التفاصيل
تعليق على قرار المحكمة الاتحادية العليا المتعلق بالدعوى الأصلية رقم ١٣٢ وموحداتها البالغة ١٧ دعوى والصادر بتاريخ ١٠/صفر/١٤٤٤ هجرية الموافق ٧ /٩ /٢٠٢٢ ميلادية

تعليق على قرار المحكمة الاتحادية العليا المتعلق بالدعوى الأصلية رقم ١٣٢ وموحداتها البالغة ١٧ دعوى والصادر بتاريخ ١٠/صفر/١٤٤٤ هجرية الموافق ٧ /٩ /٢٠٢٢ ميلادية

الأستاذ الدكتور أمين عاطف صليبا / أستاذ القانون الدستوري في عدة جامعات لبنانية وعربية

2022-09-10 12:47:00

قبل البدء بالتعليق لفت نظري عدد الأسماء المتقدمة بتلك الطعون (نواب – محامين – واشخاص مثقفين) والذي أستنفد من صفحات القرار تسع منها بالتمام والكمال، ووفق تقديري ربما لامسوا الألف أو أقل ،على كل هذا حق لكل واحد منهم، لكن حق التقاضي شيء والنصوص الدستورية شيء آخر. آملاً في نهاية التعليق، الاطلاع عليه خصوصاً من الجهات الطاعنة، لكي تُكون فكرة عن الأسس التي أعتمدتها المحكمة للوصول الى قرارها برد الدعوى الأصلية وموحداتها، والتي هي بنظرنا المتواضع، أسس دستورية صحيحة لم تستنبطها من عندياتها، وعلى هذا الأساس نبدأ بالتعليق وفق التالي:

أولاً: لقد بدء القرار في الصفحة 23 لغاية 28 وقد تم تقسيمه الى ثلاثة عناوين اساسية:

1-شرح نظام الحكم القائم في العراق وفق دستور 2005.

2-الغاية من تكوين السلطات الاتحادية (التشريعية والتنفيذية والقضائية).

3-شروط حل البرلمان في الأنظمة الدستورية، وشروط الحل في دستور 2005.

بالنسبة للبند 1:
لقد وضع القرار النقاط على الحروف عندما ذكر بأن الشعب هو مصدر السلطات وفق المادة 5 من الدستور، هذه السلطات قائمة على مبدأ الفصل بينها، وفق المادة 47 منه، حيث لا بُد من التنويه في هذا المجال، من ان المادة 5 قد جعلت السيادة للقانون، ومن باب أولى ان تكون سيادة الدستور وعلوه مسألة لا نقاش حولها (المادة 13 من الدستور)، بمعنى ان الدستور هو الُمنشىء للسلطات وهو من يوليها صلاحياتها، لكي تنتظم الحياة الدستورية والقانونية في هذا النظام او ذاك، ولا يمكن لأي سلطة دستورية ان تخلق لنفسها صلاحية لم ترد في نص الدستور، وهذا السهر على التوزيع في الصلاحيات، أوكل امره الى القضاء الدستوري في كافة الأنظمة الديمقراطية. والباحث في القانون الدستوري سرعان ما يكتشف ان الغاية الأساسية من إعتماد القضاء الدستوري في العالم، كان بهدف الحد من تطاول تلك السلطات على بعضها البعض، وهذا ما اراده الجنرال ديغول من خلال دستور الجمهورية الخامسة لوضع حد لتسلط الجمعية الوطنية (البرلمان)على السلطة التنفيذية!
وعليه نقول ان هذه الفقرة كانت واضحة وفي موقعها الدستوري كمدخل للرد على النقاط اللاحقة.
بالنسبة للبند 2: شرح واضح من ان غاية تكوين السلطات الاتحادية، هي لغرض تنفيذ ما جاء بالدستور وفقاً لصلاحيات كل منها، ثم يتوسع القرار بشرح هذه النقطة بالقول ان "الاختلافات بين مؤسسات الدولة ....... لا تحسم بفرض الرأي الآخر، بل عبر المؤسسات الثلاث، مما يقتضي على تلك المؤسسات الدستورية، الالتزام بالدستور وبكل مواده وأسسه بدون إنتقائية، او تفسيرات وإجتهادات خاصة. ربما هذا التوصيف بنظرنا يشي بأن للمحكمة الاتحادية رأي بهذا الخصوص، لكنه تمتنع عن فرضه كرأي على السلطة التشرعية، بغياب نص يجيز لها تجسيد رأيها من خلال صلاحية واضحة في هذا المجال، حيث من المستحيل ان تُقدم المحكمة على حل برلمان ُمنتخب من قبل الشعب الذي هو مصدر السلطات كما ذكرنا سابقاً!!
حيث لم يتردد القرار في هذه النقطة من متابعة تشخيصه للأسباب الكامنة وراء الأزمة السياسية القائمة حالياً لجهة عدم اجتماع البرلمان لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، وتسمية رئيس مجلس وزراء جديد، وهو لم يُسقط من توصيفه لهذا الأمر إنتشار الفساد وانعكاسه على الإدارة وبالتالي على كل العراقيين. حيث ان هذا التوصيف وإن خرج عن المسار الدستوري الذي يتطلبه إصدار القرار، لكنه بنظرنا جاء موضحاً التراكمات التي أرخت بوزرها، والتي حالت دون نهوض العراق الى المستوى الذي يطمح اليه كافة مكوناته.والتي اوصلته الى ما هو عليه.
بالنسبة للبند 3: وفق تقويمنا الدستوري نرى ان هذا البند هو المحور الجوهري للرد على تلك الطعون التي تطالب المحكمة بحل مجلس النواب، حيث لم يتردد القرار من شرح الأصول المعتمدة في كافة انواع الأنظمة الديمقراطية لحل البرلمان، ليخلص الى الشروط التي وضعها دستور 2005 لحل مجلس النواب، وهنا اقول وبكل تواضع ان ما نصت عليه المادة 64/اولاً لهو نص مخالف للمبدأ الذي يرعى توازن السلطات في الانظمة البرلمانية، لجهة حق البرلمان بإسقاط الحكومة، لكن من دون حق"مستقل" للسلطة التنفيذية بحل البرلمان، وهو نص غير مسبوق!! وبالتالي لا يمكن لأي سلطة دستورية حل البرلمان العراقي، إن لم يوافق بنفسه على ذلك ولو أتى طلب الحل من السلطة التنفيذية.فكم بالحري مطالبة المحكمة الاتحادية بهذا الدور.
لذلك وعملاً بالقاعدة الأصولية "لا اجتهاد في معرض النص" حيث ان الدستور العراقي حدد صراحة صلاحية وآلية الحل، جاعلاً أياها ذاتية متعلقة بإرادة البرلمان نفسه، وهنا جاء القرار ليذكر بصلاحيات المحكمة وفق ما هو محدد في المادة 93 حيث لم ترد هذه الصلاحية، وبالتالي ان تعليل القرار بالرد سنداً لمضمون تلك المادتين، هو تعليل قاطع لا يقبل المناقشة، وهل من الجائز ان نطلب من السلطة (المحكمة الاتحادية العليا) التي اوجدها الدستور للسهر على حماية نصوصه، وجعل كل السلطات الأخرى ُمتقيدة بتلك القواعد الدستورية ،أي ان نطلب من الحارس التخلي عن دوره الموكول اليه، إذ بمثل هذا التسليم نكون قد فتحنا ابواباً مقفلة منذ مطلع القرن الفائت، على نظرية [حكومة القضاة]التي اطلقها الفقيه الفرنسي "ادوار لامبير" عند توصيفه لدور المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأميركية.
حسناً فعلت المحكمة الاتحادية، بعدم قبول منح ذاتها هذه الصلاحية، لأنه من شأن ذلك تقويض حجر الزاوية الذي تقوم عليه دولة القانون، لجهة ان تكون جميع السلطات خاضعة ومتقيدة بأحكام الدستور، قبل عامة الشعب، إذ من خلال ذلك تستقيم الانظمة الدستورية والمبادىء القانونية.
لقد وضع هذا القرار خطاَ أحمر على مسألة التقيد بالصلاحيات الدستورية، والتي طبقتها سابقاً المحكمة الدستورية على بقية السلطات من خلال قرارات عديدة، واليوم توجتها بتطبيقها على نفسها، وبالتالي وضعت حداَ للجدل ولبعض الاتهامات بأنها تنحرف عن صلاحياتها الدستورية.
ومع تقديري لختام الشرح في هذا البند حول دور المحاكم في التقيد بطلبات المتقاضين، أود ان ادون ملاحظتي في هذا السياق، وهي ان القضاء الدستوري في غالبيته، لا خصومة تتحقق امامه من جراء الطعون التي تُعرض عليه، لأنها طعون موضوعية، وخير دليل نسوقه على ذلك هو الادعاء القائم بوجه كل من:

-رئيس مجلس النواب "إضافة الى وظيفته"

-رئيس الجمهورية "إضافة الى وظيفته"

-رئيس مجلس الوزراء "إضافة الى وظيفته"
بنظرنا إدعاء لا يستقيم، على الأقل بالنسبة الى الثاني والثالث، لأنهما وإن ارادا السير بطلب حل المجلس، الذي يبقى مرهوناً بإرادة المجلس، لكنهما لا يستطيعان ذلك لأن رئيس الوزراء يكون في وضع تصريف الأعمال وفق البند ثانياً من المادة 64 من الدستور في حالة تصريف الأعمال وإن كانت المادة 72 من الدستور /البند ثانياً / الفقرة ب، قد نصت على استمرارية رئيس الجمهورية بممارسة مهماته المحددة بثلاثين يوما ً لإنتخاب رئيس جديد للجمهورية، وفي حال سلمنا بأن هذه المهلة هي مهلة حث وليست إسقاط، أي ان رئيس الجمهورية بوسعه تقديم طلب الحال، لكن الأمر يبقى متوقفاً على ورود طلب من رئيس الحكومة الذي هو بموقع تصريف الأعمال، وليس بمقدوره إتخاذ مثل هذا القرار !!!
تبقى نقطة أخيرة وردت في الصفحة 27 استوقفتني فيما يتعلق بنظرية [الإغفال التشريعي] التي وردت في لوائح احد وكلاء المدعين، حيث يقول ان حل البرلمان يدخل ضمن نطاق هذه النظرية!!
هذا الطلب ردته المحكمة، وقد اصابت في هذا الرد، لأن هذه النظرية– التي ابتدعها القاضي الدستوري الايطالي في منتصف القرن الماضي- ، تُطبق على التشريع العادي أي في معرض الطعن بدستورية قانون يتعلق بإحدى الحقوق الاجتماعية للمواطن، حيث ان النص الدستوري فيما يتعلق بهذا الحق يكون مقتضباً جداً، وعلى المشرع العادي ان يعمل على التوسع في ضماناته، كحق بالمسكن اللائق. ولهذا لا يمكن تطبيق نظرية الإغفال التشريعي، للنفاذ الى قرار بحل البرلمان، إذ بذلك تكون المحكمة الاتحادية قد وصمت نفسها بحكومة القضاة، متجاوزة النصوص الواضحة في الدستور لجهة صلاحياتها، أم لجهة شروط وآلية حل البرلمان وفق الدستور.
لقد جاء تعليل هذا البند في موضعه الدستوري الصحيح، حيث لا مجال للطلب من المحكمة الاتحادية العليا، ان تُعطي لذاتها صلاحيات ليست لها، بل على العكس هي صلاحيات محددة بوضوح في الدستور.
لا شك ان هذا التعليق قد لا يوافق عليه البعض لا سيما الجهة الطاعنة، لكن القراءة الدستورية الدقيقة ِّلما هو وارد في دستور العراق– إن لجهة آلية الحل، أم لجهة الصلاحيات– تؤكد على صحة هذا القرار من الناحية الدستورية الصرفة، بعيداً عن كل التفسيرات والتوجهات السياسية، لأنه قرار واضح ومسند الى نصوص دستورية أكثر وضوحاً.
في الختام ربما يكون هذا القرار قد رسم طريقاً مستقبلية للعمل من خلالها على تعديل آلية حل البرلمان في العراق، قياساً على التجربة والأزمة السياسية التي يعيشها العراق منذ سنة تقريباً، وفي حال التعديل يكون النظام البرلماني المطبق في العراق، قد عاد الى مبدأ التوازن بين السلطات، الى جانب التعاون والتكامل ِّلما فيه خير العراق وشعبه.