التفاصيل
منتجات مجرمة

منتجات مجرمة

القاضي ناصر عمران

2022-09-22 08:22:00

لم يدر في خلد واضعي الدستور العراقي الدائم لعام 2005، حجم الرؤى الفقهية والقانونية التي ستنهال على نصوصه الدستورية، سواء من خلال الدراسات الأكاديمية او من خلال التعاطي مع النصوص في ميدان المران التطبيقي، وقد زاد من حجم هذا الكم، ما حفلت به الساحة السياسية العراقية من خلافات ألقت بظلالها على نصوص الدستور، وبالرغم من ان هذه الخلافات فجرت الطاقة الكامنة التي احتوتها هذه النصوص الا ان الكثير منها وقف عاجزاً عن ايجاد الحلول امام المستجد من الخلافات التي اتخذت من نصوص الدستور ذاته ميدانا لها، وزاد الطين بلة، التصدي اللامسؤول للأشخاص غير المختصين في الشأن الدستوري، وما اكثرهم في ظل مناخات الحرية الإعلامية المنطلقة بدون قيود أو اعتبارات مهنية فضلاً عن الحدود القانونية، الأمر الذي أنتج رأيا إعلامياً مشوشاً على جميع المستويات، وبدت اسقاطاته واضحة على المستوى الشعبي، ولعل استغلال مواقع التواصل الاجتماعي في توجيه الرأي العام والتلاعب به بالتوجه حسب رغبات وأهداف إدارات المواقع التي تمتلك الدراية التقنية والحرفية الإعلامية أفقدت المواطن الكثير من الاعتبارات التي كان يقيم لها وزناً في تعامله اليومي، فاختفت بشكل ممنهج الكثير من المحددات التي كانت ترسم سلوكاً اجتماعياً او دينياً او ثقافياً للفرد والجماعة ضمن البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها، مع الإشارة الى ان هناك مؤسسات إعلامية ومواقع الكترونية لها رسالتها وأداؤها الايجابي الساعي لبناء مجتمع جديد قادر على معالجة السلبيات بروح الايجابية التي يمتلكها متعكزاً على معتقدات واعراف وتقاليد ورؤى فكرية ودينية واجتماعية، لكنها وفي ظل كل هذا الضجيج بدا صوتها خافتاً، ساعد ذلك الامكانيات الهائلة للتطور التقني الذي اخترق بقوة كل المساحات والفضاءات ليصل الى الجميع بدون استئذان، وعليه شكلت العلاقة بين ثلاثية التعاطي التقني (الناشر والمتلقي والمنشور) ابجدية مهمة لابد من وجود ناظم قانوني لها يحدد مديات التجريم دون ان يأكل من جرف حرية التعبير وهذا الامر ليس بالهين، فلم ينجح مجلس النواب في تمرير قانون ينظم حرية التعبير عن الرأي وحرية الصحافة والطباعة والاعلان والاعلام والنشر وحرية الاجتماع والتظاهر السلمي والذي اوجبته المادة (38) الدستورية الامر الذي وجدنا اسقاطاتها حاضرة والتي تداعت وتتداعى عن جرائم متنوعة لم تكن موجودة بشكلها الحالي الذي شكل ظاهرة فجرائم الانتحار اضافة الى الجرائم العنف الاسري والمجتمعي وجرائم القتل وجرائم المخدرات والتي وجدت في التطور التقني للاتصالات سبباً باستشرائها تارة ومسرحا لها تارة أخرى.

 إن هذه المنتجات الاجرامية شكلت ثقلاً كبيراً على العمل القضائي الذي وجد نفسه في خضم التداعيات معالجاً حيناً ومنظماً حيناً آخر وفي أحيان كثيرة موجهاً اضافة الى عمله في التصدي للجرائم وإنزال العقوبات المناسبة بحق المجرمين وتحقيق الردع العام. ان الحاجة الى وجود ضابط قانوني لهذه المواقع وما يرشح منها اصبح حاجة ملحة تفرضها الضرورات الاخلاقية والاجتماعية فضلا عن الدينية والقانونية.