التفاصيل
قرار المحكمة الاتحادية العليا عن الهيئات المستقلة في الدستور / زهير كاظم عبود

قرار المحكمة الاتحادية العليا عن الهيئات المستقلة في الدستور / زهير كاظم عبود

2011-01-26 08:00:00

 

زهير كاظم عبود - قاضي وباحث قانوني

أشار الفصل الرابع من الدستور ضمن المواد من 102 -108  في  باب الهيئات المستقلة حيث وضع لكل هيئة من هذه الهيئات مرجعا لها ، فعد المفوضية العليا لحقوق الإنسان والمفوضية المستقلة للانتخابات ، وهيئة النزاهة ، هيئات مستقلة تخضع في أعمالها لرقابة السلطة التشريعية ( رقابة مجلس النواب ) ، ويتم تنظيم أعمالها بقانون .

كما عد الدستور كل من البنك المركزي وديوان الرقابة المالية وهيئة الأعلام والاتصالات ودواوين الأوقاف أيضا من الهيئات المستقلة مالياً وإدارياً ، وعاد الدستور ليؤكد ضمن نص الفقرة ثانيا من المادة 103 على أن البنك المركزي يكون ( مسؤولاً أمام مجلس النواب )  ، ويرتبط ديوان الرقابة المالية وهيئة الإعلام والاتصالات بمجلس النواب .

ونصت الفقرة ثالثا من نفس المادة على أن دواوين الأوقاف ترتبط بمجلس الوزراء ، كما ترتبط  مثله مؤسسة الشهداء بمجلس الوزراء أيضا .

كما نصت المادة 135/أولا من الدستور على أن تواصل الهيئة الوطنية للمساءلة والعدالة التي حلت محل الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث أعمالها باعتبارها هيئة مستقلة وتقوم بالتنسيق مع السلطة القضائية والأجهزة التنفيذية الأخرى ، وتخضع في عملها لرقابة مجلس النواب .

كما أشارت المادة 136/ أولا على مواصلة هيئة دعاوى الملكية أعمالها بشكل مستقل أيضا وبالتنسيق مع السلطة القضائية والأجهزة التنفيذية ، وتخضع لرقابة مجلس النواب .

وبموجب المادة 107 من الدستور تم التأكيد  على تأسيس مجلس للخدمة العامة الاتحادي يتولى تنظيم شؤون الوظيفة العامة بما فيها التعيينات والترقية الخاصة بالخدمة العامة ، ولم يذكر النص ارتباط المجلس أو مرجعيته أو خضوعه لرقابة مجلس النواب ،  وكذلك لم يذكر مرجعية الهيئة العامة لمراقبة تخصيص الواردات الاتحادية المنصوص عليها  بنص المادة 106 من الدستور ،  ولغرض فسح المجال مستقبلا لاستحداث هيئات مستقلة أخرى حسب الحاجة أباحت المادة 108 من الدستور جواز استحداث مثل هذه الهيئات .

ويشار إلى أن الاستقلالية التي تتمتع بها هذه الجهات لا يعني أنها منقطعة أو منفصلة عن جميع السلطات ، بالنظر لطبيعة عملها وعلاقته بالعمل التنفيذي أو القضائي  ، كما نلاحظ أن النص الدستوري جعل رقابة مجلس النواب على بعض الهيئات ، وجعل ارتباط بعض منها بمجلس النواب ، في حين جعل ارتباط عدد آخر منها بمجلس الوزراء ، وترك أمر ارتباط بعض منها دون أن ينص على تحديد الجهة التي يرتبط بها كما فعل مع مجلس الخدمة الاتحادي والهيئة العامة لمراقبة تخصيص الواردات الاتحادية .

من المعروف دستوريا أن مجلس النواب العراقي يختص بمقتضى المادة 61 من الدستور بتشريع القوانين الاتحادية ، والرقابة على أداء السلطة التنفيذية ، وانتخاب رئيس الجمهورية ، ويقوم بتنظيم عملية المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية ، ويقوم بالموافقة على تعيين بعض المراكز القضائية والتنفيذية المهمة بناء على اقتراح من الجهات ذات العلاقة ، وللمجلس مساءلة رئيس الجمهورية واستجواب رئيس الوزراء والوزراء والموافقة على إعلان الحرب وحالة الطوارئ ، وغيرها من الاختصاصات التي نص عليها الدستور ، غير أن هذا المجلس لا يمكن أن يدير هيئات آو مؤسسات فرعية تؤدي نشاطا تنفيذياً ، لأن السلطة التشريعية يتحدد عملها الدستوري ضمن إطار عام في التشريع ، بالإضافة إلى أن عدد من هذه الهيئات لا يمكن أن تبقى سائبة دون أن ترتبط بإحدى السلطتين ، لأن الأمر يتعارض مع مفهوم مبدأ فصل السلطات ، وهو المبدأ الذي اخذ به الدستور العراقي .

ومن غير المنطقي أو المعقول أن تكون هناك مؤسسات تصدر القرارات وتؤدي مهامها بمعزل عن السلطتين القضائية والتنفيذية ، وان مجرد خضوعها لرقابة مجلس النواب لا يجعلها في منأى عن إشراف السلطتين وفق طبيعة عملها ، باعتبار أن نشاط أغلب هذه الهيئات تؤدي مهاما تنفيذية ، وحيث أنها مستقلة فإنها لا ترتبط بوزارة ، فتكون هذه الهيئات من الجهات التي لا ترتبط بوزارة ، وحيث أن من مهام مجلس الوزراء تخطيط وتنفيذ السياسة العامة للدولة العراقية ووضع الخطط العامة والأشراف على عمل الوزارات وعلى عمل الجهات غير المرتبطة بوزارة ، لذا فان الإشراف على هذه الجهات يكون من اختصاص رئيس الوزراء حكما .

إن الدستور العراقي حدد السلطات بثلاث ، وهي السلطة التشريعية المتمثلة بمجلس النواب ، والسلطة القضائية المتمثلة بمجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية العليا ومحكمة التمييز الاتحادية وجهاز الادعاء العام وهيئة الإشراف القضائي والمحاكم الاتحادية الأخرى ، والسلطة التنفيذية المتمثلة برئيس الجمهورية ومجلس الوزراء ومهمته تنفيذ السياسة العامة للدولة والتخطيط والإشراف على عمل الوزارات والجهات التي لا ترتبط بوزارة .

وكانت المحكمة الاتحادية العليا قد أصدرت قرارا برقم 88/ اتحادية /2010بتاريخ 18/1/ 2011  بناء على استفسار من رئيس الوزراء ، جاء فيه  بان ربط بعض الهيئات المستقلة ذات الطبيعة التنفيذية في عملها بمجلس النواب أمر لا يتفق مع اختصاص المجلس ويتعارض مع مبدأ فصل السلطات ولا يتفق مع ما جرى العمل عليه في برلمانات العالم ، كما تجد المحكمة الاتحادية أن ( ارتباط ) بعض الهيئات المستقلة بمجلس النواب لا يحول دون الإشراف على نشاطاتها  من قبل مجلس الوزراء تطبيقا لاختصاصاته الواردة في الدستور ، باعتبارها جهات غير مرتبطة بوزارة .

أما بقية السلطات التي لم تحدد النصوص الدستورية ارتباطها بمجلس النواب أو مجلس الوزراء وتمارس مهام تنفيذية ، واخضع الدستور قسم منها ( لرقابة مجلس النواب ) أو جعلها ( مسؤولة أمام مجلس النواب ) ، فأن مرجعيتها لمجلس الوزراء ، ويكون لمجلس النواب حق الرقابة على أعمالها ونشاطاتها ، وتكون مسؤولة أمام مجلس النواب شأنها شأن أية وزارة أو جهة تنفيذية غير مرتبطة بوزارة ، سواء ذكر ذلك النص الدستوري أو لم يذكر تأسيسا على ما أورده من نصوص تعطي حق الرقابة لمجلس النواب على أعمال السلطة التنفيذية .

وكنا قد أكدنا في مقالات سابقة على ضرورة ان تكون هناك مرجعية لهذه الهيئات بحيث تنسجم مع السياسة العامة للدولة ، وتقوم بالتنسيق مع بقية السلطات ، مع احتفاظ هذه الهيئات بالاستقلال المالي والإداري تحصينا لها  ، وحتى تكون مستقلة في قراراتها وإجراءاتها المهنية.

وبقراءة متأنية ودقيقة لقرار المحكمة الاتحادية نجد أنها تفصل بشكل ينسجم مع تطلعات الدستور وروح النصوص ، قراءة قانونية متخصصة في تفسير النصوص  تفسيرا ينسجم مع المنطق والواقع  ، وتلك من بين  مهمات المحكمة الاتحادية ، وهي جهة ذات اختصاص وتتشكل من تسعة من قضاة متمرسين مشهود لهم بالعلمية والخبرة والثقافة والنزاهة ، وتتمتع بالاستقلالية التي نص عليها الدستور .

وخضوع الهيئات للرقابة والأشراف لا يخل بطبيعة عملها ، ولا يخدش استقلاليتها ، لأن الاستقلالية لا تعني الانفصال ، والإشراف والرقابة لا يعني الخضوع والتدخل في أعمالها ، كما ان مجلس النواب لا يملك الأدوات التي تؤهله لادارة شؤون هذه الهيئات ،  حيث أن  بقاء مثل هذه الهيئات بهذا الشكل يعرض حرية المواطن وحقوقه إلى الضياع ، كما أنها ستكون في منأى عن الطعن في قراراتها في حال بقاءها خارج إطار وحدة كيان السلطة التنفيذية وتكامله في العمل مع بقية الجهات التي لا ترتبط بوزارة .

ويمكن للمتخصصين في المجال القانوني أن يستعيدوا أحداث  الفترة الماضية التي بقيت بها بعض الهيئات دون مرجعية ودون مراقبة أو إشراف ، سيدرك مقدار الخلل والأخطاء التي ارتكبت نتيجة ذلك . 

أن المحكمة الاتحادية العليا متحددة في تفسير النصوص ولا يمكن لها أن تأتي بنصوص جديدة ، ومن يريد غير تلك التفسيرات عليه أن يأتي بنصوص دستورية أخرى ، بشرط أن تنسجم مع طبيعة الدستور ومبدأ فصل السلطات ، ومع استقلالية القضاء العراقي ، وجاء قرارها الأخير كاشفا للحقيقة ومنسجما مع تطلعات الدستور .