الرابعة وتكونت من (تسع فقرات) نصت على اهم الالتزامات الخاصة بمبادئ الحياد والتجرد من خلال تعهد يقدم من قبل القضاة واعضاء الادعاء العام وسار الفصل الثالث : على ذات المنوال من خلال التعهد المقدم للالتزام (بمبادئ النزاهة والشفافية ) والتي نظمته المادة الخامسة : ( بفقراتها التسع ) تلتها المادة السابعة : لتنظم الفصل الخامس: والذي جاء تحت عنوان :( التقيد بمبادئ الكفاءة والاجتهاد ) وبإحدى عشرة فقرة ونظمت المادة الثامنة: بفقراتها العشر (الفصل السادس) والذي جاء تحت عنوان (الالتزام بالقانون ومعايير حقوق الانسان) وجاء الفصل السابع من المدونة تحت عنوان: (التقيد بمبادئ المساواة) وقد نظمته المادة التاسعة : بفقراتها الثلاث وجاء (التقيد بمبادئ الحفاظ على هيبة القضاء وكرامة القضاء) في الفصل الثامن: ونظمته المادة (العاشرة ) بفقراتها الاربع وبخصوص الفصل التاسع : نصت مواده القانونية على (التقيد بمبادئ الالتزام الوظيفي) وتناولته بالتنظيم (المادة الحادية عشر) بفقراتها الثمان، وجاء الفصل العاشر والاخير من الباب الثاني الذي نظمته المادة الثانية عشر بفقراتها التسع، اما الباب الثالث والذي نص على (حقوق القضاء واعضاء الادعاء العام) والذي تكون من فصل واحد نظمته المادة الثالثة عشر بفقراتها عشر وتحت عنوان (الحقوق المتعلقة باستقلال القضاء ) وجاءت بثلاث فصول الفصل الاول: تحت عنوان ( الحقوق المتعلقة باستقلال القضاة بفقراته الثلاث ) وفي الفصل الثاني تناول ( الحقوق المتعلقة بالإجراءات الانضباطية ) وكانت موضوعة : الحقوق المتعلقة (بحرية التعبير) من نصيب الفصل الثالث: من هذا الباب ونظمته المادة ( الخامسة عشر بفقراتها الثلاث ) اما الباب الرابع فقد تضمن (احكام عامة ) وبست فقرات اردفت بأنموذج للتعهد بالإلزام بأحكام المدونة جاء في مقدمته (اني القاضي.... أقر باني اطلعت على مدونة السلوك القضائي المقرة من مجلس القضاء الاعلى في العراق وادركت وفهمت ما فيها، وانني التزم تماما بجميع ما ورد فيها من احكام، واضع نفسي في موقع المساءلة في حالة مخالفتي لأحكامها...ولأجله وقعت.....)