التفاصيل
سمو القاعدة الأخلاقية

سمو القاعدة الأخلاقية

القاضية أريج خليل

2022-09-22 08:04:00

تشكل القواعد الأخلاقية نظاما من القيم الاجتماعية توجه حياة الافراد وتنهض بها الى ارقى مستوياتها الانسانية حيث ان الانسان لا يمكنه ان يصل الى كماله الانساني الا عن طريق اخلاقه لان الانسان قد يصل الى درجة ان يضحي برغباته واحلامه مقابل احتفاظه بمبادئه وسموه الاخلاقي وان المجتمع متى ما سعى افراده الى تجسيد القيم الاخلاقية كالشرف والكرامة والايثار والتسامح والشجاعة وغيرها وصل الى مستوى عال من الرقي وانحصرت فيه المظاهر السلبية بكافة مستوياتها وبالعكس يتفق الجميع على ان غياب القيم الاخلاقية وتدهورها في مجتمع ما يؤدي الى تصدعه وبالتالي انهياره.

 وحيث ان المفاهيم الاخلاقية مركبة ومعقدة وتندرج منها مفاهيم فرعية كمفهوم الخير ومفهوم الضمير ومفهوم الواجب وغيرها ورغم ان كلا القاعدتين الاخلاقية والقانونية تسعيان الى ذات الهدف هو سلامة المجتمع والحفاظ على امنه إلا أن المسؤولية التي تنشأ من تطبيق كلا القاعدتين تختلف من قاعدة لأخرى لان المسؤولية القانونية تفرضها مؤسسات الدولة ذات العلاقة بتطبيق القانون كالمحاكم وتفرضها الدساتير والنصوص القانونية والتي يكون فيها فرض الالتزام قسريا بين أفراد المجتمع وتحدد جهات معينة للمحافظة على الالتزام بالقاعدة القانونية بينما المسؤولية التي تنشأ من عدم الالتزام بالقاعدة الأخلاقية تنشأ من التزامات ذاتية تنبع من ضمير الإنسان واخلاقه وهو يطبقها بإرادته لا رقيب عليه في تطبيقها سوى الضمير كون ان الأخلاق هي المفهوم الفاصل بين الخير والشر وبين الرذيلة والفضيلة وبين الحق والباطل. لذا تكون القاعدة الاخلاقية أوسع نطاقا من القاعدة القانونية وان القانون رغم تشعب وكثرة نصوصه يبقى اضعف من الاخلاق كونه يضبط الظاهر اما الاخلاق فتوجه قواعدها الى ابعد من ذلك لتعلقها بذات الانسان وضميره الباطن.

ثار موضوع مهم مؤخرا حول شرعية الدليل المتحصل بطريقة تبتعد عن الضوابط الاخلاقية وهو موضوع اعتماد التسجيل الصوتي للمحادثات الجارية بجلسة خاصة كونه عمل تتنازع فيه القاعدة الاخلاقية مع القاعدة القانونية لان التسجيل بدون علم المتحدث عملا لا يمت الى الأخلاق بأي صلة وكيف تؤثر صفته غير الاخلاقية على قيمته القانونية كدليل من أدلة الدعوى؟ وقد شرح الكثير من أصحاب العلم من قضاة وخبراء الكيفية القانونية للتعامل مع التسجيل الصوتي واجد أن كمية الغش والخداع التي يتم إتباعها عند الحصول على هذا الدليل مؤثرا على شرعيته فضلا الى ما ينطوي على ذلك من اعتداء على الحريات الشخصية وحق الخصوصية لاسيما وان هذه الوسيلة بعيدة عن الاخلاق وتتنافى مع العدالة الاجتماعية فضلا الى ان القاعدة الاخلاقية هو اولى بالحماية اضافة الى انه يتعارض من مبدأ المشروعية لعدم النص عليه صراحة لذا من وجهة نظري ان الاخذ بالتسجيلات الصوتية التي تتم في جلسات خاصة وبدون اذن القضاء وبدون علم المتحدث يخرق القواعد الاخلاقية رغم انه قد يؤدي الى كشف جريمة الا اننا في هذه الحالة علينا الموازنة حسب جسامة الجريمة هل ان الجريمة فيها من الخطورة ما يستوجب ان نخرق قاعدة اخلاقية مهمة لذلك كانت توجهات محكمة التمييز الاتحادية الموقرة بالاخذ بهذا الدليل فقط بالجرائم شديدة الخطورة على المجتمع اما الجرائم التي يكون ضرر وقوعها اقل من الضرر الذي يصيب المجتمع في حالة تفشي ما يخالف القواعد الاخلاقية فيه فان هذا الدليل لا بمكن اعتماده كون في هذه الحالة يكون افلات متهم من العقاب افضل من تفشي اسلوب يتنافى مع الأخلاق في المجتمع وان احترام مبدأ المشروعية اهم من الوصول الى الحقيقة فيبقى هذا الاسلوب المستخدم من الاشخاص لصناعة دليل لأنفسهم تصرفا غير لائق اجتماعيا واخلاقيا ويمثل خرقا لحقوق الانسان لا سيما وان المادة ٢١٣ / أ الاصولية حددت الادلة المشروعة في الاثبات الجنائي صراحة فيكون هذا الدليل مرفوضا وفقا للتشريع العراقي وان المادة ٤٠ من الدستور تمنع التعدي على الاتصالات باي شكل من الاشكال ولا يجوز مراقبتها او التنصت عليها او الكشف عنها الا لضرورة قانونية وامنية وبقرار قضائي.

وان قرارات القضاء العراقي التي اشارت الى عدم اعتماد التسجيل الصوتي كدليل من أدلة الإثبات الا في حدود ضيقة وفي جرائم معينة تمس امن المجتمع هي قرارات ان دلت على شي فانما تدل على الفهم الواسع والفلسفي للقاعدة الاخلاقية وسموها على القاعدة القانونية حيث ان قرارات محكمة التمييز اشارت الى عدم اعتماد هذا الأسلوب الا في اطار ضيق وفي كشف الجرائم الخطيرة جدا كالقتل والاتجار بالمخدرات وغسيل الاموال والاتجار بالبشر وجرائم الارهاب والجرائم الماسة بأمن الدولة الداخلي او الخارجي وغيرها وان يكون ذلك بعد الاستعانة بخبير اصوات لمطابقة صوت المتهم مع الصوت المسجل وبشروط ان يكون الصوت واضحا وغير متقطع مما يدل على ان القضاء العراقي يعتبر التسجيل الصوتي مجرد قرينة تقوي الدليل او تضعفه.

لذا تبقى القاعدة الاخلاقية المتمثلة بعدم جواز التنصت على المحادثات الشخصية هي الاولى بالحماية لاسيما وان هناك معلومات واتصالات تتضمن معلومات شخصية وعائلية تمس شخص المتحدث ولا يمكن اهمال الجوانب الشخصية في التسجيل لان ذلك سيؤدي الى تقطيع الصوت ويفقد التسجيل الصوتي قيمته القانونية لذا فقواعد الاخلاق لا تجيز استخدام الحيل والخداع واستدراج المتحدث وقيامه بالحديث في امور تحت تأثير هذا الغش مما يجعل هذا الدليل مشوب بعيوب مؤثرة فيه لاسيما وان الغش والخداع من الوسائل غير المشروعة التي يتم بواسطتها الحصول على اعتراف المتهم والتي اشارت اليها المادة ١٢٧ الاصولية.

اذن تبقى القاعدة الأخلاقية أسمى شأنا من القاعدة القانونية واوسع نطاقا منها كما ان القواعد الأخلاقية أكثر تشددا لاسيما وان القاعدة القانونية تهدف الى تنظيم المجتمع وحماية المصلحة العامة والنفع العام وللوصول الى هذه الغاية قد تتقبل القاعدة القانونية امورا لا يمكن ان تتقبلها قواعد الاخلاق التي تهدف الى السمو بالفرد والوصول بالمجتمع الى الكمال.