التفاصيل
العدالة والرحمة عند إصدار الأحكام

العدالة والرحمة عند إصدار الأحكام

القاضي وائل ثابت الطائي

2022-09-22 08:09:00

عبارة ذكرها فقهاء القانون في شروحاتهم، وصاغتها أقلامهم بألفاظ جميلة ذات دلالات معبرة، وهي عبارة (العدالة فوق القانون والرحمة فوق العدالة) وهذه العبارة تحوي مفاهيم ثلاثة مترابطة مع بعضها البعض في جانبها النظري والعملي والفلسفي ولها معان وأبعاد عميقة، وهي في النهاية تتفقُ مع الأهداف التي أرادها المشرع ويعمل من أجلها القضاء، فما هي العدالة ؟ وما هي الرحمة ؟ وكيف يُمكن تطبيق القانون وفق هذين المفهومين ؟

إن العدالة هي الإنصاف وتحقيق المساواة وهي خلاف الجور والظلم، وهي من المفاهيم الأساسية في فلسفة الأخلاق وفلسفة الحكم، بل هي من أوسع المفاهيم المطروحة في الحياة لها تشعباتها في المجالات كافة، فهناك العدالة الاجتماعية التي ينبغي أن تنال جميع الأفراد من خلال استحقاقهم لحاجاتهم على مقدار جهودهم، وهناك العدالة السياسية والتي تعني إرساء الحريات والمساواة وفقاً للحقوق الطبيعية وضمانها من خلال الدستور، وهناك العدالة الاقتصادية التي تتحقق بتوزيع عادل للثروات وفق نسب تتناسب مع العمل والإسهام في الإنتاج، مع هذا المفهوم الواسع للعدالة نركز على العدالة الجنائية التي تظهر معالمها في العمل القضائي حيث يسعى القاضي إلى تحقيقها في المنازعات المعروضة عليه باعتبارها غاية أساسية لأجل إنصاف المظلوم وإعطاء الحق لصاحبه، فالعدالة في القضاء هدف لا حياد عنه بدونه يفقد القانون قيمته ويفقد القضاء سمعته، أما الرحمة، في مفهومها العام، تعني الرأفة وحسن التعامل مع الآخرين من خلال تقديم المساعدة لهم وغض النظر عن إساءتهم، فهي كلمة جامعة تعبر عن رقة القلب وطيب المشاعر وحُسن السلوك.

إن العدالة التي نُريدها هي عدالة الإنصاف والمساواة دفعاً لكل جور وظُلِم، والرحمة التي نبتغيها هي الرأفة وحسن التعامل، ومعهما معاً نصدر حكماً عادلاً من خلاله نعطي لصاحب الحق حقه، حكم يستند إلى نص القانون وصوت الضمير لا لحكم العاطفة والمشاعر المزيفة.

إن نشاط القاضي عند تطبيقه لأحكام القانون في النزاعات المعروضة أمامه ليس نشاطاً منشأ، فهو لا يُوجد قاعدة قانونية بل يسعى إلى تطبيق هذه القاعدة على الواقعة محل النزاع وفقاً لما يمليه عليه ضميره، وهو إذ يفعل ذلك إنما يسعى إلى تحقيق العدالة في أحكامه لكونها الهدف الأسمى الذي يقصده والهدف الأدبي الذي يسعى إلى تحقيقه، فمن خلال عدالة العقوبة في إيقاعها وتقديرها أو في نفاذها أو إيقافها يستطيع الوصول إلى رضا مجتمعي ساخط على الجاني مرتكب الجريمة وكذلك رضا المجنى عليه أو ذويه، لذلك فإن العدالة في العقوبة والرحمة في فرضها وإيقاعها يجب أن تكون نابذةً لفكرة الانتقام ومشتملةً على أخلاقيتها باعتبارها وسيلة لتحقيق الردع والزجر ودفع الضرر.

لقد ذهب أحد فقهاء القانون إلى القول : (يجب على القاضي الناقد البصير أن يُطوع نصوص القانون لمعنى العدالة فيما يُعرض عليه من أقضيةٍ), إن هذه العبارة تبين لنا أن الوصول إلى الحكم العادل يتطلب من القاضي دراسة وقائع النزاع دراسةً موضوعية دون إجراء أي تعديل أو إضافة مع معرفة كافة الظروف والملابسات ويحيط بظرف الجاني وظرف المجنى عليه، ويفهم النص القانوني الواجب التطبيق على موضوع الدعوى ومن خلال كل هذا النشاط يُمارس سلطته التقديرية التي منحها له المُشرع، ولكي نقرب الفكرة إلى ذهن القارئ نقدم هذه الواقعة من القضاء الامريكي ونلخصها:

 سرق أحد الأطفال رغيف خبز وقطعة جبن من أحد الأسواق وقبل الخروج شاهده صاحب السوق فأراد الطفل الهروب إلا انه لم يتمكن فحطم بعض الرفوف عند محاولته الهرب ولكن أُمسِكَ به وتم تسليمه إلى مفارز الشرطة متلبساً بجريمته، قاضي المحكمة أثناء المحاكمة وجه إليه عدة أسئلة توصل من خلال أجوبة الطفل أنه يتيم الأب ووالدته مريضة راقدةً في البيت وهو المعيل لها ويعمل في غسل السيارات في احد الكراجات وقد طُرد من العمل لتغيبه في احد الأيام، ولم يعد له مورد للعيش، فحاول السرقة لأجل إطعام أمه المريضة، القاضي بعد أن تأكد من صدق الحديث الذي أدلى به الطفل صرح أمام الحاضرين في الجلسة إن انحراف هذا الطفل بارتكاب السرقة مسؤوليتنا جميعاً فقرر أن يُقدم كُلِ واحدٍ من الحاضرين مبلغ عشرة دولار، والقاضي كان أول المساهمين، تُدفع إلى الطفل، وَحَكَمَ بغرامة مائة دولار على صاحب السوق، هذا الحكم على رغم من المؤاخذة على بعض ما جاء فيه إلا أن القاضي أراد من خلاله تحقيق العدالة والرحمة التي ترسخت في ضميره ووجدانه وعقله، ولنا أن نسأل هل يُمكن في قضائنا العراقي أن نُطبق هذا الحكم بالكيفية ذاتها أو مثلها أو قريباً منها؟

إننا نستطيع أن نطبق العدالة بطريقة مختلفة ليس بذات الطريقة التي صدر فيها من القضاء الأمريكي، المشار إليه سابقاً، لأنه قضاء لا يعمل بالنص القانوني وإنما يأخذ بالسابقة القضائية فلا يمكن استخدام منهجيته في إصدار الأحكام وإنما نستخدم المنهجية القانونية التي وضعها المشرع الوطني في قوانيننا النافذة، فقانون العقوبات قد أجاز للقاضي استخدام عدة وسائل ووضعها تحت يديه لكي يسير بالنص القانوني إلى تطبيق عادل ومن هذه الوسائل اختيار نوع العقوبة ففي كل نص قانوني وضع المشرع أكثر من عقوبة واحدة وأعطى الصلاحية في فرض إحداهما أو الجمع بينهما، أو سلطة القاضي في تحديد مقدارها بين الحد الأدنى والحد الأعلى المنصوص عليه أو عن طريق إعمال الظروف القضائية المخففة أو الأعذار القانونية أو استخدام صلاحية في تطبيق نظام وقف تنفيذ العقوبة وغيرها من الوسائل الأخرى التي ذكرت بنص القانون.

إن العدالة في إصدار الأحكام لا تعني دائماً الرفق بالمتهم الذي تثبت إدانته بل ممكن أن نطبقها عند فرض عقوبة صارمة وشديدة على الجاني وذلك عندما نكون أمام جريمة خطرة وبشعة أو عندما نكون أمام شخصية إجرامية تُشكل تهديداً للأمن والمجتمع.