التفاصيل
الدليل الجنائي وصوره ‏(الجزء الثاني)‏

الدليل الجنائي وصوره ‏(الجزء الثاني)‏

القاضي عبد الستار ناهي عبد عون

2022-09-22 08:03:00

وأما الصورة الثالثة فهي (الدليل الفني) وهو محصلة النتائج من خلال الاختبارات العلمية والمعملية وهذه النتائج تكون كدليل معزز لاثبات الواقعة او نفيها, والدليل الفني ليس دليلاً, انما هو ورقة من اوراق الاستدلال التي تقدم للمحكمة, ولكن يعد دليلاً متى تم الحصول عليه في مرحلة التحقيق, وللمحكمة الاخذ به او ان لا تأخذ به ولا تكون له حجية قاطعة في الاثبات او النفي اذا كان الدليل الوحيد في الدعوى. لذلك فان تفعيل الخبرة او النتائج المتحصلة من الوسائل العلمية في اغلب حالاتها ليست دليلاً مستقلاً لذاته انما هي قرائن تدعم الدليل ويمكن استخلاص دلالتها, ولكن بالرغم من ذلك يحظى الدليل العلمي باهمية في التحقيق الجنائي اذ يُعد الدليل الجنائي احد دعائم التحقيق المهمة الهادف الى تحقيق العدالة عن طريق اقامة الادلة المادية التي ترفع من مسرح الجريمة بوصفها اثراً يتم التعامل معه مختبرياً ليكون دليلاً مادياً يفيد النفي او الاثبات باعتبار الادلة الجنائية هي الاثبات الاساسي في القضايا الجنائية.

وان اهمية الادلة الجنائية في الكشف عن الحقائق ودقتها تكمن في مساعدة القضاء في الوصول للمتهم الحقيقي والاخرين من الجناة, خصوصاً بعد تطور نوعية الجرائم المنظمة مما يقتضي تطوير علم الادلة الجنائية للوصول للحقائق في الكشف عن جرائم التزوير وانتحال الصفة والقتل لما لوسائل الاثبات في الادلة الجنائية وآلية تطبيقها وسلامتها وقوتها في صحة اثبات الجرائم, سيما ان الادلة الجنائية لا يهملها القاضي وعلى وجه الخصوص في القضايا التي تحتاج الى فحوصات الحمض النووي في قضايا النسب واللواط والزنا.

وان الأهمية الفنية للآثار المادية في المجالات الجنائية تهدف الى التحقق ومعرفة صاحب الاثر كدليل إدانة او براءة للمتهم من خلال تطبيق الأثر الدال على الآثار العائدة لصاحبها ومعرفة عدد الجناة وايجاد الرابطة بين الشخص المتهم والمجنى عليه ومكان الحادث ليتم التعرف على كيفية ارتكاب الجريمة وتحديد نوعها ووسائل ارتكابها. والصورة الرابعة هي (القرائن) والقرائن لغةً جمع قرينة, مأخوذة من المقارنة, بمعنى المفاعلة, وفيها معنى المصاحبة, من قرنتُ الشيء بالشيء اي وصلته به, وخلاصة معنى هذه المادة ان القرينة لغة عبارة عن شيء يقترن من تلقاء نفسه, او يقرن بوساطة غيره بشيء آخر إما مساوٍ له او أعلى منه.

وعرفت مجلة الأحكام العدلية القرينة القاطعة هي الإمارة البالغة حد اليقين.

والقرينة قانوناً, ما يستنبطه المشرع او القاضي من واقعة معروفة الى واقعة غير معروفة. يتضح من تعريف القرينة قانوناً انها نوعان, نوع يستنبطه المشرع وتسمى القرينة القانونية, ونوع يستنبطه قاضي الموضوع من وقائع الدعوى وهي القرائن القضائية, فالقرينة التي مصدرها المشرع نفسه اي ان المشرع هو الذي يقدر الصلة بين الواقعة المعلومة والواقعة المجهولة صلة يقينية وتسمى القرائن القانونية, فعدم بلوغ سن السابعة قرينة على انعدام التمييز, وقد يكون مصدرها القاضي, اي ان القاضي هو الذي له سلطة تقدير الصلة اليقينية بين الواقعة المعلومة الثابتة ثبوتاً يقينياً والواقعة المجهولة التي لا دليل مباشر على وجودها.

ونصت المادة (102) من قانون الاثبات رقم 107 لسنة 1979 العراقي على ان:-

اولاً/ القرينة القضائية هي استنباط القاضي امر غير ثابت من امر ثابت لديه في الدعوى المنظورة. ثانياً/ للقاضي استنباط كل قرينة لم يقررها القانون وذلك في نطاق ما يجوز اثباته بالشهادة.

ولا ترقى القرينة الى مرتبة الدليل في نسبة الواقعة للمتهم اذ لابد من دليل يدعمها وهذا منهج القضاء في وزن القرينة فقد جاء بقرار لمحكمة التمييز الاتحادية بهذا الصدد انه (عدم كفاية الادلة والافراج عن المتهم المحكوم بالاعدام حيث وجد ان الادلة المتحصلة في الدعوى غير كافية ولم تولد القناعة بصحتها ويساورها الشك ولا تصلح لاقامة حكم قضائي سليم في مثل تلك الجرائم الخطيرة والغامضة والتي تحتاج الى ادلة تفيد الجزم واليقين حيث ان اقوال الشهود والمدعين بالحق الشخصي غير عيانية وان القرائن الاخرى المتمثلة بمشاهدة المتهم في حالة ارتباك في محل الحادث وغيابه عن الدوام الرسمي وما جاء بأقوال المخبر السري هي قرائن لا ترقى الى مرتبة الدليل الكافي).

وكذلك الحال عند تعدد القرائن فلا يمكن الاخذ بها ونسبة الفعل للمتهم وجاء بقرار لمحكمة التمييز الاتحادية بهذا الصدد ان (القرائن مهما تعددت لا يمكن الاخذ بها والحكم بموجبها).