التفاصيل
أثر السن في الدعوى الجزائية

أثر السن في الدعوى الجزائية

القاضي وليد لطيف حسين

2022-09-22 08:01:00

إن للسن أهمية كبيرة في تحديد المسؤولية الجنائية للفرد بغية تطبيق القانون الواجب على وفق الأصول. وإن مختلف التشريعات تعد الجمع لسنوات العمر هو المقياس لتحديد سن المسؤولية الجزائية في اعتبار بعض الفئات العمرية من الأحداث وبعضهم الآخر من البالغين مما يترتب عليه اختلاف المعاملة العقابية لكل منهما، فالبالغ من المخالفين للقانون يخضع للنصوص التشريعية العقابية المختلفة، أما الأحداث فهم مشمولون بقانون رعاية الأحداث الذي يطبق عليهم وفيه اختلاف عن النصوص العقابية من حيث تطبيق وفرض العقوبة لاعتماده على مبدأ رعاية الحدث ومتابعته لتقويم سلوكه، لذا أصبح من الأمور الواجبة معرفة عمر الفرد عند بدء التحقيق معه لجعله وفق المسار القانوني الصحيح.

ومن خلال بحثنا في هذا الموضوع لم نجد تعريفا اصطلاحيا لمفهوم (السن) في ظل القانون الجنائي العراقي إلا أن هذه المفردة وردت في نص المادة 65 من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 وتعديلاته "يثبت السن بوثيقة رسمية... الخ النص".

كما ورد أيضا في الباب الرابع / الفصل الأول (المسؤولية الجزائية وموانعها) فقرة 4 "السن" من المادة 64 من قانون العقوبات وفي كل الأحوال لا يوجد تعريف لمصطلح السن واقتصر على ذكر المفردة في النصوص المذكورة وتوجد ايضا للسن مفاهيم من جوانب أخرى ومنها المفهوم العلمي والنفسي والمفهوم الاجتماعي وهذه المفاهيم ليست مدار مقالتنا وباعتبار السن من أهم العناصر التي تقوم عليها المسؤولية الجزائية فلا بد من ذكر موقف الشريعة الإسلامية منه.

فقد فرقت الشريعة الإسلامية بين صغار السن والكبار من حيث تحمل المسؤولية وحددت السن بعدة مراحل وهي مرحلة (الصغير غير المميز) وتبدأ من ولادة الفرد حتى بلوغه سن السابعة من العمر وهنا لا يدرك حدود النفع والضرر ولا تترتب عليه مسؤولية جنائية إلا أنه يكون مسؤولا مدنيا عن الضرر الذي يلحق بالغير، وبعد سن السابعة يصل لمرحلة (الصبي المميز) ويكون هنا إدراكه ضعيفا ومسؤوليته مخففة، ويعتبر عمد هذا الصبي "خطأ" باتفاق جميع المذاهب، وبعد ذلك يدخل الإنسان في مرحلة (البلوغ)
أو ما تسمى شرعا (سن التكليف) ويكون فيه العقل في حالة نضج وإدراك وتترتب بحق الفرد المسؤولية الجنائية الكاملة، وفي هذا المجال فقد اختلفت المذاهب الفقهية الخمسة في تحديد (سن التكليف) ففي المذهبين الشافعي والحنبلي جعل الفقهاء سن التكليف 15 سنة للغلام وكذلك الجارية، أما فقهاء المذهب المالكي ذكروا أن البلوغ يكون في سن 17 سنة للذكر والأنثى، وذكر فقهاء المذهب الحنفي أن سن البلوغ هو 18 سنة للغلام و17 للجارية، وجاء عند فقهاء الإمامية بأن سن التكليف هو 15 سنة للغلام و9 للجارية لحديث ابن سنان "اذا بلغت الجارية تسعا دفع إليها مالها وجاز أمرها وأقيمت الحدود التامة لها وعليها".

وأثبتت التجارب أنها قد حملت بهذا العمر، وبالآراء الفقهية المذكورة فأن الفرد عند بلوغه سن التكليف أو البلوغ الشرعي فأن مسؤوليته الشرعية تتحقق ويوجب تطبيق الحدود بحقه في حالة مخالفته للنصوص الشرعية.

أما عن القانون الجنائي العراقي فقد جعل للسن أهمية كبرى في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتهم من عدمه في الدعوى الجزائية فقد جاء بنص المادة 64 فقرة 4 "السن" من قانون العقوبات "لا تقام الدعوى الجزائية على من لم يكن في وقت ارتكاب الجريمة قد أتم السابعة من عمره" وأصبح السن أحد موانع المسؤولية المنصوص عليها في الباب الرابع / الفصل الأول الخاص بالمسؤولية الجزائية وموانعها اي أن الفرد لا يسأل عن أفعاله قبل تمام سن السابعة.

واعترض قسم كبير من شراح القانون على هذا العمر أي عمر السابعة انطلاقا من مفهوم عدم توفر قوى ذهنية للإنسان بهذا السن وطالبوا برفع سن المسؤولية الجزائية وجاء في قانون رعاية الأحداث رقم 76 لسنة 1983 وتعديلاته في المادة 47 / أولا "لا تقام الدعوى الجزائية على من لم يكن في وقت الجريمة قد أتم التاسعة من عمره"، وهنا أصبح سن المسؤولية واضحا واختلف عما جاء في قانون العقوبات، وحيث أن قانون رعاية الأحداث هو قانون خاص وواجب التطبيق إذن فأن سن المسؤولية قانون هو تمام التاسعة من العمر، وتوجد بهذا الخصوص أيضا مناشدات ودراسات من ذوي الاختصاص تطالب برفع سن المسؤولية فمنهم من طلب رفعه إلى 10 سنوات وآخرون إلى اثنتي عشرة سنة.

 وهنا من الممكن أن يثار تساؤل حول ما هو الوقت المناسب لتحديد سن المسؤولية هل هو لحظة ارتكاب الجريمة أم وقت إجراء المحاكمة أم وقت صدور الحكم واتفقت معظم التشريعات الجنائية بوجوب تحديد السن (وقت ارتكاب الجريمة) أي لحظة ارتكاب الفعل الجرمي من قبل الجاني وهذا ما نصت عليه المادة 64 من قانون العقوبات والمادة 47/ أولا من قانون رعاية الأحداث.

ولأهمية السن من الناحية الجنائية فيجب أن يحدد سن مرتكب الجريمة باليوم والشهر والسنة ويكون ذلك بالاعتماد على الوثيقة الرسمية كهوية الأحوال المدنية وشهادة الولادة وغيرها من الوثائق المعتبرة قانونا ويوجب الأمر هنا ربط هوية المتهم حتما عند البدء بالتحقيق معه للتأكد من عمره والتثبت من شخصيته وهذا ما أكدته المادة 123 من قانون أصول المحاكمات الجزائية "على قاضي التحقيق أو المحقق أن يستجوب المتهم خلال أربع وعشرين ساعة من حضوره بعد التثبت من شخصيته... الخ النص".

وفي حالة عدم وجود الوثيقة أو تعارض العمر المثبت في الوثيقة مع ظاهر الحال فأن للمحكمة أن تحيل المتهم الحدث على لجنة طبية لتقدير عمره بالوسائل العلمية والمختبرية وهي لجان طبية ذات خبرة فنية عالية تقوم على تقدير السن من خلال (المظاهر العامة وظهور الأسنان ومراكز التعظم) وهذه هي الوسائل العلمية المتبعة من فبل للجان المذكور بغية تقدير سن الجاني وتزود المحاكم بتقارير دقيقة ومفصلة بهذا الشأن، وهذا ما ذكرته المادتان 65 من قانون العقوبات و4 من قانون رعاية الأحداث.

وللسن وجود مؤثر في تحديد العقوبة المناسبة فأن كان الجاني حدثا فأنه يخضع لقانون رعاية الأحداث الذي يتميز بعقوبات وتسمى تدابير تتناسب وعمر المتهم ولا تقارن بعقوبات البالغين، ومع خضوع الحدث للقوانين العقابية المعمول بها من حيث وصف الفعل وتحديد الجريمة إلا أنه عند فرض العقوبة (التدبير) تستدل المحكمة بمواد قانون رعاية الأحداث (72 و73 و76 و77) التي تتضمن عقوبات كالانذار وتسليم الحدث لوليه ومراقبة السلوك والغرامة والإيداع الذي لا يزيد في كل الأحوال على عشر سنين بالنسبة للمتهم الصبي و15 سنة للفتى وهذه العقوبات لا تتوفر للمتهم البالغ، بل فرضت بحكم القانون اعتمادا على سن المتهم الحدث.

 كذلك فأن للسن اثرا مهما بالنسبة للدعاوى الجزائية التي تخص المتهمين البالغين فغالبا ما نجد محاكم الجنايات تستدل بالمادة 132 من قانون العقوبات التي نصت "اذا رأت المحكمة في جناية أن ظروف الجريمة أو المجرم تستدعي الرأفة جاز لها أن تبدل العقوبة المقررة للجريمة وعلى الوجه الآتي:

1.    عقوبة الإعدام بعقوبة السجن المؤبد أو المؤقت مدة لا تقل عن 15 سنة.

2.    عقوبة السجن المؤبد بعقوبة السجن المؤقت.

3.    عقوبة السجن المؤقت بعقوبة الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر.

وترد في أحكام المحاكم عبارة "كون المتهم شابا في مقتبل العمر" أو "أن المتهم كبير في السن" وتبدل العقوبة استدلالا بالمادة 132 من قانون العقوبات كما وجدنا في المادة 79 من قانون العقوبات أثرا كبيرا للسن التي نصت على "لا يحكم بالاعدام على من يكون وقت ارتكاب الجريمة قد أتم الثامنة عشرة من العمر ولم يتم العشرين من عمره ويحل السجن المؤبد محل عقوبة الاعدام في هذه الحالة".

وهنا عذر صغر السن امتد في هذه الحالة الى سن العشرين، الا ان السن في بعض المواد العقابية يكون سببا في تشديد العقوبة وهنا ليس سن الجاني إنما سن المجنى عليه فأنه يؤثر تأثيرا بالغا في فرض العقوبة فقد جعل قانون العقوبات العراقي صغر سن المجنى عليه من العقوبات المشددة عن فرض العقاب خصوصا في الجرائم اللا أخلاقية ونجد المادة 393 قد ذكرت حالات الظروف المشددة في الفقرة 2ومنها اذا كان من وقعت عليه الجريمة لم يبلغ الثمان عشرة سنة كاملة. كذلك الماد 394 / 1 من القانون شددت العقوبة في شقها الثاني وجعلته السجن مدة لا تزيد على عشر سنين اذا كام من وقعت عليه الجريمة دون الخامسة عشرة سنة كاملة من العمر وأيضا فأن المادة 396/2 شددت العقوبة بحق الجاني شددت العقوبة اذا كان المجنى عليه لم يبلغ من العمر ثماني عشرة سنة وإن المواد المشار اليها تتعلق بجرائم المواقعة واللواط بدون رضا والمواقعة واللواط برضا وكذلك هتك العرض وحرص فيها المشرع على تشديد العقوبة لصغر سن المجنى عليه لكونه ضعيفا ولا يملك القدرات العضوية والذهنية وجاء التشديد لحمايته والحد من استغلاله.

كما للسن اثر في تطبيقات قانونية أخرى لسنا بصددها في هذا المقال، ما تقدم من عرض يبين مدى تأثر السن في الدعوى الجزائية سواء كان سن الجاني أو المجنى عليه في الإجراءات القانونية المتخذة والعقوبات التي تصدر بشأنها.