التفاصيل
استقلال القضاء / حسن العكيلي

استقلال القضاء / حسن العكيلي

2010-12-30 01:00:00

المقدمة

تقوم الدولة الحديثة على وجود سلطات ثلاث تمارس أدوار مختلفة بحسب ما تنص عليه نصوص الدستور من اختصاصات بيد أن تلك المهام قد تبدو متداخلة حيناً ومتقاطعة حيناً اخر .ومن شأن هذا التداخل او التقاطع أن يزيل التمايز بين السلطات مما قد يضعف من أهمية توزيع الاختصاصات القائمة على أسس كثيرة لعل أهمها هو الوصول الى حسن الأداء الحكومي في الدولة وضمان سيادة القانون وحماية الحقوق والحريات وهكذا نجد أن السلطة التنفيذية تمارس المهام والاختصصات التنفيذية في الدولة منها الادارية والمالية وتنفيذ القوانين كما نجد ان السلطة التشريعة تمارس المهام التشريعية والرقابية في بعض الانظمة السياسية وفي الوقت نفسه توجد السلطة القضائية وهي تمارس مهمة تطبيق القوانين وحسم النزاعات والرقابة  وبالرغم من ان الدساتير عادة ما تنص على وجود هذه السلطات بيد ان الملاحظ عليه ان تولي الاهتمام والحرص على تبيان تشكيل السلطتين التشريعية والتنفيذية وتفصل مهامها ما خلا السلطة القضائية حيث تكتفي الدساتير بتبيان الخطوط العامة والرئيسة في تنظيمها واختصاصاتها تاركة التفاصيل للقوانين وبالتالي فإن الدستور يترك السلطة القضائية مرهونة بيد السلطة التشريعية من زاوية تنظيمها ،فأما تأتي نصوص القوانين مفصلة بشأن تنظيم هذه السلطة وبيان اختصاصاتها او على العكس قد تاتي مختزلة والخشية تكون ان تأتي النصوص حاملة في طياتها جوازاً لتدخل السلطة التنفيذية بتنظيم السلطة القضائية وهكذا نكون امام احتمالات كثيرة بشأن تدخل السلطتين التنفيذية والتشريعية بعمل السلطة القضائية من النقطة المتقدمة يظهر مبدأ استقلال القضاء بوصفه من المبادئ الدستورية التي تجعل السلطة القضائية بعيدةعن احتمالات التدخل في اختصاصاتها من قبل باقي السلطات .لذا كان لزاماً توضيح ماهية مبدأ استقلال القضاء وتطوره وارتباطه بالحقوق والمبادئ الدستورية الأخرى وبيان استقلال القضاء عن باقي السلطات في الدولة ،ثم الاسترسال في بحث ضمانات الاستقلال

القسم الاول

ماهية مبدأ استقلال القضاء

للإحاطة بماهية مبدأ استقلال القضاء لابد من ان نوضح تعريفاً له وثم نبين حدوده ، ثم نحدد الأسباب التي تدعو الى تركيزنا على مبدأاستقلال القضاء دون غيره من سلطات الدولة

اولاً:- تعريفه

لعل هناك الكثير من التعاريف لغة واصطلاحا إلا أنني اميل الى التعاريف التالي بأنه   ))   قاعدة تنظم علاقة السلطة القضائية بغيرها من سلطات الدولة ،قائمة على اساس عدم التدخل من قبل باقي سلطات الدولة في امور القضاء وذلك بإعطائه سلطة دستورية مستقلة عن باقي السلطات)).

واذا كان التعريف المتقدم يركز على استقلال السلطة القضائية فإن الاستقلال لايتوقف عند هذا الحد بل يتعداه الى استقلال كل قاضي على حده وهكذا نكون امام مايعرف باستقلال القضاء والمقصود به انحصار الوظيفة القضائية بالقضاء وعدم تدخل السلطتين التنفيذية والتشريعية  كما نكون امام استقلال القاضي بعدم التدخل بعمله من اية جهة كانت بغية توجيه عمل القاضي بطريقة معينة أولتعرقل مسيرته أو لتعرض عن احكامه ،بمعنى أن استقلال القاضي يجعله متمتعاً بحرية اصدار الحكم بالمسائل المعروضة عليه بحيث يحكم استناداً الى الوقائع بموجب قانون بعيداً عن التدخل أو المضايقة أوالتأثير من جانب الحكومة او اية جهة أخرى او التدخل والتأثير الذي ينشأ بين القضاة انفسهم بسبب اختلاف المنصب الإداري فيما بينهم او اختلاف مستويات محاكمهم ،فالقضاة جميعهم مستقلون لا يتبع احداً منهم احداً اخر مهما علت درجته أو ارتفع مقامه فالاستقلال يكون بعدم تبعية القضاة لأي فرد كان سواءاً كان قاضيا ًأم لا مما يوجب عدم تجاوز الرئاسة الادارية حدود توزيع العمل لأن الرئاسة الإدارية بطبيعتها تفسد مضمون الاستقلال مهما تقيد نطاقها القانوني كما ان التبعية الرئاسية تنطوي على معاني القهر والاخضاع وتحد من قدرة المرؤوسين على الاستقلال برأيهم والنأي عن التأثير بتعليمات الرؤساء كما يجب ان يتمتع القاضي بالحصانة القضائية التي تعني عدم مقاضاته بدعوى مدنية لكلمات قيلت أو اعمال مارسها خلال ممارسته لعمله القضائي كما يجب ان يكون بعيداًعن الاعتقال العشوائي – بغير حالات الجرم المشهود إلا بموافقة مجلس القضاء.وقد عرف النظام الانكليزي استقلال القاضي من خلال منعه بالعمل في السياسة وان لاينخرط غيمجالات السياسة وعدم السماح لمشاعره السياسية ان تؤثر في حكمه كما انه ممنوع من الترشيح لعضوية البرلمان فضلاًعن ان رواتب القضاة تدفع من صندوق خاص مما يجعل القاضي مستقلاً مالياً عن الحكومة.

ثانياً:- حدوده

إذا كان مبدأ استقلال القضاء يعني تحصين السلطة القضائية من التدخل ،فهل هذا المبدأ يعني الانفصال التام للقضاء او التحرر المطلق له عن باقي السلطات ؟ربما تسهل الاجابة اذا حددنا فيما اذا كان استقلال القضاء وسيلة ام غاية بحد ذاتها ،فإذا ما قلنا انها غاية –جدلاً- فإننا قد نسمح بالتحرر المطلق او الانفصال التام للقضاء مما ينذر باستبداد محتمل للقضاء او ما يعرف بنشوء حكومة القضاة أما اذا قلنا أن الاستقلال وسيلة توصل لتحقيق أهداف اخرى من ابرزها سيادة القانون وحماية الحقوق والحريات فإن استقلال القضاء بهذا  الوصف لا يتعدى حدود عدم التدخل بشؤونه من قبل باقي السلطات من دون ان يصل الى الانفصال او الانعزال . فالاستقلال يعني عدم خضوع القضاء في تنظيمه إلا لسلطة القانون بحيث يكون عمل القضاء في سبيل إقرار الحق والعدل خاضعاً لما يمليه عليه القانون وضمير القاضي واقتناعه الحر السليم . استناداً لهذا فأن استقلال القضاء لايلغي علاقة السلطة القضائية بغيرها من السلطات ،سيما ان السلطة التشريعية تمارس دوراً مهما في تنظيم القضاء من خلال اصدار التشريعات ،كما أن السلطة التنفيذية تمارس دوراًغير قليل بما يختص بالشؤون الادارية لأعضاء الهيئات القضائية (في بعض الانظمة ومنها العراق قبل الغاء دستور 1970)

ثالثاً:-؟أسباب التركيز على مبدأ استقلال القضاء

لماذا تكون الدعوة بقوة الى تطبيق مبدأ استقلال القضاء ولا يدعى بالقوة نفسها الى استقلال السلطتين التشريعية والتنفيذية ؟بداية ينبغي القول ان مبدأ الفصل بين السلطات (الذي سيأتي بيانه )يكرس مفهوم الاستقلال لجميع السلطات بتحديده مهام محددة لكل منها ولايسمح بتدخل اية سلطة على صلاحيات الاخرى ،ولكن مبدأ فصل السلطات لم يكن حائلاً دون تدخل باقي السلطات في عمل السلطة القضائية بأشكال مختلفة، مما يجعل التركيز منصباً على تكريس مبدأ استقلال القضاء للاسباب الاتية :-

· ان السلطة القضائية تقف ازاء سلطتين أقوى منها فالسلطة التشريعية تمثل إرادة الشعب وتصدر تشريعات ملزمة للسلطة القضائية ولغيرها اما السلطة التنفيذية فتزاول اختصاصاتها من خلال إصدار قرارات تنظيمية وتكون مسؤولة عن تنفيذ القوانين فضلاً عن دورها في التدخل بتنظيم الجهاز القضائي وبالتالي نجد ان اختصاص السلطة التشريعية والتنفيذية ايجابياً في حين ان اختصاص السلطة القضائية سلبياً في الأعم الأغلب فهو يقتصر على تطبيق القانون في حالة الطلب من احد المتنازعين اي بمناسبة إقامة الدعاوى وبالتالي يتبين ضعفها إزاء باقي السلطات .

· إن طبيعة الوظيفة القضائية قائمة على تحقيق العدالة وحماية حقوق الافراد وحرياتهم و احترام القانون توجب عدم التدخل في عمل القضاء حتى يتمكن من تحقيق وظيفته وبخلافه فإن القضاء سوف لن يستطيع ممارسة مهامه مما يؤدي إلى حدوث الاضطراب في المجتمع وزعزعة الثقة بالقانون لدى الافراد.

· حيث ان القانون يمثل قوة الزام لأفكار سامية وموضوعية حيادية ولاتميل اي ميل طبقي أو عشائري أو حزبي أو شخصي إلا ان هذه الأفكار الملزمة لاتستطيع تطبيق نفسها بنفسها مما يتطلب وجود جهاز قضائي يتمتع بالمواصفات نفسها التي يتمتع بها القانون من سمو وموضوعية حيادية مما يستوجب التركيز والمناداة بضرورة استقلال القضاء.

· وكون القضاء يمثل الوسيلة المتاحة والسهلة للمواطنين للجوء اليه في عرض ظلاماتهم بمعنى أن القضاء يمثل في نظر الافراد الجهة الحيادية لذا فإن الإصرار والمناداة باستقلاله يعزز ثقة المواطنين بالدولة من جهة ومن جهة أخرى يولد الشعور لهم بالامان والطمأنينة والتفاؤل بوجود جهة مستقلة قادرة على حمايتهم سواء من الحكومة او المؤسسات او الافراد      

ولكن هل المناداة بهذا المبدأ تتوقف عند حد عدم تدخل باقي السلطات في عمل القضاء أم انه يحمل معنى متوازن ومتقابل اي وجوب عدم تدخل القضاء في عمل باقي السلطات ؟ ان القضاء يتمتع بالولاية العامة على الاشخاص والمنازعات في الدولة كافة لذا فان وظيفته هذه تستوجب مراقبة عمل السلطة التشريعية حيناً فيما يعرف بالرقابة على دستورية القوانين او النظر بعمل السلطة التنفيذية حيناً اخر عند الفصل في الخلافات التي تكون الحكومة ومن يمثلها طرفاً فيها او طرفا وحيداً فيها كالقضايا المتعلقة بالفساد الاداري على سبيل المثال.

القسم الثاني

التطور التاريخي لمبدأ استقلال القضاء

ان الإحاطة بمبدأ استقلال القضاء يستوجب معرفة تطوره عبر مراحل زمنية متتالية ....وكما يلي

اولاً:- التشريع الاسلامي

بالرغم من ان مبدأ استقلال القضاء والفصل بين السلطات تعود جذوره الى ارسطو وتجدد في القرون اللاحقة لذلك التاريخ في اوربا حيث وضعت العديد من الدساتير الضمانات لإقامة هذا المبدأ وتثبيته في نظام تنفيذه مثل عدم قابلية عزل القضاة وقواعد خاصة بترقيتهم ومرتباتهم وتأديبهم ومحاكمتهم و الى غير ذلك وذلك للحد من تأثير الحكومة عليهم لكننا نجد ان هذه الافكار قد اصلها ونظر لها الدين الاسلامي الحنيف عندما ارسى قواعد مبدأ استقلال القضاء وهذا ما نلاحظه يتجلى في التجربة الاسلامية بأسلوب الخليفة الرابع (ع) في القضاء حيث أبدع في منهجه القضائي في الممارسات القضائية وخير مثال على ذلك رسالته (ع) الى واليه على مصر مالك الاشتر حيث عدت تلك الرسالة نظرية متكاملة في استقلال القضاء بما فيها شروط استقلال القاضي ويتضح ذلك بقوله (ع) (ثم اختر للحكم بين الناس افضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الامور ولا تمحكه الخصوم و لا يتمادى في الزلة ولا يحصر من الفيء الى الحق اذا عرفه ولا تشرف نفسه على طمع ولايكتفي بأدنى فهم دون إقصاء واوقفهم في الشبهات واَخذهم بالحجج واقلهم تبرماً بمراجعة الخصم واصبرهم على تكشف الأمور واصرهم عند اتضاح الحكم ) هذه الشروط الاحد عشر هي ابجديات عمل القاضي الذي يجب ان يكون اكبر من القضايا المعروضة عليه لأحاطته الكاملة بها على ان لاتاخذه هيبة مجلس القضاءاو لا يصر على الخطأ إذا اكتشف الحقيقة بل عليه الاعتراف بهذا الخطأ اذا ما وقع والعدول عنه وفوق كل ذلك عليه ان لايضعف أمام مجمل الاغراءات من مال ومنصب وغيرها فهو حريص دوماًعلى تقصي أبعاد القضايا وحيثياتها وان لم يوجد نص او قانون نجده متأنياً موفقاً.اضافة لكل ذلك يجب ان يتحلى القاضي بنفس حساسة وذكاء متقد وشديد النباهة ولا يلبس الحق بالباطل دون ان يشعر وهكذا تقيد الخليفة الرابع (ع) بهذه الشروط العلمية عند اختياره للقضاة وكان (ع) يختبرهم قبل تنصيبهم كما فعل مع شريح قبل توليه القضاء الذي كان في امر الاستقلال بعيداًعن التأثيرات الخارجية

واكد الاسلام على جواز استدعاء الحاكم أمام القاضي الى جانب خصمه وهذا منتهى العدالة والاستقلالية والقوة في القضاء المستمدة من كون القاضي حامياً للقانون والعدالة التي تفرض سيادة القانون على اعلى سلطة في البلاد ....الدرع واليهودي هذا ما تفتخر به الدول التي وصلت الى مراحل متقدمة من التطور الديمقراطي والقانوني بعد ان كان الاف الاشخاص يبادون بأشارة من الحاكم او السلطان اصبحت السلطات القضائية قادرة على استدعاء الحكام ومقاضاتهم .....رومانيا

ولنا ان نفخر بان الاسلام أسس لاعظم نظام قضائي وسجل أفضل مواقف العدالة الانسانية و اروعها فقد كان لأي فرد بالمجتمع مقاضاة اعلى سلطة في البلاد و واجب على القاضي ان يساوي بين الخصمين وان كان احدهما شريفاً والاخر وضيعاً في النظر والكلام والسلام وفي ذلك قول الخليفة الرابع (ع) في كتابه لشريح ((ثم واس بين المسلمين بوجهك ومنطقك ومجلسك حتى لا يطمع قريبك في حيفك ولا ييأس عدوك من عدلك)) وقوله (ع) من ابتلي بالقضاء فليواس بينهم في الاشارة والنظرة والمجلس))

والمنهج الإسلامي يؤكد على احترام القضاة والإقرار بأحكامهم حتى لو كانت على حساب الحاكم نفسه على ان لايمنع ذلك من وجود من يراقب عمل القاضي في سلوكه ومدى أمانته في الحفاظ على أموال الناس وكذلك تعامله مع الخصم كونه إنسان لايختلف عن باقي البشر وفي ذلك عزل الخليفة الرابع (ع) ابو الأسود الدولي بعد أن ولاه قاضياً فقال أبو الاسود لم عزلتني وما خنت وما جنيت فقال له الخليفة ((اني رأيت كلامك يعلو كلام خصمك)) ورقابة القاضي لا تتناقض مع مبدأ استقلال القضاء بل هي داعم كبير لهذا الاستقلال إذا ما كانت الرقابة غرضها تقويم جوانب تطبيق القانون وتحقيق العدالة وان اتصف القاضي بالصفات المذكورة سلفاً وفوق ذلك إن مبدأ استقلال القضاء يحتم وجود الرقابة كونها الضمانة على عدم انحراف القاضي وعدم استغلاله للحرية الممنوحة اليه .واكد الاسلام على منح القاضي الرعاية الكاملة وان تأمين جميع متطلباته تمنع خضوعه للإغراءات والرشاوى وشعور القاضي بالقوة وعدم الحاجة الى الاخرين سيجعله حيادياً في اتخاذ الأحكام ولايكتفي الاسلام بالرعاية المالية بل يعتمد مبدأالرعاية المعنويةحتى يشعر القاضي باكتفائه الذاتي ولايحس بأنه اقل درجة أمام الآخرين مهما علت مناصبهم .من المبادئ التي يراها أكثر الفقهاء في استقلال القضاء هي عدم عزل القاضي بموت الامام او الخليفة حتى لايكون هذا المنصب شاغراً وتعطل المصالح ويختل النظام وسيتهدد الأمن وتسلب الطمأنينة من نفوس الناس مؤكداً عدم ارتباط القاضي بالسلطان او الحاكم بأي وجه من الاوجه

ثانياً:- الفقه الدستوري

إن مبدأ استقلال القضاء يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمبدأ الفصل بين السلطات لأن مقتضى هذا المبدأ ان يقوم القضاء بوصفه سلطة تقف على قدم المساواة بجانب السلطتين التشريعية والتنفيذية وأن تكون مستقلة عنها كي تمارس اختصاصاتها بحماية حقوق الافراد وحرياتهم بوصفها ضماناً على تلك الحقوق والحريات .... فكيف بدء مبدأ الفصل بين السلطات وتطور عبر العصور المتلاحقة من خلال كتابات فقهاء القانون:-

1.       دعوة ارسطو الى التمييز بين وظائف ثلاث هي وظيفة المداولة اي هيأة التشريع ،وظيفة الأمر وتعادل الهيأة التنفيذية ووظيفة العدالة اي القضاء

2.       قيام الفيلسوف اليوناني أفلاطون بوضع الأسس لستة هيأت مستقلة في وظائفها واختصاصها بدل من تمركز السلطات بيد واحدة وهذه الهيئات هي مجلس السيادة يمارس التنفيذ ومجلس الشيوخ يمارس التشريع والادارة وجمعية كبار المشرعين والحكماء تراقب تطبيق الدستور وهيأة قضائية وهيأة البوليس وهيأة الجيش

3.   ظهرت بوادر مبدأ الفصل بين السلطات خلال القرنين السادس عشر والسابع عشرعندما بدأت المحاولات للحد من الاستبداد بالسلطة وضرورة توزيعها على هيأت متعددة بحيث تختص كل هيئة بوظيفة محددة نظراً لتركيز السلطات بيد فرد واحد

4.   كتابات الفقيه الانكليزي (جون لوك) الذي نادى بفصل السلطتين التشريعية والتنفيذية في حين جعل السلطة القضائية جزءاً من السلطة التشريعية لكون البرلمان الانكليزي كان يعهد إليه مهمة فصل بالمنازعات

5.   نادى الفقيه الفرنسي (جان جاك روسو ) بالفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بيد انه جعل السلطة القضائية جزءاً من السلطة التنفيذية

6.   اما الفقيه الفرنسي (مونتسيكو ) فقد ارسى في كتابه (روح القوانين ) الصادر في عام 1748م دائم استقلال القضاء من خلال طرحه لنظرية الفصل بين السلطات المكرسة لضرورة وضع حدود معينة لكل من السلطات الثلاث واستقلال كل سلطة في عملها عن السلطة الاخرى وعدم وضع كل السلطات في يد واحده لان ذلك يؤدي إلى الظلم

ثالثاً:- دساتير الدول

ويعد مبدأ استقلال القضاء من المبادئ المستقرة في الدساتير حيث نص (34) دستوراً وطنياً على وجوب اجراء المحاكمة الجنائية أمام محكمة مستقلة ومحايده كما نص (104) دستور وطني اخر على وجوب استقلال وحياده بصورة عامة من دون الاشارة الى المحاكمات الجنائية وفي بعض الدول التي تأخذ بنظام المحلفين والقضاء معاً نص على وجوب استقلال المحلفين وحيادهم ايضاً كما وردت نصوص (21) دستوراً عربياً على المبدأ نفسه و وجوب عدم خضوع القاضي الا للقانون اما الدساتير العراقية المتلاحقة فقد عرف بعضها مبدأ استقلال القضاء بشكل يفتقر الى ضمانات تطبيقية في الواقع :-

·                   القانون الأساسي العراقي لسنة (1925) نص في م/ 71منه على(المحاكم مصونة من التدخل في شؤونها))

·        دستور 27/تموز /1958 نص في م/23 منه على   ))القضاة مستقلون لاسلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ولا يجوز لأية سلطة او فرد التدخل في استقلال القضاء او في شؤون العدالة وينظم القانون الجهاز القضائي ))

·        دستور29/نيسان/1964 نص في م/58 منه على ((الحكام والقضاة مستقلون لاسلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ولايجوز لأية سلطة التدخل في استقلال القضاء او في شؤون العدالة وتنظيم السلطة القضائية بقانون))

·                   دستور 21/ايلول/1968 نص في م/79 على نص مطابق للدستور السابق له

·                   دستور16/تموز/1970 نص في م/63 الفقرة (أ) منه على ((القضاء مستقل لاسلطان عليه لغير القانون))

·        قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية لسنة 2003 في م/43 الفقرة (أ) منه على ((القضاء مستقل ولا يدار بأي شكل من الاشكال من السلطة التنفيذية وبضمنها وزارة العدل ويتمتع القضاء بالصلاحية التامة حصرا ًلتقريربراءة المتهم او ادانته وفقاً للقانون من دون تدخل السلطتين التشريعية او التنفيذية)) واهم ما يلاحظ ان هذا الدستور قد كفل الاستقلال الإداري للقضاء كما كفل الحصانة القضائية للقاضي اي اعتمد ركن استقلال القاضي الذي يعد ركناً أساسا من أركان مبدأ استقلال القضاء

·        دستور حمهورية العراق لسنة 2005 فقد نص في م/87منه على ((السلطة القضائية مستقلة وتتولاها المحاكم على اختلاف انواعها ودرجاتها وتصدر احكامها وفقاً للقانون )) وهذا النص يكرس مبدأ استقلال القضاء كما نص في م/88 على ((القضاة مستقلون ولا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ولا يجوز لأية سلطة التدخل في القضاء او في شؤون العدالة ))والدستور في هذه المادة يكرس استقلال القاضي كما يكرس مسألة ارتباط القضاء بمجلس القضاء الاعلى وليس بوزارة العدل

رابعاً:- القانون الدولي

لقي مبدأاستقلال القضاء اهتماماً دولياً ملحوظاً نظراً لخطورة رسالة القضاء واهميتها في سبيل اعلاء كلمة القانون وحماية حقوق الإنسان وقد تجسد ذلك الاهتمام المتزايد بما حفلت به المواثيق الدولية العالمية والاقليمية والمؤتمرات الدولية من نصوص وقرارات وتوجيهات تؤكد مبدأاستقلال القضاء ويمكن اجمال هذا الاهتمام الدولي بما ياتي:

·        الاعلان العالمي لحقوق الانسان المعتمد بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بالقرار 217 في10/كانون أول /1948 نص في م /10 منه على :- ((لكلَ إنسان الحق على قدم المساواة التامه مع الاخرين في ان تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة نظراً عادلا علنياً للفصل في حقوقه والتزاماته وأية تهمة جنائية توجه اليه)) وتقرر المادة اعلاه ان نزاهة القضاء واستقلاله حق من حقوق الإنسان الأساسية أكثر من كونها امتيازاً للسلطة القضائية

·        الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية المعتمدة من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في 16/كانون الاول 1966 التي بدأ نفاذها من 23/اذار/1976 حيث نص في م/14 الفقرة (1) على   ))أن جميع الأشخاص متساوون أمام القضاء ولكل فرد الحق عند النظر في أية تهمة جزائية توجه إليه او في حقوقه والتزاماته في أية دعوى مدنية تكون قضيته محل نظر منصف و علني من قبل محكمة مستقلة حيادية منشأة بحكم القانون

·        وعلى المستوى الاقليمي فقد نصت الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان التي أبرمت في روما 1950وأصبحت نافذة في عام 1953 في م/6 الفقرة (1) على المبدأ نفسه وكذلك الاتفاقية الامريكية لحقوق الإنسان التي اصبحت نافذة عام 1978فقد نصت في م/8 الفقرة (1) على المبدأ ذاته

·        كما ورد في مقررات الأمم المتحدة المقرر السابع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين في 26/اب/1985 وإعلان بيروت للعدالة الصادر عن المؤتمر العربي الأول في بيروت عام 1999 تأكيد مبدأ استقلال القضاء وكذلك المؤتمر العالمي لاستقلال العدل المعقود في مونتريال عام 1983 فقد رسخ المبدأ نفسه

·        البيان العالمي لحقوق الانسان في الاسلام الصادر عن المجلس الإسلامي المنعقد في باريس في 17/أيلول 1981 الذي جاء في صياغته   ))حق الفرد ان يلجأ الى سلطة شرعية تحميه تنصفه وتدفع عنه مالحقه من ضرر او ظلم وعلى الحاكم المسلم ان يقيم هذه السلطة ويوفر لها الضمانات الكفيلة بحياديتها واستقلالها))

إن الاهتمام الدولي المتزايد بموضوع استقلال القضاء الذي لايقف عند الامثلة التي اوردناها يوكد ابتعاد المطالبة بمبدأ استقلال القضاء عن نطاق الدولة او دول بعينها وإنما هي مطالبة عالمية واسعة تتزايد يوماً بعد يوم لكونها ترتبط بضمان الحقوق والحريات وسيادة القانون واستقرار المجتمع الى غير ذلك من المواضيع المتصلة بهذا المبدأ

القسم الثالث

ارتباط مبدأ أستقلال القضاء بالحقوق

والمبادئ الدستورية

يعد استقلال القضاء مبدأ واسعاً بحيث يرتبط بالعديد من الحقوق والمبادئ الدستورية الأخرى كما في الامثلة الاتية :-

اولاً:- ارتباط استقلال القضاء بالحقوق الدستورية

أن اول ما يمكن استحضاره بهذا الصدد هو ارتباط استقلال بحق التقاضي وحق اللجوء الى القاضي الطبيعي بوصفها من الحقوق الدستورية الثابتة التي يتمتع بها الافراد وتعد من حقوق الانسان الرئيسة

·        حق التقاضي :لاتخلو الدساتير في العالم من النص على حق التقاضي ومنها دستور جمهورية العراق لعام 2005 في م/12 الفقرة ثالثاً التي نصت على   ))التقاضي حق مصون و مكفول للجميع)) وحق التقاضي يعني حق الافراد في الالتجاء الى القضاء فيما يدعونه من حقوق وهو من الحقوق التي جاءت نتيجة استئثار الدولة بالفصل بالخصومات وتحقيق العدالة العامة بدلاً من أخذ الأفراد حقوقهم ودفع خلافاتهم بأنفسهم وتحقيق العدالة الخاصة وهكذا تبدو العلاقة وثيقة بين حق التقاضي ومبدأ استقلال القضاء ما دام القضاء هو الحصن الذي يلوذ به الأفراد لأخذ حقوقهم ودفع ظلاماتهم ولكي يقوم القضاء بهذه المهام يجب ان يكون مستقلاً وعادلاً بمعنى أن استقلال القضاء هو بالوقت عينه حفاظاً لحق الافراد بالتقاضي والعكس صحيح فبالقدر الذي يحدث اي تصرف او يصدر تشريع يحول بين الافراد وحقهم بالتقاضي فإنه يعد اعتداء مساساً باستقلالية القضاء

·        حق اللجوء للقاضي الطبيعي :القاضي الطبيعي :هو القاضي المختص قانوناً بنظر الدعاوى ولايكون قاضياً استثنائياً او مؤقتاً لدعوى معينة بالذات بحيث يعين لنظر تلك الدعوى فقط وينتهى دوره بأنتهائها

ويعد حق الانسان في اللجوء الى قاضيه الطبيعي من الحقوق الطبيعية اللصيقة بالإنسان الذي أكدت عليه المواثيق الدولية والاقليمية بالرغم من انها لم تنص على مصطلح القاضي الطبيعي باللفظ نفسه كما ان قسماً من الدساتير تنص على هذا الحق باللفظ نفسه مثل الدستور المصري لعام 1971 في م/68 منه نصت على ((لكل مواطن حق الالتجاء الى قاضيه الطبيعي )) الا ان من الدساتير ما يشير الى أحد العناصر التي تشير الى كفالة حق التقاضي أمام القاضي الطبيعي كما حصل مع دستور جمهورية العراق لسنة 2005.

ولكن ماهي العناصر التي تشير الى كفالة حق التقاضي امام القاضي الطبيعي ؟ لكي نكون أمام دستور يكفل حق التقاضي أمام القاضي الطبيعي يجب أن تتوفر إحدى العناصر الاتية :-

1.       ان تكون المحكمة مشكلة بموجب قانون وليست مشكلة من السلطة التنفيذية لانها لو كانت كذلك فستكون خاضعة للسلطة التي شكلتها وقد نص دستور جمهورية العراق لسنة 2005 في م/96منه على هذا العنصر عندما نصت على :- ((ينظم بقانون تكوين المحاكم وانواعها و درجاتها واختصاصاتها وكيفية تعيين القضاة وخدمتهم و اعضاء الادعاء العام وانضباطهم و احالتهم على التقاعد))

2.                 ان تكون المحكمة مؤسسة قبل اقامة الدعوى لكي يمكن الاطمئنان الى استقلالها وحياديتها

3.       ان تكون المحكمة دائمة غير استثنائية او غير مرتبطة بظروف وأحوال معينة ونص دستور جمهورية العراق لسنة 2005 على هذا العنصر في م/95 منه التي نصت :- ((يحظر انشاء محاكم خاصة او استثنائية ))

4.       ان تتوافر لقضاة المحكمة الضمانات اللازمة اي ان يتم إحاطتها بحصانة قضائية و نص دستور جمهورية العراق لسنة 2005 على هذا العنصر في م/97 منه على :- ((القضاة غير قابلين للعزل إلا في الحالات التي يحددها القانون كما يحدد القانون الاحكام الخاصة بهم وينظم مسائلتهم تأديبياً ))

و لكن ما هو الارتباط بين استقلال القضاءوحق اللجوء الى القاضي الطبيعي؟ أن منع الافراد اللجوء الى القاضي الطبيعي سواء بإجراء محاكمتهم أمام هيأت قضائية لاتتوفر فيها الضمانات القضائية من الاستقلال والحياد والنزاهة او هيأت قضائية أستثنائية خاصة او وقتية يمثل اعتداء على سلطة القضاء واستقلاله فالقضاء هو القيم على كفالة الحقوق والحريات والحامي لها لذا يجب ان يكون قضاء ًيتوفرفيه الضمانات الكافية لكي يمارس دوره المطلوب وهو لايكون كذلك مالم يكن قضاءً طبيعياً لكي يكون قضاء ًمستقلاً و حيادياً.

وقد أوضحت المحكمة الدستورية العليا في مصر في قضايا عديدة إن حق الأفراد بمحاكمة منصفة مرتبطة باستقلال القضاء وحياده حيث قررت في القضية رقم (5) لسنة (15)قضائية في 20/5/1995 أن الحق في المحاكمة المنصفة قد كفله الاعلان العالمي لحقوق الانسان ويرتبط تحقيقه بتشكيل المحكمة وقواعد تنظيمها وطبيعة القواعد الإجرائية المعمول بها كما قررت في القضية رقم (133) لسنة (19) قضائية في 4/3/1999 ان حق التقاضي مؤداه أن لكل خصومة في نهاية مطافها حلاً منصفاً يمثل الترضية القضائية التي يقتضيها رد العدوان على الحقوق المدعى بها وتفترض هذه الترضية أن يكون مضمونها موافقاً لأحكام الدستور وهي لا تكون كذلك إذا كان تقريرها عائداً الى جهة أو هيأة تفتقر الى استقلالها او حياديتها او هما معاً وذلك إن هاتين الضمانتين تعدان قيداً على السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق ومن ثم يلحق البطلان كل تنظيم تشريعي للخصومة القضائية على خلافها كما أوضحت المحكمة في القضية رقم (81)لسنة (9) قضائية في جلسة 6/2/1999 إن الحق في التقاضي ثلاث حلقات هي تمكين كل متقاضي من النفاذ ميسراًدون اعباء مالية او إجرائية ...وحلقة وسطى تعكس حيادية المحكمة واستقلالها وحصانة أعضائها والأسس الموضوعية لضماناتها العملية ...والحلقة الأخيرة هي توفير الدولة للخصومة في نهاية مطافها حلاً منصفاًبوصفها الترضية القضائية التي سعى إليها لمواجهة الإخلال بالحقوق وهذه الترضية بافتراض مشروعيتها واتساقها مع الدستور تمثل الحلقة الأخيرة من الحق في التقاضي .

ثانياً:- أرتباط استقلال القضاء بالمبادئ الدستورية

يرتبط مبدأ استقلال القضاء بالعديد من المبادئ الدستورية لعل أهمها ارتباطه بالمبادئ الأتية :-

·        الولاية العامة للقضاء :يقصد بالولاية العامة للقضاء سريان سلطة القضاء على الاشخاص الطبيعين والمعنويين كافة والنظر في المنازعات والخصومات التي تقع بين الأفراد دون استثناء في الدولة لأن السلطة القضائية سلطة يؤسسها الدستور ويعطيها حق الفصل في المنازعات كافة فلا يمكن بعد ذلك أن يصدر قانون معين يقتطع جزءً من تلك الولاية سواء كان بإخراج أشخاص معينين او استثناء موضوعات معينة لان ذلك يمس باستقلال القضاء

·        مبدأ سيادة القانون :يعني مبدأ سيادة القانون بأبسط مفهوم له خضوع الأشخاص كافة لحكم القانون ولا يكون اي عمل او تصرف مشروعاً ما لم يكن يطابق القانون ويقصد بالقانون المعنى الواسع له اي جميع القواعد القانونية اياًكان مصدرها سواء الدستور او التشريع او نظام او تعليمات او القرارات ولكن هذه القواعد نصوص جامدة ونظرية ما لم يمارس القضاء دوره في إضعاف الفاعلية عليها اي يقوم بتحويلها الى نصوص حية وفعالة وعملية من خلال إصدار قرارات قضائية ملزمة للأشخاص كافة بما فيهم الحكومة ومن يمثلها بالغاء اي عمل او تصرف مخالف للقانون و القضاء لايستطيع ان يقوم بهذا الدور إلا إذا كان قضاءً مستقلاً و محايداً وقادراً على مباشرة اختصاصاته ونص دستور جمهورية العراق لسنة 2005 على صلاحية القضاء بالرقابةعلى تطبيق مبدأ سيادة القانون من خلال حضر استثناء اي عمل او قرار من الطعن وذلك في م/100 التي تنص على  ))يحظر النص في القوانين على تحصين اي عمل او قرار إداري من الطعن )) وهكذا يتضح إن مبدأ استقلال القضاء ضمانة أكيدة لمبدأي الولاية العامة للقضاء و مبدأ سيادة القانون فلا يمكن ان تكون هذه المبادئ مضمونة التطبيق ما لم يتمتع القضاء باستقلال وظيفي .

القسم الرابع

أستقلال السلطة القضائية عن باقي السلطات

تقوم الدولة الحديثة على سلطات ثلاث وغالباً ما تنص الدساتير على أختصاصات السلطتين التشريعية والتنفيذية بالتفصيل وتختزل ذلك بالنسبة للسلطة القضائية كما تنص غالبية الدساتير على تبني مبدأ الفصل بين السلطات إلا ان مساحة الفصل تضيق تارة وتتسع تارة اخرى فالأنظمة البرلمانية يكون فيها الفصل نسبياً ونعني به ان تكون السلطات الثلاث في الدولة مستقلة باختصاصاتها مع وجود علاقة تأثير وتأثر فيما بينها فمثلما يكون من حق السلطة التشريعية منح الثقة بالسلطة التنفيذية (الحكومة ) يكون لها سحب الثقة عنها كما يكون للحكومة حل البرلمان اما في الانظمة الرئاسية فالفصل يكون أكثر إتساعاً من النظام البرلماني بحيث تنتفي علاقة التأثير والتأثر فلا يكون للسلطة التشريعية سحب الثقة من الحكومة كما لايكون من حق الحكومة حل البرلمان إلا إن علاقة التعاون فيما بينها تبقى قائمة وبعيداً عن علاقة السلطتين التشريعية والتنفيذية فيما بينهما فإن ما يهمنا هو علاقة السلطة القضائية بباقي السلطات ومدى استقلالها عنها

اولاً:- استقلال السلطة القضائية عن السلطة التشريعية

أن الأصل في تطبيق مبدأ استقلال القضاء يقضي عدم تدخل السلطة التشريعية بأعمال القضاء ويقصد بعدم التدخل هو عدم التدخل السلبي اي التدخل غير المستند اي تخويل بما إن الدستور ينظم السلطة القضائية بصورة اجمالية تاركاً التفاصيل للمشرع العادي فأن تدخلت السلطة التشريعية استناداً الى هذا التخويل فان تدخلها يكون ايجابياً والفرق واضح بين التدخل السلبي الذي يمس استقلال القضاء في حين ان التدخل الايجابي لايمس –بحسب الاصل – لهذا المبدأ و يشترط ان تتقيد السلطة التشريعية وتلتزم بالشروط الاتية

1.       أن يتقيد المشرع بالمبادئ الدستورية المنصوص عليها صراحة او تلك الثابتة بالأصول الدستورية والمستقرة بالضمير الانساني لذا يجب أن لا يتعدى دور المشرع حدود التنظيم بما يمس او يتجاوز مبدأ استقلال القضاء وأوضح الامثلة على مثل هذا التجاوز تكون بما يعرف بأعادة التنظيم التي لايقصد منها اصلاح الجهاز القضائي بقدر ما يكون الهدف منها إقصاء بعض القضاة مناصبهم او الغاء بعض جهات القضاء .

2.       يجب ألأ يقتطع المشرع جزء من الوظيفة القضائية ويسندها الى جهات أخرى غير فضائية او يمنع القضاء من النظر ببعض المنازعات

3.       يجب أن يصدر القانون المنظم لعمل السلطة القضائية بناءً على اقتراح او مشورة رجال القضاء وهو ما يستوجبه مبدأ استقلال القضاء وقد أغفل مشروع دستور جمهورية العراق لسنة 2005 هذا الشرط عندما خول المشرع تنظيم السلطة القضائية بقانون إذا لم يوجب استشارة السلطة القضائية في صياغة هذا القانون واقتراحه وعكس ذلك في الدستور السوداني حيث خول مجلس القضاء العالي ابداء الرأي في مشروعات القوانين المتعلقة بالهيئة القضائية وذلك في م/ 102 الفقرة 2من دستور جمهورية السودان لسنة 1998 . وخلاصة القول أن السلطة التشريعية تمتنع من التدخل بشؤون واختصاصات السلطة القضائية فلا يجوز لها الفصل في المنازعات او أصدار تشريع يحدد وجه الفصل في قضية معينة او التدخل بشأن القرارات القضائية في المسائل المحسومة كإصدار قرارات العفو الشامل ونبين أدناه بعض الامثلة لتدخل السلطة التشريعية بعمل القضاء مما يشكل انتهاكاً لمبدأ الفصل بين السلطات :-

·        حدث عام 1907 إن مجلس العموم البريطاني (البرلمان ) كان يناقش مشروع قانون تطبيق عقوبة الاعدام وأثناء ذلك تحدث نائب عمالي عن قضية محل نظر أمام القضاء لشخص يدعى (آدمز) وتم توجيه اللوم الى النائب لتدخله بعمل القضاء

·        في اليابان قررت اللجنة القضائية لمجلس النواب الياباني التحقيق في قضية منظورة امام القضاء كونها تهم الرأي العام الا ان جمعية قضاة المحكمة العليا وجهت كتاباً لرئيس مجلس النواب احتجت فيه على التدخل في عمل القضاء

·                    والاكثر وضوحاً ما يجري في العراق من تدخل واضح لبعض اعضاء السلطة التشريعية في العمل القضائي

ثانياً :- استقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية

رغم ان مبدأ استقلال القضاء هو مبدء دستوري تبنته كما اشرت سابقاً في هذا البحث اكثر الدساتير ورغم ان الدساتير عادة ما تنص على الفصل بين السلطات الا أن كل هذا لايمنع او يحول دون ان تمارس السلطة التنفيذية اشكالاً متعددة من التدخل و التأثير بالقضاء سواء بأعضاء السلطة القضائية تارة او بعمل القضاة او الوظيفة القضائية تارة اخرى ومن ذلك :

1.                 تدخل السلطة التنفيذية وتأثيرها على اعضاء السلطة القضائية وبأشكال مختلفة :-

·        التدخل والتأثير في تعيين القضاة فقد يحدث ان يتم رفض تعيين شخص لمنصب قاضي بالرغم من توافر الشروط القانونية فيه والحاجة اليه او على العكس فقد يتم تعيين شخص آخر قاضياً رغم عدم توفر الشروط القانونية فيه او عدم الحاجة اليه وتعيين القضاة بوجه عام يكون بأحد الاساليب الاتية :-

  - اختيار القضاة عن طريق الانتخاب من المواطنين وهو نظام سائد في معظم الولايات الأمريكية وفيه تحقيق لاستقلال القضاء عن السلطة التنفيذية الا ان ما يعيبه ان الناخبين غير قادرين على تمييز كفاءة القاضي وعمله وخبرته القانونية وصلاحيته واخلاقه وقد يكون الانتخاب اساسه الميول السياسية للقاضي كما قد يجبر القاضي على ارضاء ناخبيه لإعادة انتخابه مما يؤثر في استقلاله

- الانتخاب عن طريق الجهاز القضائي والقضاة أنفسهم واهم ما يعيب هذه الطريقة هو انحصار الانتخاب بالأصدقاء والأقارب

- التعيين بواسطة السلطة التنفيذية وهي من الطرق الاكثر انتشاراً غير ان أهم ما يعيبها هو إهدارها لمبدأ الفصل بين السلطات لذلك تسعى الدول الى التخفيف من هذا التأثير بطرائق شتى اهمها ان تحدد شروط معينة لتعيين القضاة بحيث لا يترك للسلطة التنفيذية اية سلطة تقديرية او ان يعد الجهاز القضائي نفسه قوائم بالقضاة المراد تعيينهم ثم يصدر رئيس السلطة التنفيذية امراً بتعيينهم بموجب تلك القوائم كما يحدث في العراق

·                    التدخل والتأثير في نقل القضاة :.

·                    التدخل والتأثير في تأديب القضاة :.

·                    التدخل والتأثير في التفتيش القضائي :

·                    التدخل والتأثير في خدمة القضاة:  

وكل ذلك بحمد الله غير موجود في العراق على اعتبار ان شؤون القضاة المذكورة تدار من قبل الجهاز القضائي وليس من قبل السلطة التنفيذية ومع ذلك اقترح ان توضع له ضوابط محددة درء لاستخدام ماذكر بشكل متعسف ضد قضاة بعينهم

2. تدخل السلطة التنفيذية وتأثيرها بالوظيفة القضائية: وقد تمارس السلطة التنفيذية دوراً في التأثير بالعمل القضائي وتوجيهه وجهة معينة  فقد يكون من مصلحة الحكومة او احد رجالها إصدار قرار قضائي معين او بالعكس فقد يكون من غير مصلحتهم إصدار قرار قضائي معين ولكن التأثير قد لايكون واضحاً او علنياً بل مستتراً بأساليب مختلفة منها ان يتم الزام المحاكم او القضاة بموافاة وزارة العدل او احدى مؤسسات الحكومة بصور من الدعاوى المدنية والجنائية التي ترفع على شخصيات هامة مسؤؤلة فور تقديمها او من خلال قدرة وزير العدل بنقل الدعاوى من محكمة الى اخرى او من مكان الى اخر اومن خلال تسمية العديد من القضايا بقضايا الأي العام التي اصبحت عملية نقضها من المحاكم العليا أمراً مألوفاً في اكثر من مرة بل وتتعرض لانتقادات رؤساء الدول والحكومات والصحف الاجنبية وبما نجم عنه تجريد سائر المحاكم والقضاة من الشعور بالاستقلال ومن شل قدرتهم الكاملة على مقاومة الضغوط التي قد تمارس عليهم ‘إذا خلقت تلك الاساليب مصلحة ظاهرة للقضاة في اتقاء غضب السلطة التنفيذية ممثلة بوزارة العدل وسواها الأمر الذي يجعل القاضي قادراً على اصدار الحكم في اية قضية من القضايا بغير ميل حتى عندما لايوجد عليه ضغط من احد مما جعل القضاء كأنه مرفق اداري تابع للسلطة التنفيذية يفتقر الى الاستقلال وكل ذلك طبعاً عندما يكون القضاء جزء من السلطة التنفيذية كما في العراق قبل الغاء دستور 1970 ومع ذلك يمكن ان يتصور مثل تلك الضغوطات على المحاكم حتى الانظمة التي يكون فيها القضاء سلطة مستقلة ونسيق على ذلك بعض الامثلة .....

قرار المحكمة الاتحادية في تفسير المادة 76

او قرارات الهيئة القضائية للمسائلة والعدالة

القسم الخامس

ضمانات استقلال القضاء

ان مبدأ استقلال القضاء نتيجة حتمية لتبني مبدأ الفصل بين السلطات بوصفه ضمانة أكيدة للحقوق والحريات وسيادة القانون وتحقيق العدالة امراً نظرياً ما لم يحصن بمجموعة من الضامانات التي من شأنها تطبيق المبدأعلى ارض الواقع وتعمل على ديمومته واستقراره في التطبيق العملي فالخشية تبقى قائمة من تدخل السلطة التشريعية تارة او من خلال تدخل السلطة التنفيذية تارة اخرى باعمال القضاء وشؤونه واختصاصاته او باستقلال القاضي والتأثير في قراراته لحسم الدعاوي باتجاه معين خارج الاتجاه الذي تتحقق فيه العدالة ويفض المنازعات او يتمتع المتخاصمين بعدالة القضاء لذلك تسعى الدساتير عادة الى تحصين مبدأ استقلال القضاء بأشكال مختلفة من الضمانات من اهمها ما ياتي :-

اولاً :- الرقابة على دستورية القوانين

تعد الرقابة الدستورية واحدة من اهم الضمانات التي تكون بيد السلطة القضائية التي تواجه بها باقي السلطات خصوصاً السلطة التشريعية فكما ان للسلطة التشريعية حق التدخل الإيجابي بشؤون تنظيم القضاء من خلال إصدار القوانين فإن الخشية قائمة بأن يكون مثل هذا التدخل انتقاصاً او اعتداء على استقلال القضاء لذا فأن الدساتير تعطى الامكانية للقضاء بأن يقف ضد إجازة او نفاذ مثل هذه التشريعات التي تخالف الدستور ما دامت تخالف مبدأ استقلال القضاء و سواه من المبادئ الدستورية الاخرى  وحسناً فعل دستور جمهورية العراق لسنة 2005 حين اناط بالمحكمة الاتحادية العليا صلاحية الرقابة على دستورية القوانين والانظمة النافذة وذلك في م/93 الفقرة اولاً ومما يجدر الاشارة اليه ان الدساتير العراقية السابقة قد خلت من هذه الضمانة بالرغم من أن بعضها قد نص على مبدأ استقلال القضاء مما يدعو الى القول ان المبدأ في الدساتير العراقية كان مجرد نظرية مثالية تحتويها النصوص فقط ورغم إن دستوري 1925 ودستور 1968قد نص على وجود محكمة تراقب مدى دستورية القوانين بيد إن المحكمة الاولى لم تصدر اي قرار بشأن دستورية أحد القوانين او الانظمة أما المحكمة الثانية فلم تنعقد اصلاً حتى تقرر اي قرار

ثانياً :- تلاستقلال الإداري للقضاء

يكون تنظيم الشؤون الإدارية للقضاء بعيداً عن تدخل السلطة التنفيذية واحدة من الضمانات المهمة التي تسهم في ترسيخ مبدأ استقلال القضاء وديمومته واستقراره في التطبيق فمسائل تعيين القضاة وعزلهم ونقلهم وترقيتهم وأحالتهم على التقاعد ومساءلتهم تأديبيا او جنائياً او مدنياً كل هذه المسائل يجب ان تنظمها السلطة القضائية نفسها وبعيداً عن تدخل السلطة التنفيذية وبهذا الصدد نرى دستور جمهورية العراق لسنة 2005 قد اسس مجلس القضاء الأعلى و أناط به مهمة ادارة شؤون الهيئات القضائية والإشراف على القضاء الاتحادي وذلك في المواد 91،90من الدستور اي انه فك كل ارتباط بين السلطة القضائية و وزارة العدل التي تعد احدى وزارات السلطة التنفيذية وعادة ما يطالب القضاة في العالم عند وجود المجلس الاعلى للقضاء أن تكون أغلبيتة منتخبة من القضاة أنفسهم وعدم اقتصار تشكيله على عدد من الشخصيات القضائية بحكم مناصبهم الرسمية لأن ذلك يؤدي الى تبعيتهم للحكومة بشكل يؤدي في معظم الأحيان الى الاصطدام بمصالح القضاة او غير معبر عن مطالبهم وحري باللأشارة الى أن السلطة القضائية والقضاة كانا مرتبطين إدارياً بوزارة العدل بموجب قانون التنظيم  القضائي رقم 160 لسنة 1979 المعدل النافذ

ثالثاً:- الاستقلال المالي للقضاء

ان تأسيس ميزانية مستقلة للقضاء تشكل إحدى الضمانات المهمة في مبدأ استقلال القضاء فكلما كان هناك استقلال مالي وميزانية خاصة بالقضاء كلما قلت الضغوط والتأثيرات في عمل السلطة القضائية من قبل السلطة التنفيذية وبهذا الصدد نجد دستور جمهورية العراق جعل للقضاء موازنة سنوية مستقلة يقوم باقتراحها مجلس القضاء الأعلى ويعرضها على مجلس النواب وذلك في م/91 الفقرة 3

رابعاً:- الاستقلال الوظيفي للقضاء

ومفاد هذه الضمانة أن يستقل القضاء باختصاصات معينة وحصرية لايمكن للسلطتين التشريعية والتنفيذية ان تتدخل بتلك الاختصاصات سواء بمباشرتها او التعقيب على عمل السلطة القضائية بإصدار القوانين او القرارات التي من شأنها إيقاف تنفيذ أحكام المحاكم او التحقيق في تلك الاحكام

وضمن هذا المفهوم فإن الاستقلال الوظيفي يوجب وحدة النظام القضائي وعدم إنشاء محاكم مؤقتة او استثنائية او خاصة بل يجب ان يكون النظام القضائي موحداً ماسكاً بزمام السلطة القضائية بمفرده وذلك كونها تتمتع بالولاية العامة على الأشخاص والأموال جميعاً ولها حق الفصل في المنازعات كافة واستقلال القاضي الوظيفي لايقل شأناً عن الاستقلال الوظيفي للقضاء لذا يجب ان يكون عمل القاضي منحصراًبالعمل القضائي فقط ولايجوز له مزاولة اي عمل اخر بجانبه وبهذا الصدد فأن دستور جمهورية العراق لسنة 2005 في م/98 منه منع القاضي وعضو الادعاء العام الجمع بين الوظيفة القضائية والوظيفتين التشريعية والتنفيذية او اي عمل اخر كما حظر عليه الانتماء الى اي حزب او منظمة سياسية او العمل بأي نشاط سياسي

خامساً : دفاع الجمهور عن استقلال القضاء

نضال القضاة من اجل استقلال القضاء

بعد ان تبنى العالم المتحضر خيار تداول السلطة بالطرق السليمة واعتماد النهج الديمقراطي بالحياة العامة فقد نصت الدساتير على الفصل بين السلطات الثلاث وأنشات محاكم دستورية لهذا الغرض للنظر في اي خرق للدستور غير أن بعض الأنظمة السياسية لهذه الدول حاولت بطرق متعددة التجاوز على السلطة القضائية خاصة للحد من تطبيق القانون وبالتالي السماح لها بالعمل بالطرق التي تخدم مصالحها وأول مستهدف بذلك هم القضاة باعتبارهم الممثلين الحقيقين لمبدأ استقلال القضاء وقد تصدوا ضد اي تدخل في اعمالهم ومن ذلك على سبيل المثال ماحصل في جمهورية مصر العربية وفي اوغندا ففي مصر هناك حركة مدنية فاعلة اطلق عليها (حركة كفاية) والتي تطالب باستقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية والتي يقودها القضاة الاصلاحين ومن حالات التصدي الذي قادته هذه الحركة قيام قاضيين وهما اللذين كشفا حالات التزوير التي سادت الانتخابات التي جرت في خريف عام 2005 وطالبوا بالتحقيق مع القضاة الذين ثارت شكوك حول مشاركتهم في تزوير نتائج الانتخابات (التشريعية ) مما حدا بالسلطة التنفيذية ممثلة بوزير العدل الذي قرر أحالة القاضيين الى المحكمة امام (مجلس صلاحية ) المكلفة بالنظر في ما إذا كانا يصلحان للعمل القضائي من عدمه كما يحق لها عزل القضاة احالتهم على التقاعد او نقلهم لوظائف إدارية وهذا يعد تدخلاً خطيراً في السلطة القضائية ومبدأ استقلال القضاء اللذين يناضل من اجلهما القضاة الاصلاحيين ومن الامور الاخرى التي أثارها نادي القضاة طالبوا ان يكون اعضاء مجلس القضاء الاعلى منتخبين من قبل القضاة انفسهم وقد ساعدت حركة كفاية بشكل كبير للترويج لهذه المطالب وهناك العديد من الحالات المماثلة في دول العالم الثالث والتي تتبنى في دساتيرها مبدأ الفصل بين السلطات نجدها قد خرقت هذا المبدأ وتجرأت السلطات التنفيذية بالتدخل في مهام اعمال السلطة القضائية بالرغم من تبنيها مبدأ استقلال القضاء ومن أمثلة هذا التدخل ما حصل في اوغندا حيث توغل افراد الأمن بأسلحتهم الى مبنى المحكمة العليا واعادة (14) شخصاً الى السجن على الرغم من الحكم الذي أصدره قاضي المحكمة العليا بأخلاء سبيلهم بكفالة وهذا الامر يعد اعتداء صارخاً على حكم القانون وعلى مبدأ استقلال القضاء ولعل ما يجري من حالات مماثلة في العراق اليوم لهو دليل أخر على مقدار عظم التحدي الذي يواجهه مبدأ استقلال القضاء

 

الخاتمة

ختاماً لابد من التعريج الى اهم الاستنتاجات والتوصيات وكما ياتي :-

اولاً :- ان ترسيخ مبدأ استقلال القضاء لايتوقف عند المطالبة التي ينادي بها القضاة فقط لان المطالبة بأستقلال القضاء ليست مطالبة فئوية تخص القضاة فقط بمعنى ان تحقيق الاستقلال من عدمه لايخص القضاة فقط  لارتباطه بسيادة القانون وضمان الحقوق والحريات التي هي بالأصل متصلة بعموم الشعب لذا فان المطالبة بالاستقلال تخص جميع ابناء الشعب

ثانياً :- إن استقلال القضاء شرط رئيس ومهم للاصلاح على اختلاف صوره واهمها الإصلاح السياسي ومحاربة الفساد ويشكل القضاء أمل الناس بالأصلاح فإذا خاب املهم فيه فإنهم حتماً سوف يلجؤن الى العنف

ثالثاً : ان الانعطافة الهامة التي اوجدها التغير السياسي في العراق هو ارتباط القضاء بمجلس القضاء الاعلى الإ ان استقلال القضاء العراقي لايتوقف عند هذا الحد بل يجب ان ينسحب الى القضاة انفسهم اي بمعنى ان استقلال السلطة القضائية ماهي الى وسيلة لاستقلال القاضي لذا يجب العمل على ترسيخ هذا المبدء وهذه الروحية لدى القضاة

رابعاً : ان استقلال القضاء لا تضمنه النصوص الدستورية والقانونية بل هو مرتبط بالمطالبة المستمرة للقضاة انفسهم بمعنى ان استقلال القضاء مرهون بالقضاة انفسهم فإذا أرادوا الاستقلال توجب عليهم العمل على تحقيقه من خلال حيادهم والتزاماتهم الوظيفية وتوحد المطالبة فيما بينهم من خلال ترسيخ مفاهيم جديدة تستند الى العلمية العالية وتحري الدقة في اصدار الاحكام فضلاً عن الشفافية مع الجمهور لمعرفة المنجزات والاجراءات

خامساً: تشجيع القضاة للانفتاح على المجتمع وعلى مؤسساته المدنية وتشجيع المحاكم على الشئ نفسه كي يشعر الجمهور بأهمية القضاء وجليل الخدمات التي يقدمها للمجتمع وبذلك يكون هذا الجمهور هو المدافع الأول عن استقلال القضاء

سادساً الاهتمام برفع مستوى العلمي للقضاة بما يمكنهم من انتزاع الاستقلال والدفاع عنه من خلال ما يصدروه من أحكام وقرارات

النصوص الدستورية

1. دستور المملكة الأدنية الهاشمية لسنة 1952 نص في م /97 على ((القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون )) كما نص في م/101 الفقرة (1) على ((المحاكم مفتوحة للجميع ومصونة من التدخل في شؤونها ))

  2. دستور الجمهورية التنوسية لسنة 1959 الذي نص في م/67 على   ))   الضمانات اللازمة للقضاة من حيث التعيين والترقية والنقلة والتأديب يسهر على تحقيقها مجلس اعلى للقضاء يضبط القانون تركيبه واختصاصاته ))

  3.دستور دولة الكويت لسنة 1926 نص في م/163 على   ))لاسلطان لأي جهة على القاضي في قضائه ولايجوز بحال التدخل في سير العدالة ويكفل القانون استقلال القاضي ويبين ضمانات القضاة والأحكام الخاصة بهم وأحوال عدم قابليتهم للعزل))

  4.دستور دولة الصومال لسنة 1969 الذي نص في م/95 الفقرة (2) على :  )  (تنشأ اقسام متخصصة في مسائل معينة بالاضافة الى الهيئات القضائية العادية وتشرك فيها المواطنون ذوو الاهلية من خارج القضاء كلما اقتضى الامر ذلك)) كما نص بالفقرة (4) على ان ((يشترك الشعب بصفة مباشرة في محاكم الجنايات العليا بالطريقة التي يحددها القانون )

  5.دستور جمهورية مصر العربية لسنة 1971 نص في م/65 على   :  ((تخضع الدولة للقانون واستقلال القضاء وحصانته ضمانان اساسيان لحماية الحقوق والحريات )) كما نص في م/ 165 على   ))   السلطة القضائية مستقلة وتتولاها المحاكم على اختلاف انواعها ودرجاتها وتصدر احكامها وفق القانون )) كما نص في م/166 على (( القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ولا يجوز لأية سلطة التدخل في القضايا او في شؤون العدالة))

  6.دستور جمهورية الاسلامية الموريتانية لسنة 1991 الذي نص في م/90 على ((لايخضع القاضي الا للقانون وهو محمي في اطار مهمته من اشكال الضغط التي تمس نزاهة حكمه ))

  7.النظام الاساس للمملكة العربية السعودية لسنة 1992 الذي نص في م/52 منه على ((يتم تعين القضاة وإنهاء خدمتهم بأمر ملكي بناء على اقتراح من المجلس الاعلى للقضاء وفقاً لما يبينه النظام ))

  8.دستور المملكة المغربية لسنة 1996 نص في م /87 على ((يسهر المجلس الاعلى للقضاء على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة فيما يرجع لترقيتهم او تأديبهم))

  9.دستور جمهورية السودان لسنة 1998 الذي نص في م/101الفقرة (2) على ((يهتدي القاضي بمبدأ سيادة الدستور والقانون وعليه حماية هذا المبدأ متوخياً إقامة العدل بإتقان وتجرد دون خشية او محاباة))

  10.دستور مملكة البحرين لسنة 2002 الذي نص في م/105 الفقرة (د) منه على ((ينشأ بقانون مجلس اعلى للقضاء يشرف على حسن سير العمل في المحاكم وفي الاحهزة المعاونة لها ويبين القانون صلاحيته في الشؤون الوظيفية لرجال القضاء والنيابة العامة ))

الملاحق

استكمالاً للفائدة سوف نختار بعض المقررات والتوصيات لبعض المؤتمرات الدولية المرتبطة بمبدأ استقلال القضاء

اولاً :- مؤتمر الامم المتحدة السابع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المنعقد في 26/أب الى 6/ايلول 1985 وقد كان من بين مقرراته ذات الصلة :-

1.       تكفل الدولة استقلال السلطة القضائية وينص عليه دستور البلد او قوانينه ومن واجب جميع المؤسسات الحكومية وغيرها من المؤسسات احترام ومراعاة استقلال السلطة القضائية

2.       تفصل السلطة القضائية في المسائل المعروضة عليها دون تحيز على اساس الوقائع وعلى وفق القانون ودون تعقيدات او تأشيرات غير سليمة او اية إغراءات او ضغوط او تهديدات او تدخلات مباشرة كانت او غير مباشرة من اي جهة او لأي سبب

3.                 تكون للسلطة القضائية الولاية على جميع المسائل ذات الطابع القضائي

4.       لايجوز ان تحدث أية تدخلات غير لائقة اولا مبررلها في الاجراءات القضائية ولا تخضع الاحكام القضائية التي تصدرها المحاكم لإعادة النظر ولا يدخل هذا المبدأ بإعادة النظر القضائية او بقيام السلطات المختصة على وفق القانون بتخفيف وتعديل الاحكام التي تصدرها السلطة القضائية

5.       لكل فرد الحق في ان يحاكم امام المحاكم العادية او الهيئات القضائية التي تطبق الاجراءات القانونية المقررة ولايجوز انشاء هيأت قضائية لا تطبق الاحراءات القانونية المقررة بحسب الاصول الخاصة بالتدابير القضائية لينتزع الولاية القضائية التي تتمتع بها المحاكم العادية او الهيئات القضائية

6.       يكفل مبدأ استقلال السلطة القضائية لهذه السلطة ويتطلب منها ان تضمن سير الاجراءات القضائية بعدالة واحترام حقوق الاطراف

7.                 من واجب كل دولة عضو ان توفر الموارد الكافية لتمكين السلطة القضائية من أداء مهامها بطريقة سليمة

ثانياً:- إعلان بيروت للعدالة الصادر عن مؤتمر العدالة العربي الأول /بيروت /1999 وجاء بتوصيات الإعلان الخاصة بضمانات استقلال السلطة القضائية

1.       ان تضمن دساتير وتشريعات الدول العربية المبادئ الاساسية للأمم المتحدة بشأن استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية وان تحترم بوجه خاص اعمال التدخل في شؤونها كافة

2.       ان تكفل الدولة موازنة مستقلة في السلطة القضائية بكل افرعها وتنظيماتها تدرج بنداًواحداً بموازنة الدولة بناء على اقتراح المجالس القضائية العليا بالجهات القضائية المعنية

3.       لايجوز ان تتدخل السلطة التنفيذية في اعمال التفتيش القضائي على أية صورة ولا ان تخل باستقلال السلطة القضائية عن طريق تعليماتها او منشوراتها

4.                 كون الادعاء العام شعبة من شعب السلطة القضائية

5.       للقضاة حصانة ترتبط بوظائفهم فلا تتخذ فيهم في غير حالة التلبس بالجريمة إجراءات قضائية ايا كان نوعها او مداها الا بعد إذن يصدر بذلك من مجالسهم العليا

6.                 لايجوز انتزاع القضايا من القضاة الذين يتولون نظرها إلا بسبب يتعلق بإنتفاء صلاحيتهم للفصل فيها

7.       ضرورة اصلاح الهيكل الاداري وادوات العمل المحيطة بمهمة القاضي وتوفير الوسائل المناسبة التي تجعل من اقامة العدل امراً يسيراً

8.       يباشر القضاة حرية الاجتماع لتمثيل مصالحهم على اختلافها ولهم في سبيل ذلك تكوين تنظيم يضمهم لصون هذه المصالح وبما يكفل اضطراد تقدمها

ثالثاً :- إعلان القاهرة لأستقلال القضاء الصادر عن مؤتمر العدالة العربي الثاني ((دعم وتعزيز استقلال القضاء )) المنعقد للفترة 21- 24/شباط /2003 القاهرة

1.       تأكيد الالتزام على مستوى سلطات الدولة الثلاث من تشريعية وقضائية وتنفيذية بمبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية المعتمد من الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1985 وكذلك ايلاء الاعتبار لتفعيل اعلان بيروت الصادر عن مؤتمر العدالة العربي الاول في العام 1999

2.       ضرورة تبني استراتيجيات واضحة يشارك في صياغتها اعضاء السلطة القضائية لتطبيق ما نصت عله دساتير وقوانين دول المنطقة العربية من استقلال للقضاء وتبني مبدأ الفصل بين السلطات على ان تتضمن هذه الاستراتيجيات العناصر التالية :

·        الدعوة الى تشكيل لجان متخصصة للإصلاح القضائي في كل دولة من دول المنطقة العربية تتكون من ممثلين عن السلطات الثلاث والفاعلين من المجتمع المدني بهدف وضع خطوات عملية لتطبيق مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية والتزام المعايير الدولية المعترف بها على نطاق واسع بشأن استقلال القضاء

·        دعوة مؤسسات المجتمع في المنطقة العربية الى انشاء شبكة عربية من المؤسسات ذات الصلة بأوضاع العدالة واستقلال القضاء من اجل دعم وتكثيف الجهود لتهيئة مناخ إعلامي وشعبي لمساندة بلورة استراتيجية دعم استقلال القضاء في المنطقة العربية

·        الدعوة الى انشاء شبكة من المؤسسات القضائية ومؤسسات المجتمع المدني في المنطقة العربية ليكون من وظائفها تحليل اوضاع استقلال القضاء واعداد تقارير دورية عن كل دولة عربية بالتطورات في مجال التطابق بين المبادئ التي تنص عليها التشريعات الوطنية والتطبيقات العملية لتلك المبادئ

·                    انشاء منظمة عربية غيرحكومية للقضاة من اجل تعزيز التضامن وتبادل الخبرات ودعم استقلال القضاء

·                    ضمان الاستقلال المالي للسلطة القضائية وإدراج ميزانية السلطة القضائية بنداً واحداًبموازنة الدولة

·        خلق وسائل اتصالات بالجمهور لتقديم معلومات عن سير المحاكم وكيفية إصدار الأحكام لخلق مزيد من الشفافية في المعلومات القانونية والقضائية وتدفق المعلومات بصفة عامة بما يؤدي الى التفاعل بين المجتمع المدني والسلطة القضائية

·                    التعاون مع الننظمات الدولية ذات الصلة بتعزيز استقلال القضاء

  3.إعادة النظر في الطرق المتبعة في تعيين وترقية وتأديب القضاة من اجل ضرورة تحقيق المزيد من الشفافية والموضوعية وايلاء الشأن القضائي كاملاً الى المجالس القضائية العليا

4.الدعوة الى اعداد ميثاق شرف لأخلاقيات رسالة القضاء

5.تعزيز حرية القضاة في إقامة الجمعيات والاندية الخاصة بالقضاة التي تعبر عن آرائهم وتدافع عن استقلال ومصالح القضاة

6.إنشاء معاهد قضائية متخصصة لإعداد القضاة وتأهيلهم والاهتمام بتنظيم دورات تدريبية للقضاة

7.تأكيد ضرورة تنفيذ الأحكام القضائية احتراماً لأستقلال السلطة القضائية وضماناً لحقوق المتقاضين

8.إلغاء التشريعات والمحاكم الاستثنائية المقيدة لحريات وحقوق الافراد ولحقهم في اللجوء الى القاضي الطبيعي ولضمانات حق التقاضي .

 

حسن العكيلي

باحث قانوني