التفاصيل
العدالة القضائية رؤية تأملية في الفكرة والمفهوم

العدالة القضائية رؤية تأملية في الفكرة والمفهوم

القاضي عواد حسين ياسين العبيدي/ نائب رئيس محكمة استئناف كركوك الاتحادية

2022-09-11 12:20:00

رغم تناول مفهوم العدالة بصورة واسعة من قبل كتاب ومفكرين فما زال هذا المفهوم يكسوه نوع من الغموض بالشكل الذي يتطلب مواصلة واستمرار البحث النظري لتحديد مضمون مفهوم العدالة؛ لأن مفهوم العدالة يتسم بالنسبية، ويختلف باختلاف المدارس الفكرية، والأديان، والثقافات المختلفة، والتجارب البشرية المطبقة، وبتأثير المرجعية الفكرية والحضارية والسياسية للمجتمع([1]).

فالعدالة: "هي شعور كامن في أعماق النفس ويكشف عنه العقل السليم، ويوصي به الضمير المستنير لإعطاء كل ذي حق حقه"([2]). ومع كل هذا فالعدالة لا تقتصر على مجرد الامتناع عن إيقاع الضرر بالغير، وعلى إعطاء كل ذي جق حقه، وإنما تنطوي فوق ذلك على شيء أعمق وأبعد وهو التوازن بين المصالح المتعارضة بغية توفير النظام الضروري لسكينة المجتمع الإنساني وتقدمه([3]).

وإذا كان تحقيق مفهوم إعطاء كل ذي حق حقه يقوم على فكرة استحقاق الإنسان لحقه لمجرد كونه تابعاً سُمِّيت عندها العدالة بـ (العدالة الطبيعية) (Natual Justice) أما إذا كان استحقاق الإنسان لحقه على قاعدة يقبلها مجتمعه سُمِّيت بـ (العدالة الاتفاقية) (Conventional Justice ) وإذا كان هذا الحق يستد إلى قاعدة تجعله بتملكها مسؤولاً عن فعله أمام السلطة العمومية سُمِّيت عندها بـ (العدالة القانونية)([4]).

إن الذي يهمنا من مفهوم العدالة هو مفهوم (العدالة القضائية) والمقصود بالعدالة القضائية هي القناعة بأن أفراد المجتمع البشري كلهم من حيث الإنسانية والكرامة والحقوق الإنسانية متساوون وكلهم طبقاً لهذا متساوون أمام القانون لذا يجب على القضاء إعادة الحق للشخص الذي تم التجاوز والاعتداء على حقوقه بدون مراعاة أية اعتبارات قيمية أو اعتبارية تحول دون إعادة هذا الحق، فالعدالة بهذا المعنى هي إحقاق الحق المسلوب أو الضائع وبهذا يمكن اعتبار (العدالة القضائية) في مجال تنفيذ القانون أكبر من (العدالة القانونية)؛ لأنها تشمل القانون العادل، والاجراءات القضائية العادلة أي المظهر الشكلي للعدالة([5]).

لقد اهتم الإسلام الحنيف بالقضاء اهتماماً كبيراً، وللقضاء في الشريعة الإسلامية مكانة عظيمة، فهو فرض من أقوى الفرائض وأشرف العبادات بعد الإيمان بالله تعالى([6])؛ لأن المظلومين يلجؤون إليه لكي يُنْصفوا في مواجهة الظالمين، والناس يحتاجون إليه في تنفيذ الأحكام وقطع المنازعات، والفصل في الخصومات وإسناد الحقوق إلى أهلها([7]).

إن (العدالة القضائية) تتجلى بأبهى صورها في (الاجتهاد القضائي) ومن هنا لا بُدَّ للمشرع أن يعطي للقاضي من الصلاحيات ما يمكنه من الحركة والمرونة في (حدود النصوص وداخل نطاقها) بما يضمن من تطبيقها تطبيقاً سليماً وعادلاً يتناسب مع خصوصية الواقعة أو النزاع ويتماشى مع روح النص والمقاصد العامة للتشريع؛ لأن العدالة وإن كانت تدخل كمحدد للقانون العادل عند سنه، فإنها أيضاً تساهم في تصحيح القانون وتكمله؛ لأن تطبيق القانون يستلزم عادة نوعاً من الموائمة التي لا تتحقق إلا بالإنصاف([8]).إن تحقيق القضاء العدالة فذلك من أولى واجباته لكن لتحقيق العدالة مستلزمات، وإذا كان تطبيق القضاء للقانون وفق ظروف القضية المطروحة وإصدار الحكم المناسب في الوقت المناسب من المستلزمات الأساسية لتحقيق العدالة فإن قناعة أطراف القضية (وخاصةً المحكوم عليه) بما تكون هدف العدالة الأساس([9]).

إن العمل القضائي لا يقوم على معرفة القانون فحسب بل هو أعمق وأشمل من ذلك انه إعطاء حل عادل لمشكلة إنسانية، وقد أثبتت التجارب القضائية أن القانون لا يتضمن كل الحق، فالعدالة الحقة هي التي تؤدي إلى انتصار الحق بوساطة القانون وليس إلى خسران الحق باسم القانون([10]).

ومصداق ذلك نصت المادة (171) من قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 المعدل على: "المدد المعينة لمراجعة طرق الطعن في القرارات حتمية يترتب على عدم مراعاتها وتجاوزها سقوط الحق في الطعن وتقضي المحكمة من تلقاء نفسها برد عريضة الطعن إذا حصل بعد انقضاء المدة القانونية". إن النص واضح وصريح بعدم قبول الطعن في القرارات بعد انقضاء المدد القانونية للطعن ولكن إذا تعلق الحكم القضائي بمسائل تتعلق (بالحل والحرمة) ومضت المدد القانونية للطعن هل يمكن التقيد بحرفية النص القانوني المتقدم وإعماله؟

أجابت محكمة التمييز في العراق على هذا التساؤل بقرار لها بالقول: "إذا تعلق موضوع الدعوى بالحل والحرمة فلا يلتفت إلى المدد القانونية أو وقوع الطعن خارج المدة القانونية"([11]). ومن الأمثلة على الدعاوى التي تتعلق بالحل والحرمة دعاوى الأحوال الشخصية ومنها الطلاق.

حددت المادة (5/ ثالثاً) من قانون العفو رقم 19 لسنة 2008 جهة الطعن بالأحكام التي تصدرها لجان العفو أخضعت القرارات التي تصدرها لجان العفو للطعن تمييزاً أمام محكمة استئناف المنطقة بصفتها التمييزية فإذا حصل خطأ في تطبيق قانون العفو وفات على محاكم الاستئناف بصفتها التمييزية تدارك هذا الخطأ ومعالجته هل يمكن لمحكمة التمييز الاتحادية التصدي للنظر في القرارات التي تصدرها محاكم الاستئناف بصفتها التمييزية؟

ذهبت محكمة التمييز الاتحادية في أحد قراراتها إلى مبدأ مفاده: "1-.....2- ان تشكيل لجان خاصة لتطبيق أحكام قانون العفو العام لا يحول دون ممارسة محكمة التمييز حقها في الرقابة على القرارات الصادرة بشأن ذلك القانون رغم صدورها عن محكمة الاستئناف بصفتها التمييزية". وبررت محكمة التمييز الاتحادية اتجاهها هذا بالقول: ".....لأن كلمة الفقه اجتمعت على أن الإنسان هو غاية كل تنظيم قانوني وأن المجتمع يشعر دائماً إلى الحاجة الملحة إلى ثبات القانون ووحدة تطبيقه ويوم يختلف منطق تطبيق القانون من قاضٍ لآخر ومن حالة لاخرى سوف يفقد القانون معناه الحقيقي وتهتز إرادته الإلزامية ويكون مبدأ توحيد أحكام المحاكم ووحدة القضاء ضرباً من الخيال... وصدر القرار بالأكثرية في 10/ جمادى الأول/ 1429هـ الموافق 15/ 5/ 2008م"([12]).

إن المتأمل في المفاهيم التي ساقتها محكمة التمييز الاتحادية لا بد وان يخرج بنتيجة تفصح عن الفهم الواعي لمحكمة التمييز الاتحادية ودورها في نشر العدالة في أوساط المعمورة وما هذه التطبيقات القضائية إلا أدلة وشواهد ناطقة وترجمة واضحة لاتجاه القضاء وهو يتخطى حرفية النصوص الجامدة، ويسعى إلى استنطاق معاني القوانين الباطنة، ويستظهر حكمتها الكامنة بين طيات تلك النصوص وبالشكل الذي يعبر عن سعة أُفق وبعد نظر القضاء بما يتلافى حصول انفصام بين نص القانون والوقائع الاجتماعية والحوادث المستجدة([13]).

ان محكمة التمييز ليست فقط هي الجهة التي تنطق بحكم القانون وإنما هي بلا شك جهة التنظيم والتنسيق التي تفصح عن القاعدة القانونية وتقرها، وتزيل اختلافاتها وتوحد وجهات النظر المتشعبة حولها لذا فهي تفرض حلولها على المحاكم الأدنى([14]).

خلاصة القول أن العدالة القضائية هي فهم واعي ومدرك لجوهر القانون واستجلاء لحكمته بعيداً عن الجمود الحرفي للنصوص، وتطبيقاً للقانون بمرونة وسعة فهم من خلال بوابة الاجتهاد القضائي.

 



[1]- ينظر: أبو بكر علي محمد أمين، العدالة ومفهومها ومنطلقاتها دراسة في ضوء الفكر القانوني والسياسي العربي والإسلامي، دار الزمان للطباعة والنشر، ط1، دمشق، 2010م، ص191.

[2]- ينظر: د. سعيد عبد الكريم مبارك، أصول القانون، ط1، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بغداد، 1402هـ- 1984م، ص187.

[3]- ينظر: د. حسن علي الذنون، فلسفة القانون، مطبعة العاني، بغداد، 1975م، ص63.

[4]- ينظر: فارس كمال نظمي، مفهوم العدالة في الفكر الاجتماعي (من حمورابي إلى ماركس الحوار المتمدن العدد (12) في 6/ 6/ 2006، ص1-2.

[5]- ينظر: ناصر باقريان، عدالة حقوق، ص48- 49 نقلاً عن: أبي بكر علي محمد امين، العدالة مفهومها ومنطلقاتها، مصدر سابق، ص167.

[6]- ينظر: د. عبد الكريم زيدان، نظام القضاء في الشريعة الإسلامية، ط3، مؤسسة الرسالة ناشرون، بيروت، 1423هـ- 2002م، ص14.

[7]- ينظر: د. عبد الكريم زيدان، أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام، ساعدت جامعة بغداد على نشره، ط1، 1382هـ- 1963م، ص566- 567.

- [8] ينظر: د. محمود حافظ الفقي، العقيدة القضائية وأثرها في عدالة الحكم القضائي، دار الكتب والدراسات العربية، الإسكندرية، 2022م، ص41.

[9]- ينظر: د. منذر الشاوي، تأملات، مقال حكم القضاء، منشورات وزارة العدل، بغداد، 1423هـ- 2003م، ص163.

[10]- ينظر: ضياء شيت خطاب، فن القضاء، معهد البحوث والدراسات العربية، قسم البحوث والدراسات القانونية، بغداد، 1404هـ- 1984م، ص5.

[11]- القرار (198/ موسوعة/ 1981 في 29/ 8/ 1981 منشور في كتاب الأستاذ إبراهيم المشاهدي، معين القضاة، ج1، مطبعة الزمان، بغداد، 2000م، ص92- 93.

[12]- القرار (129/ هيئة عامة/ 2008 في 15/ 5/ 2008 منشور في مجلة التشريع والقضاء، العدد الثاني، (نيسان، ايار، حزيران)، 2009، ص82- 83.

[13]- ينظر: القاضي عواد حسين ياسين العبيدي، تأويل النصوص في القانون دراسة موازنة بالفقه الإسلامي معززة بالتطبيقات القضائية، ط1، المركز العربي للدراسات والبحوث العلمية للنشر والتوزيع، القاهرة، 1440هـ- 2019م، ص329.

[14]- ينظر: جان كوبر روبر، محاضرة ألقيت في الندوة الخامسة للدراسات القضائية في باريس، نقلاً عن: عبدالرسول الجصاني، المنطق القضائي، ترجمة وتعليق المكتبة القانونية، بغداد، 1989م، ص77.