التفاصيل
النظام القانوني لعقد البوت ( ‏B.O.T‏)‏

النظام القانوني لعقد البوت ( ‏B.O.T‏)‏

القاضي حبيب إبراهيم حمادة

2022-09-22 08:11:00

مصطلح البوت (B.O.T) هو مختصر لثلاث كلمات انكليزية بمعنى البناء (BUiLD) والتشغيل (OPERATE) ونقل الملكية (TRANS FER), وهو من الانظمة الحديثة التي شاع العمل بها في ثمانينات القرن الماضي في مجال الاستثمار الاقتصادي المحلي والأجنبي، وتم استخدامه للمرة الاولى من قبل الرئيس التركي السابق توركت اوزال عند تنفيذ مجسر البوسفور في تركيا  من خلال فسح المجال امام شركات القطاع الخاص لغرض انشاء مشاريع ضخمة في البنى التحتية للدولة.

ويعرف عقد البوت بأنه عقد يبرم بين الحكومة (الجهة الإدارية) وبين إحدى الشركات الوطنية او الاجنبية بغية إنشاء احد المرافق العامة كالمطارات او الموانئ او المواصلات او الطرق او الكهرباء او المجمعات السكنية وغيرها، وتقديم الخدمات العامة للجمهور من قبلها وتسمى شركة المشروع، وبنفقات تدفع من قبلها، على ان تقوم تلك الشركة بإدارة المرفق العام وتشغيله للمدة المحددة في العقد لقاء حصولها على عائدات المرفق من المنتفعين تغطي تكاليف إنشائه مع تحقيق ارباح اضافية وتحت رقابة واشراف الحكومة اثناء مدة التشغيل على ان يتم نقل ملكية المشروع للجهة الادارية بعد انتهاء المدة وهو بحالة جيدة وقابل للاستمرار بالعمل في تقديم الخدمات للجمهور، كما عرفته لجنة الامم المتحدة للقانون النموذجي ( الاونسترال) بانه شكل من اشكال تمويل المشاريع تمنح بمقتضاه حكومة ما لفترة من الزمن احدى الاتحادات المالية تدعى شركة المشروع امتيازاً لتنفيذ مشروع معين وعندئذ تقوم شركة المشروع ببنائه وتشغيله وادارته لعدة سنوات فتسترد تكاليف البناء وتحقق أرباحاً من تشغيل المشروع واستثماره تجارياً وفي نهاية مدة الامتياز تنتقل ملكية المشروع الى الحكومة.

والتعاقد عن طريق البوت يحقق عدة ايجابيات التي يمكن إيجازها بالاتي :

1- انه يؤدي الى انشاء مشاريع ضخمة في البنية الاساسية او تحسينها او تطويرها دون ان يترتب على ذلك زيادة العبء على الموازنة العامة للدولة باعتبار ان انشاء المرفق العام وتمويله وادارته انما يتم من قبل القطاع الخاص لذا يتم اتباع هذه الطريقة عادة من قبل الدول التي تعاني من العجز في الموازنة العامة.

2- تبرز اهمية عقد البوت من خلال ادخال استثمارات جديدة داخل الدولة خاصة عندما يكون التعاقد مع الشركات العالمية، الامر الذي يترتب عليه تخفيف العجز في الموازنة العامة والاستغناء عن الاقتراض الداخلي او الخارجي وتحريك رأس المال الداخلي والخارجي وجلب العملة الاجنبية داخل الدولة.

3- يترتب على التعاقد بطريق البوت خلق فرص عمل جديدة داخل الدولة وذلك من خلال الاشتراط على الشركة المتعاقدة من وجوب استخدام الأيدي العاملة المحلية في انشاء وتشغيل المشروع الامر الذي يؤدي الى تخفيف حدة البطالة.

4- يساعد نظام البوت على نقل التكنولوجيا الحديثة وتدريب العاملين عليها وذلك من ضمن التزامات الشركة المتعاقدة والذي يعرف بحق المعرفة وتدريب العاملين عليها كما يترتب عليه جلب المعدات الفنية الحديثة التي تستخدم في انشاء المشروع والذي سيتم نقل ملكيته لاحقا الى الإدارة.

5- يؤدي التعاقد عن طريق البوت الى نقل عبء التمويل المالي والمخاطر الفنية التي يمكن التعرض لها اثناء البناء او التشغيل من القطاع العام الى القطاع الخاص بالشكل الذي يفسح المجال امام الحكومة الى توجيه الانفاق في الموازنة العامة الى الخدمات الاجتماعية التي لا يمكن ان تحقق مردود اقتصادي كالصحة والتعليم.

وقد اختلف الفقه القانوني بشأن الطبيعة القانونية لعقد البوت اذ اتجه بعض الفقه الى تكييف عقد البوت كونه من عقود الادارة العادية والخاضعة لاحكام وقواعد القانون الخاص اذ ان متطلبات التجارة الدولية توجب على الحكومة النزول الى منزلة الاشخاص العاديين عند ابرام العقد ولا يمكن للجهة الادارية ان تضمنه الشروط الاستثنائية كما هو الحال في العقد الاداري، سيما ان المتعاقد مع الادارة قد يكون من الشركات الأجنبية الامر الذي يوجب الوقوف على قدم المساواة معها عند التعاقد ولا يمكن للجهة الادارية تعديل العقد بارادتها المنفردة كونه يخضع لمبدأ العقد شريعة المتعاقدين بينما اتجه اغلب فقهاء القانون الاداري الى اضفاء الصفة الادارية لعقد البوت كونه يمثل صورة حديثة لعقد التزام المرافق العامة من حيث توافر كافة شروط واركان العقد المذكور فيه، من حيث ان الغاية منه هو انشاء وتشغيل احد المرافق العامة بغية تقديم الخدمات للجمهور كما ان للجهة الادارية تضمين العقد شروطا استثنائية . في الوقت الذي اتجه فيه جانب من الفقه الى اضفاء الطبيعة الخاصة لعقد البوت, بحيث يتعذر معه وضع قاعدة عامة لتحديد فيما اذا كان العقد من عقود القانون العام والخاص .

ولا بد من الاشارة ان عقد البوت يرتب حقوقا والتزامات متقابلة للطرفين, اذ يلتزم المتعاقد مع الادارة بالتنفيذ الشخصي للعقد ووفقا للمدة المحددة لانشاء وتنفيذ المشروع والتزامه بنقل ملكيته للجهة الادارية بعد انتهاء العقد وهو صالح للاستعمال، وذلك كله لقاء حصوله على المقابل المالي المناسب عند تشغيل المشروع وحقه في اعادة التوازن المالي للعقد مع التعويض ان كان له مقتضى وفقا لنظرية الظروف الطارئة او نظرية عمل الامير في الوقت الذي تلتزم فيه الحكومة بسرعة اصدار القوانين لتنشيط الاستثمار الاجنبي وتسهيل الجوانب الادارية لتنفيذ المشروع وتوفير الحوافز والامتيازات الحكومية كما ان لها حقوقا تتمثل في حق الرقابة والاشراف على المشروع وحقها في تملكه بعد انتهاء العقد .

وفي حالة حصول النزاع بين الطرفين، فان عقد البوت يتضمن عادة الطرق الواجب اتباعها لفض تلك المنازعات ومن ضمنها التفاوض او التوفيق او الوساطة او الخبرة الفنية، كما يتم اللجوء اغلب الاحيان الى طرق التحكيم لانتهاء تلك الخلافات دون الحاجة الى اللجوء الى المحاكم الوطنية او الدولية.

واذ كنا قد عرضنا للنظام القانوني لعقد البوت بصورة موجزة, ونظراً لأهمية العقد وشيوع التعامل به على نطاق واسع في الدول النامية وغير النامية, ولما تتميز به من مميزات ايجابية فان هنالك حاجة ملحة للعمل بها وتطبيقها في العراق في الوقت الراهن من قبل الحكومة المركزية او الحكومات المحلية سيما بعدما تبين فشل المشاريع المنفذة بالطرق الاخرى في الفترة الماضية وما رافقتها من شبهة الفساد في الكثير منها.