التفاصيل

فساد العقد وأثره على المتعاقدين

‏155/ دراسات /2021‏

2022-09-07 08:42:00

وردنا كتاب رئاسة محكمة استئناف بغداد الكرخ الاتحادية / مكتب رئيس الاستئناف ‏بالعدد ( مكتب / متفرقة / 21 /136) في 8 /12 /2021.‏
أولاً : موضوع الدراسة:-‏
تضمن كتاب رئاسة محكمة استئناف بغداد الكرخ الاتحادية المرقم أعلاه بأن كلية دجلة ‏الجامعة وبموجب كتابها بالعدد ( ذ /15 /1494) في 3 /11 /2021 قدمت دراسة ‏بعنوان (فساد العقد وأثره على المتعاقدين) المقدمة من قبل الدكتور (.....) التدريسي في ‏الكلية المذكورة وبعد عرض الدراسة على الهيئة التمييزية المدنية في رئاستهم قدموا ‏مطالعتهم التي تضمنت بأن هذه الدراسة وبالعنوان أعلاه هي دراسة جيدة ويمكن ‏الاستفادة منها ذلك لأن الأخذ بفكرة العقد الفاسد يؤدي إلى تقليل حالات بطلان العقد ‏سيما إذا كانت المخالفات غير جوهرية ولا تتعلق بأركان العقد وإنما تتعلق ببعض ‏الأوصاف الخارجية كالإكراه والضرر، وقد اقترحت رئاسة محكمة استئناف بغداد الكرخ ‏الاتحادية بأن يتم عرض الكتاب بغية تقديم الدراسة إلى الجهة المختصة بتشريع القوانين ‏للأخذ بالتوصيات المشار إليها في الدراسة المرفقة طي كتابهم المرقم أعلاه ومرفق مع ‏الكتاب المطالعة المقدمة من قبل أعضاء الهيئة التمييزية وكتاب كلية دجلة الجامعة ‏المرقم أعلاه والدراسة المقدمة من قبل الدكتور (.....).‏
ثانياً : الإجراءات المتخذة:-‏
‏1.‏ تم الاطلاع على الدراسة المقدمة من قبل الدكتور (.....) بعنوان (فساد العقد وأثره ‏على المتعاقدين) وقد بين الباحث أهمية تلك الدراسة والتي تتمثل في بيان ماهية ‏العقد الفاسد من حيث تعريفه وحكمه واثر فسخه وموقف المشرع العراقي منه وان ‏هذه الدراسة تهدف إلى بيان ماهية العقد الفاسد وحكمه وبيان الأثر المترتب على ‏فسخه وكذلك بيان مــوقف المـشرع العـــــراقــي مــن العــقــد الفاسد ثم تناول الباحث ‏مشكلة الدراسة المتمثلة إن العقد الفاسد محل خلاف بين فقهاء المسلمين وكذلك مثار ‏خلاف بين التشريع العراقي والفقه القانوني وقد قدم الباحث بحثه باستخدام المنهج ‏الوصفي التحليلي من خلال تحليل آراء الفقهاء ومستنبطا منها الأحكام المتعلقة ‏بالموضوع محل الدراسة وتم تناول هذه الدراسة من قبل الباحث من خلال ثلاثة محاور ‏الأول تناول ماهية العقد الفاسد فيما تناول المحور الثاني آثار فسخ العقد الفاسد ‏بينما تناول المحور الثالث والأخير هلاك المعقود عليه والرهن والقضاء بالقيمة . ‏وتوصل الباحث في خاتمة البحث إلى بعض النتائج والتوصيات بشأن الدراسة المقدمة ‏من قبله وكانت النتائج كالآتي:-‏
‏1.‏ إن فكرة العقد الفاسد ليس لها وجود في القانون المدني العراقي وساوى المشرع ‏العراقي بين فساد العقد وبطلانه.‏
‏2.‏ العقد الفاسد فكره وليدة الفقه الحنفي حيث يختلف العقد الفاسد عن العقد الباطل ‏في الفقه الحنفي.‏
‏3.‏ العقد الفاسد يكون عرضة للفسخ دائما من قبل المعقود عليه.‏
أما التوصيات التي توصل إليها الباحث فهي:-‏
أ‌.‏ تعديل القانون المدني العراقي، وتنظيم العقد الفاسد وذلك من اجل تنظيم التعاقدات ‏بين الأفراد وفسح المجال لإنقاذ العقد الفاسد دون القضاء ببطلانه.‏
ب‌.‏  تنظيم أحكام العقد الفاسد استناداً لأحكام الشريعة الإسلامية الغراء باعتبارها ‏مصدراً من مصادر التشريع في القانون المدني العراقي.‏
‏2.مفهوم العقد في القانون المدني العراقي.‏
تتعدد مصادر الالتزام وتتنوع ويعد أول هذه المصادر وأهمها العقد ، ونظراً لأهمية هذا ‏المصدر فقد رتب المشرع له العديد من الأحكام الهامة وقد عرفت المادة (73) من ‏القانون المدني العراقي العقد بأنه (ارتباط الإيجاب الصادر من احد العاقدين بقبول ‏الآخر على وجه يثبت أثره في المعقود عليه) . ويفهم من هذا التعريف بأن العقد ‏إرادتان متحدتان مرتبطتان لا إرادة واحدة وهذا ما يميز بين العقد والإرادة المنفردة . إن ‏المشرع العراقي في تعريف العقد يأخذ بالنزعة الموضوعية التي تسود الفقه الإسلامي ‏دون النزعة الذاتية التي تسود الفقه اللاتيني ، ويقصد بالنزعة الموضوعية هو إن ‏ارتباط الإيجاب بالقبول يجب أن يثبت أثره في المعقود عليه أي أن يغير حالة المحل ‏من حالة إلى حالة.‏
وللعقد أركان ثلاثة وهي الرضا والمحل والسبب.‏
فالرضا يتطلب وجود الإرادة فإذا انعدمت الإرادة انعدم الرضا وبالتالي فلا يتوافر الرضا ‏إذا صدر عن صبي غير مميز أو مجنون إذ لا اعتبار لأرادتهم وتقع تصرفاتهم باطلة ‏بطلاناً مطلقاً وعيوب الرضا هي (الإكراه ، الغلط ، التغرير مع الغبن ، الاستغلال).‏
أما بالنسبة للمحل في العقد فهو المعقود عليه ويمكن أن يكون عيناً كالبيع أو عملاً ‏أو حقاً ، والمحل هو المبيع والثمن في البيع والانتفاع بالمأجور والأجرة في الإيجار ‏والموهوب في الهبة والمرهون في الرهن والدين المكفول به في عقد الكفالة وشروط ‏المحل هي :-‏
أ‌.‏  أن يكون المحل غير مخالفٍ للنظام العام.‏
ب‌.‏ أن يكون المحل قابلاً للتحقيق والوجود وغير مستحيل في ذاته.‏
ت‌.‏ أن يكون المحل معيناً.‏
ث‌.‏ أن يكون المحل موجوداً.‏
ج‌.‏ أن يكون الشيء داخلاً في التعامل.‏
أما الركن الثالث للعقد فهو السبب وان المشرع العراقي تناول السبب في مادة واحــدة ‏هــي المــادة (132) من القانون المدني وللسبب أهمية خاصة في نطاق العقود التي ‏تقوم على أساس الإرادة والتي لا يمكن أن تتحرك دون سبب.‏
‏ وأنواع العقود من حيث الصحة فهي على ثلاثة أنواع (الصحيح والباطل والفاسد).‏
العقد الصحيح : هو العقد المشروع ذاتاً ووصفاً صادراً من أهلية كاملة إلى محل لا ‏يخرج عن التعامل وله سبب مشروع.‏
العقد الباطل : وهو العقد الذي لا يصح أصلاً بسبب خلل في الأهلية أو عدم وجود. ‏المحل  أو السبب غير المشروع أو خلل في أوصاف المحل أو المحل مجهول. ‏
العقد الفاسد : هو ما فقد ركناً من أركانه ، أو شرطاً من شروطه ، أو وجد مانع من ‏صحته .‏
‏-العقد الفاسد في الفقه الإسلامي
لقد أولى فقهاء الشريعة الإسلامية العقود من جهة التقسيم والترتيب والتبويب عناية ‏خاصة وذلك للتسهيل في فهمها واستيعاب أحكامها ومن ابرز ذلك تقسيم العقود من ‏جهة الصحة وعدم الصحة وانقسموا في ذلك إلى قسمين ، القسم الأول وهم الجمهور ‏والجعفرية وعندهم العقود من حيث الصحة قسمان هما (الصحيح والباطل) ، والقسم ‏الثاني وهم الحنفية وعندهم العقود من حيث الصحة (الصحيح والباطل والفاسد) وقد ‏بين الطرفين الأحكام المتعلقة بتلك العقود من التعريف بها إلى الفرق بين العقد ‏الباطل والفاسد وأسباب الفساد والبطلان والتصرف في المبيع إذا كان باطلاً أو فاسداً ‏وغيرها من الأحكام.                  ‏
إن جمهور الفقهاء لا يفرقون بين الفساد والبطلان ، فعندهم هما مصطلحان ‏مترادفان، باستثناء الأحناف ، بينما فرقت باقي المذاهب الإسلامية في مواضيع قليلة ‏بين الفساد والبطلان ولم تفرق في عموم العبادات ، حيث فرق المالكية بين الفساد ‏والبطلان في عقود القرض والمساقاة ، وفرق الشافعية بينها في الحج والخلع والكتابة ‏والعارية وفرق الحنابلة بينهما في الحج والنكاح والوكالة والإجارة والشركة والمضاربة ‏وأمور أخرى. فالفساد عند الحنفية ما كان مشروعاً بأصله غير مشروع بوصفه ‏بخلاف البطلان فعندهم هو ما كان غير مشروع بأصله ولا بوصفه ففي الفساد يصلح ‏الأمر المفسد وتبقى الآثار ، وتسري العبادة أو العقد . بينما في البطلان لا يترتب ‏على الأمر الباطل شيء فيعد كأن لم يكن ومن أمثلة ذلك بيع شخص لأخر بيعاً ‏مقترناً بشرط ، فهذا عند الأحناف بيع فاسد لكن يبقى العقد صحيحا إنما بصفة ‏الفساد والحرمة ولا يبطل العقد في حين عندما يبطل البيع يبطل العقد الباطل كبيع ‏خمر أو لحم خنزير ، فلا ينفذ العقد . أما الفاسد فينفذ العقد في حال رفع سبب ‏الفساد كبيع دون تحديد اجل السداد وقد عرف الأحناف العقد الفاسد بأنه (ما كان ‏مشروعاً بأصله دون وصفه) فالأصل عندهم سالم والفساد في الأوصاف بسبب نهي ‏الشارع فيراعي في الحكم سلامة الأصل وفساد الوصف بينما عرف جمهور الفقهاء ‏العقد الفاسد بأنه (ما لم يستوف شرائطه التي يتوقف عليها حصول الغرض بالفعل) ‏وهناك تعريف أخر لهم وهو العقد الفاسد ما لا يتعلق به النفوذ ولا يحصل به ‏المقصود).‏
أما الجعفرية فشأنهم شأن الجمهور يرون أن دلالة الفساد والبطلان واحدة ، فالعقد ‏الباطل والفاسد سواء حيث إن البيع الفاسد لا يفيد ملكية المشتري للمعقود عليه ‏سواء فسد من أصله أو باقتران شرط فاسد أو بسبب آخر ، إذ إن المراد بفساد البيع ‏عدم ترتيب ما يقصد منه عرفاً من الآثار في مقابل الصحة التي هي إمضاء الشارع ‏لما يقصد عرفاً من إنشاء البيع وعندهم إن مقتضى البطلان والفساد واحدة.‏
من كل ذلك يتضح إن الجمهور والجعفرية قسموا العقود إلى قسمين صحيح وغير ‏صحيح (باطل) أما الحنفية قسموا العقود إلى ثلاثة أقسام (صحيح وفاسد وباطل) ‏فالصحيح والباطل قسم مشتـــــرك بين الحنفية والجمهور والجعفرية من حيث ثبوت ‏حكمهما والآثار المترتبة عليهما وان كان هناك اختلاط لفظي في تعريفهما ، أما العقد ‏الفاسد فخالف فيه الحنفية باقي المذاهب من حيث التعريف والآثار المترتبة عليه ‏ويرجع بعض العلماء الخلاف في ذلك إلى قضية أصولية وهي فهم اثر النهي الصادر ‏عن الشرع ، فهل النهي عن ركن من أركان العقد مع النهي عن وصف عارض للعقد   ‏لازم له أو غير لازم ؟ فالجمهور يرون أن نهي الشارع عن عقد ما يعني عدم اعتباره ‏أصلاً ، وآثم من يقدم عليه ، لا فرق بين النهي عن ركن من أركان العقد أو النهي ‏عن وصف عارض للعقد ، ملازم له أو غير ملازم .‏
أما الحنفية فيرون أن نهي الشارع قد يكون معناه آثم من يرتكبه فقط لا إبطاله، ‏ويفرق بين النهي الراجع إلى أصل العقد (أي الخلل في الصيغة أو العاقد أو في ‏المحل) فيقتضي بطلان العقد وعدم وجوده شرعاً ، وبين النهي العائد لامر اخر ‏كوصف من أوصاف العقد ملازم له فيقضي ببطلان هذا الوصف فقط ، ولا يتعدى ‏البطلان إلى أصل العقد.‏
والعقد الفاسد وحسب رأي الجمهور فإنه إذا وقع فاسداً فلا يمكن تصحيحه ولا يصح ‏بزوال ما وقع فاسداً ولا ينقلب إلى عقد صحيح ، أما الحنفية فذهبوا إلى أن العقد ‏الفاسد يمكن تصحيحه بحذف المفسد ، فعندهم إن العقد الباطل لا يترتب عليه شيء ‏من آثار العقد فيصبح كالمعدوم وقد فرقوا بين الفساد الضعيف والفساد القوي ، ‏فالفساد القوي لا يمكن تصحيحه بخلاف الفساد الضعيف وقد وضع الحنفية معياراً ‏للفساد القوي وهو إذا كان يدخل في صلب العقد – وهو البدل- المبدل- لا يحتمل ‏الجواز برفع المفسد ، كما إذا باع بألف درهم ورطل من الخمر فحط الخمر من ‏المشتري فهو فاسد ولا ينقلب صحيحاً وإذا كان الفساد ضعيفاً وهو ما لم يدخل في ‏صلب العقد بل في شرط جائز يتحمل الجواز برفع المفسد كما في البيع بشرط خيار ‏الوقت أو وقت إلى وقت مجهول كالحصاد أو لم يذكر الوقت وكما في البيع بثمن ‏مؤجل إلى رجل مجهول فإذا اسقط الأجل من لحقه الحق فيه قبل حلوله وقبل فسخه ‏جاز البيع لزوال المفسد.‏
وخلاصة القول إن فقهاء الجمهور والجعفرية ذهبوا إلى أن العقد الباطل هو ذاته ‏العقد الفاسد سواءً أكان ذلك في العبادات أم في المعاملات ، أما الحنفية فإنهم ‏اتبعوا رأي الجمهور والجعفرية في العبادات فقط وإنهم يفرقون بين العقد الباطل ‏والعقد الفاسد فهم يعرفون العقد الباطل بأنه (عقد غير مشروع لا بأصله ولا بوصفه) ‏أما العقد الفاسد (ما كان مشروعاً بأصله لا بوصفه).‏
‏7-موقف المشرع العراقي من العقد الفاسد
عرفت المادة (33) من القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951 المعدل العقد ‏الصحيح على انه (1-العقد الصحيح هو العقد المشروع ذاتاً ووصفاً بان يكون صادراً ‏من أهله ، مضافاً إلى محل قابــل لحكمـــه وله سبب مشروع وأوصافه سالمة من ‏الخلل) ، كما عرفت المادة (137/1) من ذات القانون العقد الباطل بأنه (هو ما لا ‏يصح أصلاً باعتبار ذاته أو وصفاً باعتبار بعض أوصافه الخارجية) وبينت الفقرات ‏‏(2 و3) من ذات المادة الحالات التي تؤدي إلى بطلان العقد وهي:-‏
‏1-‏ أن يكون العقد غير مشروع ذاتاً.‏
ويكون العقد باطلاً إذا لم يكن مشروعاً ذاتاً وهو يكون كذلك إذا انعدمت الأهلية أو ‏عدم قبول المحل لحكم العقد أو عدم مشروعية السبب.‏
‏2-‏ أن يكون العقد غير مشروعاً وصفاً.‏
وقد ذكرت الفقرة الثالثة الحالات التي يكون العقد فيها غير مشروع وصفاً فقررت أن ‏اختلال أوصاف العقد يسبب بطلان العقد كان يكون المحل غير معيناً ولا قابلاً ‏للتعيين أو عدم تحقق ركن الشكل في العقود الشكلية.‏
وقد بينت المادة (138) من القانون المدني حكم العقد الباطل اذ نصت تلك المادة ‏على ما يلي:-‏
‏1.العقد الباطل لا ينعقد ولا يفيد الحكم أصلاً.‏
‏2.فإذا بطل العقد يعاد المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد فإذا كان هذا ‏مستحيلاً جاز الحكم بتعويض معادل.‏
‏3.مع ذلك لا يلزم ناقص الأهلية إذا بطل العقد لنقص أهليته أن يرد غير ما عاد ‏عليه من منفعة بسبب تنفيذ العقد.  ‏
وهناك آثار تترتب على العقد الباطل ، وهذه الآثار إما أن تكون آثاراً أصلية أو آثاراً ‏عرضية فالآثار الأصلية وبما أن العقد الباطل عقد منعدم وجوده فهو ليس عقداً إذا تم ‏توخي الدقة في التعبير وبالتالي فان الآثار التي تترتب عليه لا يمكن أن تكون آثاراً ‏باعتباره عقداً بل باعتباره واقعة مادية أما الآثار العرضية للعقد الباطل باعتباره واقعة ‏مادية فإن أهم تلك الآثار هي انتقاص العقد وتحول العقد ، فقد نصت المادة (139) ‏من القانون المدني على أنه (إذا كان العقد في شق منه باطلاً فهذا الشق وحده هو ‏الذي يبطل ، أما الباقي من العقد فيظل صحيحاً باعتباره عقداً مستقلاً إلا إذا تبين أن ‏العقد ما كان ليتم بغير الشق الذي وقع باطلاً) تقرر هذه المــــــادة مـــوقف القانون ‏المدني العراقي من نظرية تعرف بنظرية (انتقاص العقد) وهــــــي نـــــظرية تقتضي بأن ‏العقد إذا كان في شق منه صحيحاً وباطلاً في الشق الآخر وكان من الممكن قيام ‏العقد بالشـــــق الصحيح اعتبر العقد صحيحاً بالنظر إلى ما جاء صحيحاً فيه وهذه ‏النظرية محل خلاف في الفقه الإسلامي فقد اخذ بها بعض الجعفرية والمالكية فيما ‏عارضها البعض الآخر وقرروا أن العقد وحدة لا يمكن الفصل بين أجزائها ومثال ‏انتقاص العقد هو اقتران العقد بشرط باطل لم يكن هو الباعث على التعاقد أو اشتمال ‏القرض على فائدة تزيد عن الحد المسموح به قانوناً .‏
أما المادة (140) من القانون المدني فقد أخذت بنظرية تحول العقد والتي ترجع ‏أصولها إلى القانون الألماني حيث جاء في هذه المادة (إذا كان العقد باطلاً وتوافرت ‏فيه أركان عقد آخر فان العقد يكون صحيحاً باعتباره العقد الذي توافرت أركانه إذا ‏تبين أن المتعاقدين كانت نيتهما تنصرف إلى إبرام هذا العقد) وتقرر هذه المادة حكم ‏مفاده أن توفر أركان وشروط تصرف صحيح في عقد باطل مع اتجاه نية المتعاقدين ‏المفترضة إلى إبرام التصرف الصحيح لو علما ببطلان التصرف الأول يستلزم تحول ‏العقد الباطل إلى العقد الصحيح ومثال ذلك تحول البيع بثمن تافه إلى هبة وتحول ‏السند الرسمي الفاقد لا حد شروطه إلى سند عادي.‏
من كل ما تقدم نجد إن المشرع العراقي لم يأخذ بفكرة المذهب الحنفي عن العقد ‏الفاسد فقد ساوى كقاعدة عامة بين فاسد العقد وباطله فقد نصت المادة (137/1) ‏المذكورة آنفاً على أنه (العقد الباطل هو ما لا يصح أصلاً باعتبار ذاته ، أو وصفاً ‏باعتباره بعض الأوصاف الخارجية عنه) وقد الحق المشرع بعض صور العقد الفاسد ‏بسبب الإكراه بالعقد الصحيح الموقوف تسوية للإكراه بغيره من عيوب الرضا والحق ‏العقد الفاسد بسبب (الشرط الفاسد) بالعقد الصحيح ما دام هذا الشرط غير مخالف ‏للنظام العام ولا للآداب عملاً بالقاعدة العامة التي اقرها في حرية التعاقد وسلطان ‏الإرادة وكذلك الحق العقد الفاسد بسبب الربا بالعقد الصحيح لان المشرع العراقي أجاز ‏الفائدة صراحة في المادة (171) من القانون المدني ، أما العقد الفاسد بسبب الغرر ‏الذي يلحق وجود المحل فقد ألحقه بالعقد الباطل وكذلك العقد الفاسد لجهالة المحل ‏أو عدم تعيينه تعييناً كافياً نافياً للجهالة.‏
ثالثاً:- الرأي
مما تقدم يتضح إن موضوع هذه الدراسة يتعلق بالبحث المقدم من قبل الدكتور ‏‏(.....) التدريسي في كلية دجلة الجامعة حول موضوع (فساد العقد وأثره على ‏المتعاقدين) والذي يطلب فيه تعديل القانون المدني العراقي وتنظيم العقد الفاسد وذلك ‏من اجـــل تنظيم التعاقدات بين الأفراد وفسح المجال لإنفاذ العقد الفاسد دون القضاء ‏ببطلانه وتنظيم أحكام العقد الفاسد استناداً لأحكام الشريعة الإسلامية الغراء ‏باعتبارها مصدراً من مصادر التشريع في القانون المدني العراقي ، ولدى الاطلاع على ‏مضمون البحث انف الذكر وعلى ما ورد بمطالعة السادة أعضاء الهيئة التمييزية ‏المدنية في رئاسة محكمة استئناف بغداد الكرخ الاتحادية وعلى ما ورد بنصوص ‏القانون المدني العراقي وعلى ما ورد في مجلة الأحكام العدلية وعلى آراء فقهاء ‏المسلمين وآراء فقهاء القانون ، وكذلك ما ورد في مشروع القانون المدني ، نجد إن ‏مشروع القانون المدني العراقي والذي تم البدء فيه في عام 1936 والذي تم إعداده ‏من قبل كبار رجال القانون والقضاء في ذلك الوقت والذين لازالت مؤلفاتهم ‏وشروحاتهم تعتبر المرجع لأي باحث قانوني ويتقدمهم الأستاذ الدكتور (عبد الرزاق ‏السنهوري) وعضوية السادة كل من (محمد حسن كبة و حسين سامي تاتار وأنطوان ‏شماس وعبد الجبار التكرلي و منير القاضي ونشأت السنوي) قد وضعوا نصب ‏أعينهم الشريعة الإسلامية الغـــــراء كـــمصــدر مــــن مــــــــصادر القــــانون المدني ، لا بل ‏إن الأستاذ السنهوري (رحمه الله) أشار في احد تعليقاته على القرار الذي اتخذته ‏لجنة القانون المدني بالقول (إن العراق هو أول بلد عربي يرفع لواء الفقه الإسلامي ‏ويتقدم به إلى الأمم المتحضرة ويضع الشريعة الإسلامية إلى جانب أرقى الشرائع ‏الغربية وأحدثها) . وبناءً على ذلك نصت المادة الأولى من القانون المدني على ‏مصادر القانون المدني وهي(1-النصوص التشريعية. 2- العرف. 3- مبادىء ‏الشريعة الإسلامية الأكثر ملائمة لنصوص القانون المدني دون التقيد بمذهب معين. ‏‏4- قواعد العدالة.) من كل ذلك يتضح إن الشريعة الإسلامية هي احد مصادر ‏القانون المدني وكما هو معروف إن الشريعة الإسلامية تتكون من عدد من المذاهب ‏وان الفقه الحنفي هو احد تلك المذاهب ، وفيما يتعلق بالآراء الفقهية في العقد ‏الفاسد فأن فقهاء الشريعة وكما ذكرنا سابقاً انقسموا إلى قسمين ، قسم اخذ بالعقد ‏الفاسد وهم الحنفية والقسم الآخر لم يأخذ به وهم فقهاء الجمهور والجعفرية حيث ‏عندهم العقد أما صحيح أو باطل ، وان القانون المدني العراقي اخذ برأي  الجمهور ‏والجعفرية كون هذا الرأي هو الأكثر ملائمة لنصوص القانون المدني من كل ذلك نرى ‏إن ما ورد في القواعد العامة في الفقه الإسلامي والمتمثلة برأي الجمهور والجعفرية ‏وكذلك ما ورد في القانون المدني العراقي تكفي لمعالجة حالات الفساد في العقود دون ‏الحاجة للأخذ بما ورد برأي الفقه الحنفي لا سيما وان القانون المدني العراقي الحق ‏بعض صور العقد الفاسد بسبب الإكراه بالعقد الصحيح الموقوف ، وألحق العقد ‏الفاسد بسبب (الشرط الفاسد) بالعقد الصحيح مادام هذا الشرط غير مخالف للنظام ‏العام والآداب والحق العقد الفاسد بسبب الربا بالعقد الصحيح ، والحق العقد الفاسد ‏بسبب الغرر الذي يلحق وجود المحل أو عدم تعيينه تعييناً كافياً نافياً للجهالة بالعقد ‏الباطل ومن جانب آخر إن إيراد نص جديد للعقد الفاسد من ضمن نصوص القانون ‏المدني سيؤدي إلى حصول إرباك في عمل المحاكم التي استقر العمل فيها بالنصوص ‏القانونية الواردة في القانون المــــــــــدني النافــــذ. ‏